نائب قائد قوات التحالف في العراق وسوريا، الجنرال البريطاني كريس جيكا، قال إنه ليس هناك تهديد متزايد من جانب القوات التي تدعمها إيران، لكن قيادة المنطقة الوسطى الأمريكية ناقضت أقواله وقالت إن هناك معلومات ثابتة عن نية مهاجمة أهداف أمريكية. من يقول الحقيقة؟ من يعرف ما الذي يحدث، التوتر يزداد، الأجواء في الخليج ملبدة ببخار نفط قابل للانفجار والتوقعات تتزايد. هل ستكون هناك حرب؟ هل ستكون هناك مفاوضات؟ هل سيحطم النظام الإيراني؟ هل سيتراجع أم أن إيران ذاهبة في مواجهة مبادر إليها لأنها سئمت العقوبات؟
إيران اتخذت قرارها الاستراتيجي عندما أعلنت أنها تنوي تقليل درجة التزامها بالاتفاق النووي، وهذه خطوة تفسر الآن بزيادة مخزون المياه الثقيلة ومخزون اليورانيوم المخصب إلى مستوى منخفض.
لا يوجد لذلك أي تأثير حقيقي على المشروع النووي طالما إيران لا تقوم بتخصيب اليورانيوم إلى مستوى مرتفع. وتطرد مراقبي الوكالة الدولية للطاقة النووية وتعيد تشغيل منشآت حيوية أغلقتها كجزء من الاتفاق، هي ليست هناك.
بالنسبة إليها، الاتفاق ما زال سارياً، لكن التغيير في موقفها المعلن الذي يقول إنها ستطبق الاتفاق بالكامل رغم انسحاب الولايات المتحدة منه، هو إعلان نوايا جديد. ليس هناك خرق يستدعي عملاً عسكرياً ضدها، لكن ليس هناك ثقة كاملة في تطبيقه. هذا هو معنى السير الحذر على الحافة، الذي ينتظر تراجع طرف من الطرفين، ويمكن اعتباره أيضاً دعوة للمفاوضات.
الافتراض الأساسي في الغرب، وبالذات في واشنطن، هو أن العقوبات ستجبر إيران على التراجع والموافقة على فتح الاتفاق النووي للنقاش من جديد بحيث يتضمن أيضاً برنامج الصواريخ البالستية، وأيضاً تدخلها في دول أخرى مثل لبنان وسوريا واليمن. مرتان في السابق خضعت إيران للعقوبات أو لتهديدات بمهاجمتها، مرة في العام 2003 بعد إسقاط نظام صدام حسين عندما أرسل الرئيس محمد خاتمي رسالة إلى الرئيس الأمريكي في حينه جورج بوش الابن اقترح فيها عليه إجراء مفاوضات شاملة تتضمن المواضيع المختلف حولها ومنها المشروع النووي والعملية السلمية في الشرق الأوسط. بوش تجاهل الرسالة رغم حقيقة أن إيران قامت بتجميد مشروعها النووي من أجل إثبات جدية نواياها. في المرة الثانية صادق الزعيم الأعلى علي خامنئي على بدء المفاوضات مع الدول الست العظمى، من بينها الولايات المتحدة، من أجل التوصل إلى الاتفاق النووي. واشنطن عزت التراجع الأول إلى التهديد العسكري الذي شعرت به إيران في أعقاب غزو العراق. استعدادها للتوصل إلى الاتفاق النووي ربطته الولايات المتحدة بالأزمة الاقتصادية التي تسببت بها العقوبات الدولية.
ترامب لا يملك برنامج عمل وينتظر مكالمة من طهران
صحيح أن هذه التفسيرات تستند إلى منطق نظري مقبول، لكنه في حالة إيران لا يقدم كامل التفسير. مثلاً، لماذا أفشلت إيران حواراً أدارته، خلال عشر سنوات في مفاوضات مع الدول الأوروبية ومع الوكالة الدولية للطاقة النووية، بصورة منهجية بل وجمدت في نهاية المطاف المحادثات بشأن الاتفاق النووي حتى نهاية العام 2012، نصف سنة تقريباً قبل الانتخابات التي فاز فيها حسن روحاني بالحكم؟ إذا كانت إيران في 2003 قد خافت من هجوم أو حتى من احتلال أمريكي، فما الذي جعلها تتوقف عن الخوف خلال ذاك العقد ولا تتراجع؟ إذا كانت هذه النظرية الخطية، التي تقول إن التهديد العسكري أو العقوبات يمكنها وحدها أن تؤدي إلى تغيير سلوك الدول، صحيحة، فلماذا اضطرت الولايات المتحدة إلى شن حرب ضد العراق بعد أكثر من عقد من فرض العقوبات الاقتصادية، ولماذا لم تخضع إيران بعد وجبات من العقوبات الشديدة التي فرضتها عليها الأمم المتحدة والولايات المتحدة قبل الاتفاق النووي؟ في الغرب مقبول الادعاء بأن العقوبات السابقة لم تكن شديدة بما فيه الكفاية، وأن التهديد العسكري اعتبر غير موثوق. والدليل على ذلك، يشير خبراء إلى أنه رغم العقوبات إلا أن إيران شرعت في جمع احتياطي كبير من العملة الأجنبية من أجل برامج تطوير، ثم تطوير المشروع النووي وصناعة الصواريخ المتطورة.
«الصبر الاستراتيجي انتهى»، قال روحاني مؤخراً، «ونتيجة لذلك، نعود إلى اقتصاد المقاومة». الشعار نفسه الذي معناه إجراءات اقتصادية وتقليصات في الدعم ووقف برامج تطوير كبيرة والعثور على مسارات التفافية لبيع النفط واستيراد المنتوجات.
تسويق «اقتصاد المقاومة» للجمهور في إيران مرة أخرى يعدّ مخاطرة سياسية؛ لأن النظام في إيران لن بعرف كيف سيرد الجمهور.
ليس السؤال العملي هو ماذا ستفعل إيران إزاء الضغط الشديد الذي يمارس عليها، بل ماذا ستفعل الولايات المتحدة في حال انطوت إيران على نفسها ولم تتراجع؟ مشكوك فيه إذا كان لإدارة ترامب برنامج عمل أبعد من العقوبات وانتظار مكالمة تأتي من إيران.
العمليات ضد السفن السعودية وخط النفط ليست ذريعة لهجوم شامل، كما أن الإدارة لا تقول إنه لديها إثباتات على أن إيران هي التي بادرت إلى هذه الهجمات أو أنها وقفت من ورائها، عدا عن المعلومات العامة التي تقول إن قوات مؤيدة لإيران تخطط للمس بأهداف أمريكية. ترامب غارق أيضاً في صراع سياسي مع الكونغرس الذي يحذره من جر الولايات المتحدة إلى حرب على صيغة حرب العراق. أعضاء كبار في المجلسين يطالبون بالحصول على معلومات مفصلة أكثر عن تهديدات إيران. وأمس التقى أعضاء الكونغرس في جلسة مغلقة مع مستشار ترامب من أجل الحصول على توجيهات بشأن طبيعة التهديدات.
صحيح أن روسيا تكسب من العقوبات على إيران، لكن حرباً تضع قوات أمريكية كبيرة في الخليج هي الأمر الأخير الذي يمكن أن تعنى به. من الصعب تقدير موقف الصين التي تدير صراعاً شديداً مع الولايات المتحدة بشأن الاتفاق التجاري. لقد قلصت بصورة كبيرة حجم مشتريات النفط الإيرانية، لكن مواجهة عسكرية ترفع أسعار النفط ستسبب لها أضراراً اقتصادية كبيرة. الكوابح ضد الحرب توجد أيضاً في دول الخليج العربية التي تقع في مرمى صواريخ إيران قصيرة المدى ومتوسطة المدى. هذا النسيج الخانق للمصالح والضغوط يستدعي «صفقة قرن» تناسب الطرفين اللذين لا يريدان الحرب ولكنهما مضطران للحفاظ على كرامتهما وسمعتهما. مطلوب أيضاً وسيط قوي يمكنه تفكيك المسكات المتبادلة، ربما هذا هو وقت موسكو وبكين للدخول إلى الساحة ووقف المعارك الواسعة في الخليج وإعادة الطرفين إلى المفاوضات، وفي الوقت نفسه الحصول على رسوم وساطة سياسية مناسبة.
تسفي برئيل
هآرتس 17/5/2019