هل تقف المنطقة على أعتاب حرب جديدة وهي التي عانت خلال الـ 16 عاما الماضية من حروب مدمرة وانتفاضات فشلت حتى الآن بتغيير الوضع القائم وبناء حرية يطمح إليها ملايين العرب وديمقراطية عادة ما تسرق باسم الاستقرار؟ لا جواب في الوقت الحالي للسؤال إلا أن التوتر المستمر في منطقة الخليج ورزم العقوبات التي تفرضها الولايات المتحدة على الجمهورية الإسلامية هي بطريقة غير مباشرة إعلان للحرب. ومحاولة تغيير السلوك الإيراني كما يطمح مستشار الأمن القومي الأمريكي جون بولتون، لا يفسر إلا أنه محاولة لتغيير النظام في طهران. وقد كتب عندما كان خارج البيت الأبيض مقالا دعا فيه لتغيير النظام الإيراني. أما رصيفه مايك بومبيو الذي لا يحب كما ورد في صحيفة “نيويورك تايمز” (16/5/2019) أن يقرن بصقوريته فقد كتب استراتيجيته لمواجهة الجمهورية الإسلامية ونشرها العام الماضي بمجلة “فورين أفيرز”.
خلافات
وانشغلت في اليومين الماضيين الصحافة الأمريكية بنقل تصريحات من داخل البيت الأبيض ومسؤولين في الإدارة عما يجري في “غرفة الأزمة” ومزاح الرئيس دونالد ترامب. ونقل موقع “ديلي بيست” (16/5/2019) عن مسؤولين قولهم إن التحركات الإيرانية الأخيرة التي قرئت في السياق الأمريكي على أنها تهديد للمصالح والأرصدة الأمريكية في الشرق الأوسط جاءت كرد فعل على العقوبات الصارمة التي تبنتها الإدارة الأمريكية منذ قرار ترامب الخروج من الاتفاقية النووية التي وقعها سلفه باراك أوباما مع إيران وشاركت فيها قوى دولية أخرى. فقد أعاد فرض العقوبات ومنذ تشرين الثاني (نوفمبر) العام الماضي ومارس سياسة الضغط الأقصى على طهران، عقوبات جديدة وإلغاء الإعفاءات التي منحتها الإدارة لدول كي تستورد النفط الإيراني، في محاولة لوقف حركة الإنتاج تماما ومن ثم جاء تصنيف الحرس الثوري الإسلامي كمنظمة إرهابية، وهذه أول مرة تصنف فيها الخارجية الأمريكية مؤسسة حكومية في قائمة الإرهاب. وكل هذه السياسات هي من صنيع بولتون الذي حشد مجلس الأمن القومي بصقور إيران. ولم تقف التحركات عند هذا الحد بل سافر بومبيو فجأة إلى بغداد بعد تلقي واشنطن معلومات أمنية، على الأرجح من إسرائيل، تقول إن مصالح أمريكا بالمنطقة تتعرض للتهديد الإيراني والجماعات الوكيلة. وكما وصفت صحيفة “نيويورك تايمز” المعلومات الأمنية فهي عبارة عن صور تشير لنقل صواريخ وتحركات غير عسكرية غير عادية وهي التي أدت لنشر تعزيزات جديدة في منطقة الخليج. ولم يقتنع المشرعون في الكونغرس حيث طلب الديمقراطيون توضيحات من الإدارة حول الحشد العسكري. فيما وصفت إيران، على لسان وزير خارجيتها التحركات الأخيرة بغير المقبولة ولا داعي لها.
بانتظار مكالمة
وفي ظل هذا التوتر وترقب الحرب تم التركيز على تصريحات وتغريدات الرئيس ترامب الذي نفى أولا ما يقال عن خلاف في داخل إدارته وقال إنه ينتظر الإيرانيين للاتصال به. وحسبما أوردت شبكة “سي أن أن” فقد مرر ترامب هاتفه للقيادة الإيرانية عبر سويسرا، راعية المصالح الأمريكية في طهران، على أمل القبول والتفاوض معه حول صفقة جديدة غير تلك التي وصفها بالأسوأ في تاريخ أمريكا. فهو يريد صفقة باسمه وتشمل على بنود لم تتطرق إليها معاهدة أوباما مثل الصواريخ الباليستية ودور الميليشيات المدعومة أو الوكيلة في دفع سياسات الهيمنة الإيرانية على المنطقة. وأوردت في هذا السياق صحيفتا “واشنطن بوست” (15/5/2019) و “نيويورك تايمز” (16/5/2019) تذمر الرئيس من مستشاره للأمن القومي الذي طلب من البنتاغون دراسة خيارات الحرب مع إيران وتقييم للكلفة والمخاطر وإمكانية نشر 120.00 جندي، ثم ما أخبر به ترامب وزير الدفاع المعين باتريك شناهان بأنه لا يريد حربا مع إيران. وترى “نيويورك تايمز” أن طلبه يعكس خوفه من المغامرات العسكرية وفريق أمن قومي يسعى للحرب.
تخفيف التوتر!
ومن هنا تفهم التحركات التي قام بها بومبيو من زيارة لبروكسل حيث عرض على نظرائه في الاتحاد الأوروبي التفاصيل حول الخطر الإيراني ودعاهم لإقناع طهران “تخفيف التوتر”. ولم يقتنع قادة أوروبا على ما يبدو بكلام الوزير الأمريكي الذي لم يقدم دليلا على الخطر. وقال جنرال بريطاني معلقا على الوضع الجديد بأن التهديد الإيراني لم يتغير عما كان عليه في السابق. ومن ثم جاء اتصال بومبيو بسلطان عمان قابوس بن سعيد للتباحث معه حول المخاطر الإيرانية. والمكالمة مهمة إن اخذنا بعين الاعتبار القناة السرية التي بدأت من عمان وقادت للمعاهدة النووية عام 2015. وهذا لا يعني مفاوضات مباشرة مع طهران. ولم ترد هذه على محاولات ترامب الحديث معها، مع أنها أبدت ليونة في فكرة التفاوض على معاهدة جديدة إن كان أساسها ما سبق التفاوض عليه. ويجمع المراقبون أن عقوبات ترامب لن تركع إيران.
سوء فهم
وفي هذا السياق ترى نرجس باغولي الأستاذة في جامعة هوبكنز بمقال نشرته مجلة “فورين بوليسي” (15/5/2019) أن نظام العقوبات الأمريكي لا يفهم مكامن القوة الإيرانية، وهي العلاقات الثقافية والروابط التاريخية بين إيران وجوارها. فالمسألة لا علاقة لها بالمال عندما يتعلق الأمر بالجماعات الوكيلة. ولن يتوقف التبادل التجاري أو وصول البضائع إلى إيران لو فرض ترامب عقوبات اقتصادية. وتؤكد أن البعد الشيعي في علاقاتها مع جماعات في فلسطين وكردستان واليمن ليس مركزيا، ملمحة إلى أن المسألة في الثورة الإسلامية عام 1979 هي جزء من مقاومة الإمبريالية. فلو انقطع التمويل عن الجماعات الوكيلة، فهي قادرة على توفيره محليا من خلال نظام الخمس الذي لا يمكن لوزارة الخزانة الأمريكية تتبعه. وتنوه باغولي إلى أنه “منذ بدء حكم ترامب عادت السياسة الخارجية الأمريكية إلى سياسة القوة، وتسعى إلى تخويف أولئك الذين لا يلتزمون بإرادة أمريكا، بالإضافة إلى أن أمريكا لم تلاحق إيران فقط في الشرق الأوسط”. وبضم الجولان، وإعطاء حقوق التنقيب لشركة مرتبطة بديك تشيني، والدعم الواسع للسياسات التوسعية لبنيامين نتنياهو، فإن هذه المجموعات كلها لا تغيب عنها الرغبة الأمريكية والإسرائيلية من السيطرة على المصادر الطبيعية للشرق الأوسط والتربح منها. وتشير إلى أنه “بالنسبة لمؤيدي إيران، فإن مأزق إيران الحالي في وجه الإدارة الأمريكية، التي تطلب خضوع البلد – مع أنها التزمت بجانبها من الاتفاقية – يتناغم تماما مع سوابق تاريخية لا يمكن إهمالها. وما لا تفهمه أمريكا هو قدرة النظام على التعبئة والوحدة، فقد أصبح الرئيس حسن روحاني الذي قاد محادثات المعاهدة النووية متشددا لأن الأمر متعلق بمصير البلد. ولأن الإدارة الأمريكية تفهم أن القوة هي الحل أو مجرد إرسال صواريخ ضد سوريا، كما قال معلق سعودي مرتبط بالنظام، ففي المسألة الإيرانية هناك نوع من الفجوة في فهم ديناميات الثورة الإيرانية الثقافية والاجتماعية. وهي فجوة قد تؤدي في النهاية لسوء تقدير من طرف في معادلة الصراع الحالي وادخال المنطقة في دوامة حرب مدمرة ليس على إيران بل على منطقة الخليج والشرق الأوسط بشكل عام”.
حذر
ولهذا السبب بدا الحذر واضحا فيما صار يطلق عليه الثلاثي المعادي لإيران – إن لم يكن الثلاثي المرح – ويقصد به إسرائيل – الإمارات والسعودية، فقد وضعت هذه الدول نصب عينيها التهديد الإيراني ووقف تأثيرها في المنطقة. وفقط السعودية هي التي أبدت موقفا متشددا ودعت لضرب إيران وإن لم يكن رسميا، فرغم اتهام نائب وزير الدفاع وشقيق ولي العهد، الأمير خالد بن سلمان إيران بتوفير الطائرات المسيرة للحوثيين الذين استهدفوا أنابيب نفط في السعودية إلا أن الرد على إعطاب سفن كان تحريضيا من جانب الإعلام الذي يرتبط بالحكومة. ويرى تقرير في صحيفة “واشنطن بوست” (17/5/2019) أن إحدى الصحف السعودية طالبت بعملية عسكرية جراحية أو محددة لردع إيران عن تصرفاتها. فيما اتخذت الإمارات موقفا حذرا وهي التي طالما دعت سرا واشنطن لمواجهة إيران بالمنطقة. وترى الصحيفة أن ما جمع التحالف الثلاثي هو معارضة اتفاقية أوباما ومقاومة الإسلام السياسي بشكل عام. ولكن التحالف يخاف اليوم من معاهدة جديدة يسعى إليها ترامب وفي الوقت نفسه من مواجهة عسكرية شاملة. ولهذا السبب ترى صحيفة “وول ستريت جورنال” (15/5/2019) أن دول الخليج حاولت الحذر في تصريحاتها ـ فهي قريبة من إيران القادرة على شن حرب منسقة وتفعيل جماعاتها الوكيلة. وفي حال الإمارات هناك مصالح تجارية قوية بين دبي وإيران. واللافت في الأمر هو موقف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي يعيش منذ سنوات “هوس” إيران وفكر مرة بضربها متحديا تحذيرات أوباما أبدى لهجة متحفظة وهذا لا يعني أنه لا يريد حربا بل معاقبة إيران بطريقة تجبر على توقيع معاهدة ببنود قاسية أو خلق الظروف الداخلية يتحرك فيها الشارع ويطيح بحكومته حسبما أوردت صحيفة “نيويورك تايمز” (16/5/2019). ويخشى المحللون الإسرائيليين من حرب قد تجر إسرائيل وحزب الله إلى حريق يدمر الجانبين. وأشارت الصحيفة إلى أن إسرائيل أدت بصمت دورا فعالا في تصعيد التوتر في الشرق الأوسط، وحذرت المخابرات الإسرائيلية، في اجتماع في واشنطن وتل أبيب على مدى الأسابيع القليلة الماضية، أمريكا من أن هناك تخطيطا لمهاجمة أهداف أمريكية في العراق، تقوم به إيران أو وكلائها، حسب مسؤول استخباراتي كبير في الشرق الأوسط، وحذرت إسرائيل أيضا من هجمات إيرانية ضد السعودية والإمارات.
حرب العراق الثالثة
وبعد كل هذا هل نضمن مع رئيس يتخذ قراراته عبر تويتر أن لا يعلن حربا ضد إيران. وتقول هذه إنها لا تضمن تراجع ترامب عن تعهداته لو وافقت على معاهدة جديدة. واللافت في الأمر هي المقارنة بين عملية دق طبول الحرب لغزو العراق عام 2003 والمواجهة الحالية. ففي تلك الحرب وقفت أوروبا ضد الغزو فسارع وزير دفاع جورج دبليو بوش بوصفها أوروبا القديمة. وفي النزاع الحالي تطالب أوروبا “بأقصى حد لضبط النفس” مقابل “أقصى العقوبات”، وكما ورد في مقال بمجلة “ذا أتلانتك” (16/5/2019) فالمقارنة المدهشة بين 2003 واليوم يعني أن هناك إمكانية لتنفيذ الصقور ما يريدون ويتمون ما كان بوش يريد إنجازه تحت تأثير المحافظين الجدد. وكما يرى ميلفين غودمان في “كاونتر بانتش” (17/5/2019) فسجل ترامب الفاشل في الشرق الأوسط يعني أنه سيقودنا إلى حرب جديدة مع إيران. فمن دعمه لليمن ومحمد بن سلمان وعدم اهتمامه بالسلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وهو أول رئيس أمريكي يفعل هذا منذ عام 1967 إلى قراره بشأن القدس ومحاولته تصنيف الإخوان المسلمين. وقبل ذلك قراره لسحب القوات الأمريكية من سوريا بعد مكالمة مع الرئيس التركي. و”بالإضافة لنزوات الرئيس السياسية والشخصية ونقص الخبرة في أمور الشرق الأوسط والخليج الفارسي فنحن نواجه الآن إمكانية مواجهة عسكرية مع إيران”. ويقول إن “تصرفات ترامب خلال العام الماضي تؤشر إلى إمكانية استخدام القوة العسكرية ضد إيران في أعقاب خروج الولايات المتحدة من المعاهدة النووية، والتي نقلت الخليج الفارسي من حالة عنف محتمل إلى ميدان للتسوية السياسية والدبلوماسية”.