«عندما يبكي المفكر فذلك يعني أن المأساة قد بلغت الذروة». عندما يبكي من بيده الشعلة، ومن ينتظر الناس كلمته فذلك يعني أننا في حال من العجز والضياع تستحق الرثاء.
كان البكاء لسان حال المفكر السوري -الراحل أخيراً- الطيب تيزيني (مواليد 1938)، على الأقل يمكن أن تشاهد شريطي فيديو متداوليْن يستعيدان لحظات مؤثرة لبكائه وهو يستذكر بلده المدمّر. يتحدث في الأول عن سوريا «التي على الأرض»، ثم يستذكر موقفاً لمواطنه فارس الخوري، المسيحي الذي رفض ادعاءات الاحتلال الفرنسي لسوريا بحماية المسيحيين، وردّ بأنه محميّ من الطوائف الثمانية عشر في البلاد.
وفي الفيديو الثاني، وهو مقتطع من مقابلة أجراها الإعلامي أكرم خزام، يقول «أنا كنت في المظاهرة الأولى التي خرجت في (مدينة) حمص. عادية. دعوة إلى الإصلاح.. اتصل بي أحد أعضاء «القيادة القطرية». قلت افتحوا الأبواب خلّ الناس يحكوا. هم خرجوا وانتهت العملية بمأساة (ساحة) ساعة حمص. 1300 شاب وبنت قتلوا». وهنا يبكي المفكر الطيب من جديد. ومن يتذكر ما جرى في تلك الساحة من تظاهرات سلمية مملوءة بالأمل، قبل أن تمحوها المجزرة الرهيبة، ولا يبكي!
شريط هو شهادة للتاريخ. شهادة مفكر عمّا عايشه عن قرب في مدينته. بضع دقائق فقط بإمكانها أن تلخّص كل ما صمت عنه المفكر السوري، كل ما لم يسعفه الوقت، ولا توحش النظام لأن يكتبه.
كتب الكثير في رثاء الراحل تيزيني، الذي قضى في مدينته حمص وقد نالت نصيباً هائلاً من التدمير والتهجير، غير أن شريط البكاء على المجزرة كان الأكثر تداولاً.
استعادة هي أكثر من رثاء، أكثر من رغبة بذرف الدموع، هذا الشريط هو شهادة للتاريخ. شهادة مفكر كبير عمّا عايشه عن قرب في مدينته. بضع دقائق فقط بإمكانها أن تلخص كل ما صمت عنه المفكر السوري، كل ما لم يسعفه الوقت، ولا التوحش لأن يكتبه.
فصل الفن عن السياسة
في مقابلة له مع تلفزيون «روسيا اليوم» يتمنى الممثل غسان مسعود أن لا يتدخل الفنان السوري في السياسة، تماماً مثلما يتمنى على رجل الدين أن لا يتدخل في السياسة، وذلك أثناء الحديث عن الفنانين الذين غادروا سوريا والذين بقوا فيها بعد الحرب.
أيها السوريون، دعوا السياسة والتفتوا إلى شؤونكم. السياسة فقط للنظام. السياسة للعسكر. أما أنتم فلكم الصمت، أو الحدود، إن استطعتم إليها سبيلا!
إذن، هي مطالبة مكررة بفصل الفن عن السياسة، بعد التسليم بفصل الدين عن السياسة، كما يمكن أن يتمنى رياضي موال فصل الرياضة عن السياسة، ويطالب فنان تشكيلي موال بفصل الفن عن السياسة، أو يطالب آخرون بفصل العلم عن السياسة، الطب، التعليم، الموسيقى، التجارة، العقارات، حركة المرور…
أيها السوريون، دعوا السياسة والتفتوا إلى شؤونكم، السياسة فقط للنظام، السياسة للعسكر، أما أنتم فلكم الصمت، أو الحدود، إن استطعتم إليها سبيلا!
أجسام ضوئية
أغرب فيديو يمكن للمرء أن يشاهده هذه الأيام سيجده على موقع «سانا»، وكالة أنباء النظام السوري. فيديو يحمل عنوان «دفاعاتنا الجوية تستهدف أجساماً مضيئة قادمة من الأراضي المحتلة وتسقط عدداً منها».
فيديو مدته إحدى وعشرين ثانية معتمة، ولا يمكن للمرء أن يميز فيه سوى ضوء بعيد في قلب لون أسود.
هل بات من الصعب تحديد ماهية هذه «الأجسام المضيئة» كما لو أنها نيازك سماوية ضلّت طريقها؟ على الأقل ألم تستطع تقنيات الحلفاء الروس الفائقة، وحنكة حائكي السجاد الإيرانيين أن تسعف النظام بتعريف تلك الأجسام؟
ليست فحوى الفيديو الغامضة هي المصيبة، بل عنوانه، وهو نفسه نص الخبر العاجل الذي تناقلته وكالات الأنباء عن «سانا» منذ أيام. فهل بات يصعب تحديد ماهية هذه «الأجسام المضيئة» كما لو أنها نيازك سماوية ضلّت طريقها؟ على الأقل ألم تستطع تقنيات الحلفاء الروس الفائقة، وحنكة حائكي السجاد الإيرانيين أن تسعف النظام بتعريف (لن نطمح بـ «إسقاط») تلك الأجسام؟
ثم لماذا الخجل من ذكر إسرائيل، والاكتفاء بالقول «قادمة من الأراضي المحتلة»؟
الخبر كلّه، على ما يبدو، يأتي من باب رفع العتب، لا يريد إعلام النظام أن يقول الحقيقة الدامغة، لا يريدها ثقيلة على قلوب الناس، هو يكتفي بالإشارة والتلميح، أو يقيّد القضية ضد مجهول. وربما لولا الخشية من إعلان إسرائيلي عن إطلاق صواريخ، لتجاهل الخبر من الأساس.
التلاعب الروسي
أمران لافتان في وثائقي برنامج «مراسلون» على قناة «فرانس24» الذي يتحدث عن مخاوف من تأثير روسي محتمل على الانتخابات الأوروبية بعد أيام، لصالح أحزاب اليمين. الأول هو شهادة أحد الضيوف عندما قال إن التزوير لا يقتصر فقط على شخص يفتح حساباً مزوراً على مواقع التواصل الاجتماعي، بل إن هنالك مجموعة كبيرة من أسماء مزورة أخرى تساهم بالتأييد والمشاركة والتعليق تأكيداً على الأكاذيب وتصديقاً لها، ما يعني أن ليس علينا أن نصدق أكذوبة «الجماعة لا يمكن أن تخطئ»، فهنا لم يكن التزوير ممكناً من فرد، ولم يصبح واقعاً إلا مع تصديق عدد كبير من المزوّرين.
ليس علينا أن نصدّق أكذوبة أن «الجماعة لا يمكن أن تخطئ»، فهنا لم يكن التزوير ممكناً من فرد، ولم يصبح واقعاً إلا مع تصديق عدد كبير من المزوّرين.
الأمر الثاني هو إبراز شهادة أحد متظاهري «السترات الصفر» متحدثاً عن ثقته بالإعلام الروسي لا بإعلام بلده، بحيث يظهر وكأن تلك الحركة الاحتجاجية المستمرة في البلاد منذ شهور مدعومة، مثلها مثل أحزاب اليمين، من قبل الروس. وهذا يعيد إلى الأذهان محاولات سابقة لتحميل التظاهرات الفرنسية شعارات وأعلاماً من خارج السياق.
هذا أيضاً نوع من التلاعب، لا يقل أذى عن تلاعب الروس.
آسفين يا ريّس!
المذيعة الكويتية المثيرة للجدل فجر السعيد أجرت مقابلة صحافية مع الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك. قبل ذلك كانت غردّت تزفّ البشرى: «فجر السعيد تقابل الرئيس»، مرفقة بصورتها مع مبارك أثناء المقابلة.
قوة الثورات المضادة سمحت لمن يستحقون المحاكمة أن يطلّوا على المشاهدين كرؤساء سابقين، كبناة ومؤسسين أصحاب وجهات نظر، لا كطغاة لهم اليد الطولى في ما وصلت إليه بلداننا من خراب.
يمكن إدراج الاحتفال والتطبيل لهذه المقابلة في إطار نتائج الربيع العربي المتردّد، حيث قوة الثورات المضادة سمحت لمن تجب محاكمتهم، لمن كان عليهم أن يطلّوا على المشاهدين فقط من خلف القضبان، بفيديوهات مسربة، معتمة، وبلباس السجن، أن يظهروا كرؤساء سابقين، كبناة ومؤسسين أصحاب وجهات نظر، لا كطغاة لهم اليد الطولى في ما وصلت إليه بلداننا من خراب.
يأتي الأمر بالتساوق مع رسالة يوجهها الرئيس التونسي الهارب زين العابدين بن علي متحدثاً عن حقه في العودة إلى البلاد، وعن التاريخ الذي يجب أن ينصفه، ويقول ما له وما عليه.
لولا الحماية التي تمنحها الدول الراعية لوأد الربيع لهؤلاء الطغاة، لما ظهر في كل بلد من يقول «آسفين يا ريّس».
٭ كاتب فلسطيني سوري