تراجيديا اللجوء العراقي

حجم الخط
0

تراجيديا اللجوء العراقي

أمجد ناصرتراجيديا اللجوء العراقيقد تكون عمان ودمشق هما العاصمتان الوحيدتان المحيطتان بالعراق اللتان تلقتا موجات النزوح العراقي المتعاقبة الي يومنا هذا، فيما لم يصل الي العواصم الاقليمية (طهران، اسطنبول) او الاجنبية (اوروبا وامريكا) الا النزر القليل.اوروبا وامريكا تضربان سياجا حديدا علي اي نوع من الهجرة، فيما تقول الاخبار ان السعودية تنشيء سياجا متطورا تكنولوجيا علي حدودها مع العراق كلفته نحو سبعة مليارات دولار لمنع تسلل اللاجئين اليها!ليس هناك سياج متطور تكنولوجيا او حتي سياج حديدي بين الاردن والعراق، ولا اظن ان هناك مثله في سورية، ووصول اللاجئين العراقيين الي هذين البلدين لا يعترضه، حتي الآن، عائق إلا كثرة العدد. ففي خصوص الاردن لم تكن موجة اللجوء العراقية الحالية هي الاولي من نوعها، فقد تلقي هذا البلد الصغير، محدود الموارد، منذ حرب الخليج الثانية موجات متعاقبة من العراقيين الفارين من نار الحرب والحصار. كان بعض هؤلاء يعود الي بلاده ما ان يتحسن الوضع او يجد طريقا الي العواصم الاوروبية، فيما اختارت قلة منهم البقاء في الاردن. كانت عمان ممرا للاجئين العراقيين او محطة التقاط للأنفاس وليست مستقرا. لكن لجوء العراقيين اليوم لا يشبه ما حدث من قبل، لا من حيث العدد ولا من حيث الاسباب ونوعية المخاطر التي يتعرضون لها في بلدهم الخاضع للاحتلال والميليشيات.. ناهيك عن إعراض اوروبا وامريكا، تماما، عن مأساتهم الانسانية.عدت من عمان قبل أيام ورأيت، في كل مكان تقريبا، عراقيين. تقول الاسطورة المتداولة خارج الاردن (وداخله أيضا) ان هؤلاء من (أغنياء الحرب)، انهم اصحاب ملايين هربوا بأموالهم المنهوبة من بلد تجتاحه الفوضي الي أمان الخارج. وتنسب هذه الاسطورة ارتفاع اسعار العقارات الخيالي الي تلك الملايين (البعض يقول مليارات) العراقية (الكاش). قد يكون في تلك الاسطورة بعض الوجاهة. لا دخان من دون نار. فهناك، فعلا، من نهب وهرب بنهبه الي الخارج. ولكن هؤلاء لا يشكلون الا نسبة ضئيلة من شعب العراقين اللاجيء الي الاردن. لا يمكن ان يكون نحو مليون عراقي من اصحاب الملايين او المليارات. فلو كان الامر كذلك لما وجدت عراقيا يعمل ميكانيكيا او بائع شاي علي عربة متنقلة او كاتبا بـ(القطعة) في صحيفة او لحاما او عامل بناء او ممرضا. في الاردن عمالة عربية قديمة ابرزها من مصر، وهي عمالة رخيصة تقوم بما لا يقوم به الاردنيون من اعمال عضلية. اليوم صارت العمالة العراقية تنافس العمالة المصرية علي مهن متواضعة. هؤلاء ليسوا من اصحاب الملايين المنهوبة من بلد مفتوح علي كل اشكال النهب والسلب غير المسبوقة، بل خليط من ابناء الطبقة الوسطي والفقراء الذين فروا نجاة بأولادهم وارواحهم من بلد تستعر فيه اشكال متعددة من الحروب القذرة.***قبل يومين انتهت اشغال مؤتمر دولي مخصص لمعالجة مأساة اللاجئين العراقيين داخل بلادهم وخارجها. حضر المؤتمر نحو ستين دولة ومنظمة دولية، لكن حصاد المؤتمر يكاد أن يكون صفرا.هناك موقفان مخزيان عرفهما المؤتمر: الاول امريكي، والثاني عراقي رسمي. الامريكيون المتسببون بالدرجة الاولي بهذه المأساة عبر احتلالهم البلد وتمزيقهم اوصاله، عرضوا استضافة نحو 25 الف لاجيء عراقي من اصل ثلاثة ملايين، تنوء بهم سورية والاردن فيما عرض العراق الرسمي تخصيص نحو 25 مليون دولار لاعانة سورية والاردن علي تحمل اعباء اقامة مواطنيه اللاجئين في هاتين الدولتين!الاردن يقول ان موجة اللجوء العراقية الحالية تكلف خزينته نحو مليار دولار سنويا، فيما تقول سورية انها بحاجة ماسة الي 256 مليون دولار كي تتمكن من مواصلة تقديم الاحتياجات الاولية للاجئين العراقيين علي ارضها. ***اوروبا التي لم تتخلص من عقدة انفراد امريكا بغزو العراق، عرضت تقديم نحو عشرة ملايين يورو!الامم المتحدة التي استضافت هذا المؤتمر تعتبره ناجحا. تعتبره خطوة في الاتجاه الصحيح، وبدا انها ممتنة، علي نحو خاص، لعرض هوشار زيباري تقديم 25 مليون دولار من خزينة (الدولة) العراقية لمواطنيها اللاجئين.يا له من تطور عراقي رسمي يبعث علي الامتنان حقا!يا للشعور العالي بالمسؤولية الذي ابداه وزير خارجية العراق حيال تراجيديا مواطنيه الذين لم يستطع ان يضمن حياتهم في بلد تحرر من الطغيان والديكتاتورية ولا قام بواجب كفالة عيشهم في جحيم اللجوء وذله!لم يكن من اختصاص مؤتمر كهذا معالجة سبب المشكلة. انه مخصص لمعالجة نتيجتها. ولكن لا يمكن النظر في تراجيديا اللجوء العراقي من دون الذهاب الي جذرها.انه الاحتلال.انه الوضع الذي ترتب علي الاحتلال. هناك، قطعا، حاجة ملحة لحل مأساة اكثر من اربعة ملايين لاجيء داخل العراق وخارجه. انها مهمة عاجلة لا تقبل الارجاء او الفذلكة، ولكن هذا مجرد علاج مؤقت. العلاج الحقيقي والنهائي والطبيعي هو ان يعود هؤلاء اللاجئون خارج العراق اليه. ان تكون هناك بيئة صالحة لحياة البشر، عدا التشدق بالديمقراطية والتعددية الحزبية وحرية القول والاعتقاد. لا معني، اصلا، للديمقراطية من دون ضمان الحقوق الاولي للبشر: الامن، الطمأنينة، لقمة العيش الكريمة.العراق ليس بلدا فقيرا، ولا يحتاج، في وضع طبيعي، الي معونات. من مهازل القدر ان يحتاج العراق الي معونات وهو الذي كان، دائما، يقدمها للآخرين. العراق يحتاج حلا حقيقيا يعيد ابناءه اليه ويعيده دولة تسهم في رفاه شعبها وجوارها. وذلك طبعا لن يكون الا بخروج الاحتلال الاجنبي وتوافق شرائحه وفئاته علي مواطنة عادلة ونهائية في بلد عادل ونهائي لكل ابنائه.انه مطلب صعب، غير انه ليس مستحيلا. 0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية