في روايته الأولى، بعد عدد من المجموعات الشعرية، يهدر حبيب محمود فرصة تسجيل اسمه أمام رواية مميزة بمفرداتها ولغتها.
ربما لا يزال نزق الشاعر يتحكم به أكثر مما استمالته حالة الاستقرار التي تتطلبها كتابة رواية.
الرواية صدرت عن دار طوى للثقافة والنشر والإعلام في السعودية 2014، في 78 صفحة من القطع المتوسط.
يهدي حبيب روايته إلى القرية التي عجزت عن إنصاف فتاة.
ملحوظتان يمكن إهداؤهما إلى حبيب محمود بمناسبة صياغة إهدائه، الأولى حول اختياره كلمة «عجزت» التي لا يمكن إلا أن نضعها في سياق تاريخي – إيديولوجي – ديني؛ والثانية تخصيص الحادثة على «فتاة»، والمقصود عموماً هو المرأة، لكن من عادة الأدب أن يخصص في تحديد تفاصيل الحدث السردي ليقول أكثر من ذلك، فالقرية «عجزت»، ولا تزال كل القرى العربية – الإسلامية عاجزة عن إنصاف المرأة التي كُرِّست دونيتها في اللغة والحياة وفي اجتهادات رجال الدين، بل وفي مرويات الحياة الآخرة المتخيَّلة التي لا يعلم فحواها سوى الله.
يقول حدث الرواية إن فتاة في القرية ظهرت عليها أعراض الحمل، لكن أحداً لم يعرف من هو قرينها، بما أنها لم تعترف بذلك، وظلت شخصية شريك الفتاة تتأرجح على لسان التخمين، وظل الحدث ينوس بين أن يكون حدث ذلك برضاها، أم أنها اغتُصبت، لكن سمعة عائلة الفتاة الفقيرة والطيبة ترجح أن خطأ ما، أو سراً، يكمن وراء ما يظهر من الحكاية.
بل إن الحدث نفسه في حالة شك، وكأن الكاتب أراد للحادث أن يكون رمزياً، وليس حالة محسوسة عالجتها الروايات والقصص والمواد التلفزيونية بأنواعها كثيراً؛ فما الذي أراده الكاتب بالضبط، ربما هي حالة من حالات ظلم المرأة في مجتمعاتنا العربية والإسلامية، وما أكثرها، ولا تقتصر على رمز الشرف هذا الذي يخطر أول ما يخطر على بال أحدنا إذا أقسم أحدهم بشرفه.
تجري أحداث الرواية تحت ظل النخيل الممتد في إحدى قرى القطيف شرق السعودية في الزمن الأول للنفط قبيل الحرب العالمية الثانية، وأثناءها، حيث يتخذ الفرز الطبقي وقتها اللبوس الإقطاعي، فيستأجر الفلاح بستان النخيل مقابل أجر معلوم للمالك يفوق في كثير من الأحيان ما يمكن أن ينتجه البستان، وفي أحسن الأحوال يحصل الفلاح على ما يُطعم عائلته الصغيرة التي تعمل كلها في البستان من الفجر إلى المساء.
تحت ظلال النخيل، أو في القرى عموماً، في تلك الفترة، كان للحياة شرطها الاجتماعي، الأب حاكم مطلق، وحدود حركة الأم والبنات البيت، أما الذكور فيتبادلون دور اليد اليمنى لوالدهم، كل حسب سنه، وما يستطيع أداءه من العمل في البستان.
الأيديولوجيا تكرر نمطها في شرطها المكاني المتوارث، فالمتعلم الذكي وفق شرط ذلك العصر غاية طموحه السفر إلى النجف والتزود بالعلوم الدينية، قبل أن يأتي زمن النفط وتستحدث الشركات النفطية الأمريكية وظائف تتطلب بعض العلم الذي يبدأ بمعرفة القراءة والكتابة بالعربية، ولا ينتهي عند حد.
يضع حبيب محمود هذه المادة الغنية على عُجالة، كملخص شديد الابتسار لمادة تفيض بها ذاكرته وثقافته، فجاءت الرواية على شكل قصة طويلة، رغم اشتغاله على بناء الشخصية في شخصية الأب، وشخصية الابن الأكبر حسين، لكن تطور الشخصيات يقف عند حد معين، كما أن الحدث نفسه يبدو مبتوراً، ليس لغاية إيجاد حل لعقدة الرواية، فعدم إيجاد حل تبرره الحالة التي حاول طرحها، والتي لا تجد حلاً لها حتى الآن رغم تقدم المجتمعات العربية بشكل نسبي، أو كبير، في مناطق متعددة من عالمنا العربي، لكن مشكلة تعريف الشرف عموماً، وشرف الفتاة لا تزال موضع جدل، ولا تزال الكفة تميل لصالح الزمن الذي لا يتقدم رغم التقدم الاجتماعي والعلمي النسبي لهذه المجتمعات.
لكن أكثر ما أهدره حبيب محمود في روايته هو غياب شخصية الفتاة، فمن المفيد للحبكة الروائية إظهار شخصية البطل بشكل مباشر، أو من خلال الكلام المنقول عنها، بحيث نقرأ شيئاً من دفاع المظلومة/ المجرمة عن نفسها، ونحاول المقارنة بين موقف ممثلي السلطة الاجتماعية – الدينية/ العائلية/ الدولة، وموقف الضحية/ المجرمة، ليس للحصول على دليل مفصل عن الحالة، فلكل حالة تفاصيل مختلفة، وإن اتفقت العناوين، بل لاستكمال صورة الشرط الاجتماعي الذي تعيشه الفتاة، وإن كانت تشعر بالعار في دخيلة نفسها، أم أن العار مصدره مجتمعها الذي يحدد شروط الحلال من الحرام، العيب من السلوك المرضي عنه، هذا إن كانت ارتكبت ذلك الفعل غير المرضي عنه، والأرجح، فنياً، ألا تكون فعلت ذلك كي يكتمل الشرط الدرامي في مجتمع مريض بالأحكام المسبقة وبحسه النقدي للمظاهر التي قد تقول حقيقتها شيئاً مختلفاً.
ويروي حبيب أن لقب زنبوة، أو زينبوة، يُطلق على كل من تحمل اسم زينب للتصغير، بمعنى التحبب حيناً، وبمعنى التقليل من الشأن حيناً، وعليه يكون حسن «حسنوه»، ومريم «ريموه – مريموه» «الزينبات يملأن القرية؛ إلى حد أنه لو صادف حشد نساء ونادى «زينب» لأجابه نصفهن..!» ص25.
يسخر حبيب محمود من كل شيء حوله، متقمصاً شخصياته الروائية، ولديه مما يعتقد به مجتمع روايته ما يكفي للولوج في هذا الباب، ومنها حكايات الجن، والرُقية، والعلاج بالأعشاب، والطب الشعبي، إلى آخر هذه المتوالية التي لاتزال تتوالد حتى أيامنا هذه، وبسند ومن غير سند.
وفي لغة الرواية، يحافظ حبيب محمود على أمانة التكثيف التي يحملها من تجربته الشعرية، دون إسراف، ففي كل فصل ينفث جملة أو جملتين لا تنقصهما الموسيقى والصورة الشعرية «النهار على وشك تهيئة كرسي الظهيرة للشمس» ص20.
وفي خلفية الرواية التي لم ينصف شخوصها فتاة، يبدو الرجال أيضاً مسلوبي الإرادة، وغريمهم الفقر، والمجتمع الطبقي، وشكلانية الدين، والخيارات الوجودية في مجتمع بالكاد يتقدم زحفاً في إطار زماني ومكاني تحيط به صفرة الرمال من كل جانب. والرمل، وقتها، والآن، ثيمة تتكرر في كل أرض عربية، لكنها تمظهرت أكثر ما تمظهرت في مجتمعات الخليج التي كانت توصف خطأً بأنها إقليم اجتماعي واحد ومتشابه حتى تأكد ذلك بقدوم الضيف الثقيل/ النفط، الذي جعل هذه المجتمعات فعلياً مجتمعاً واحداً، طابعه الوفرة، خطأً، مرة أخرى، وصفته الاستهلاك المبالغ فيه دائماً.
*كاتب وصحافي سوري
علي العائد