«كائنات طُفيلية» للكوري جون هو بونغ… صراع طبقي من أجل البقاء

نسرين سيد أحمد
حجم الخط
1

كان ـ «القدس العربي»: ثمة مخرجون لديهم القدرة على إثارة الدهشة، ويأتون بأفلام متفردة تماما لا يمكن إلا أن تكون نتاج أيديهم هم فقط، وتحمل بصمتهم المتفردة. هذا التفرد المدهش هو ما يأتينا به المخرج الكوري جون هو بونغ في فيلمه «كائنات طفيلية»، المنافس على السعفة الذهبية لمهرجان كان في دورته الثانية والسبعين. «كائنات طفيلية» فيلم نستغرق تماما في مشاهدته ومتابعة تحولاته المثيرة للدهشة، تلك التحولات التي يديرها بونغ بسلاسة بالغة. يقدم الفيلم مزيجا فريدا ساحرا يجمع بين التشويق والرعب والكوميديا السوداء، والنقد الاجتماعي اللاذع والسخرية عن المجتمع الطبقي. هو فيلم عن التفاوت الفادح في الدخل، الذي يجبر الفقراء على التحايل والدهاء للحصول على المال، وعن العلاقة الشائكة الملتبسة بين الطبقات، وهو فيلم أيضا عن الاستهلاكية والمادية في مجتمعنا، وعن الافتتان بكل ما يحمل اسما تجاريا شهيرا.

«كائنات طفيلية»، كما يوحي اسمه، عن فئة مجتمعية تعتاش على أخرى وتقتات عليها، عن طبقة تمتص دماء أخرى، ولكن بونغ يترك لنا الباب مفتوحا للتأويل، فهل الطفيليات تلك هم الأثرياء الذين يعيشون في قصورهم الأنيقة التي ما كانوا يستطيعون بناءها أو الحفاظ على مظهرها الأنيق بدون طبقة الخدم وبدون استغلال الفقراء؟ أم هل الطفيليات تلك هم الفقراء الذين علمتهم ظروفهم الاقتصادية الاحتيال والتحايل للحصول على قوت يومهم وبعض الأمان لمستقبلهم؟
يبدأ الفيلم بمشهد يعرفنا بالقضايا التي ستشغل الفيلم. نرى أسرة تجتمع في بيتها الفقير في حالة بحث مستميت عن سبيل للاتصال بالإنترنت عبر الواي فاي المختلس سرا من الجيران، الذين غيروا كلمة السر. هي أسرة فقيرة إذن ولكنها ذات طموح اجتماعي، وذات اعتماد كبير على التكنولوجيا، ولا تتورع عن «سرقة» احتياجاتها إن اقتضى الأمر ذلك. هي أسرة مكونة من الأب كي تيك (كانج هو سونغ في أداء مبدع متميز حقا) وابنه الشاب كي جونغ (وو شيك شوا) وابنته الشابة كي جونغ (سو دام بارك) وأمهم. ويتكاتف جميع أفراد الأسرة بحثا عن تلك الضالة المنشودة: كلمة السر للواي فاي المختلس سرا من الجيران، حتى يصلون إليها.
لا يصدر الفيلم حكما أخلاقيا على أسرة كي تيك، ولا يوجه لها أصابع الاتهام، بل يتعاطف معها ومع محنتها ويتفهم الظروف التي أدت بها إلى تكسب قوتها عن طريق الاحتيال. هم أشخاص أذكياء وأصحاب قدرات ومواهب، وهم أشخاص ليسوا بالضرورة شريرين، بل دعتهم ظروفهم للتحايل حتى يتمكنوا من العيش في نظام اقتصادي لا يعرف الرحمة ولا يأبه بالفقراء.

الأسرة تلعب دورا كبيرا في فيلم بونغ. أسرة كي تيك الفقيرة متحابة مترابطة رغم فقرها، وتعمل معا، سواء أسمينا ما تفعله احتيالا على الأثرياء أو تحايلا على الظروف.

تأتي الفرصة، ربما المحنة والاختبار الأكبر، عندما يعرض أحد الأصدقاء الأثرياء للابن كي جونغ أن يكون معلما للابنة المراهقة لرجل أعمال ثري، وهي فرصة لا تفوت ولا تعوض للحصول على بعض المال. لا يتمثل ذكاء الابن والابنة في قدرتهما على تزوير وثائق وشهادات خبرة تمكنهما من العمل مع الأسرة الثرية، ولكن في الفهم التام لعقلية طبقة رجال الأعمال الأثرياء في كوريا. يقدم الفيلم نقدا لاذعا لهذه الطبقة، وهو نقد ينطبق على البرجوازية الجديدة ورجال الأعمال في العالم بأسره وليس كوريا فقط. يلتقط بونغ ببراعة مفردات هذه الطبقة ورؤيتها للحياة. بين كلمة وأخرى بالكورية تجدهم يطعمون حديثهم بمفردات بالإنكليزية، فالإنكليزية لغة الولايات المتحدة التي تراها طبقة حديثي الثراء على أنها خير ما يكتسب حتى تكون متعلما راقيا، فأبناؤها يجب أن يتلقوا تعليمهم المنزلي الخاص على يد معلمين تخرجوا في جامعات أمريكية، ويجب أن تأتي دمى الأبناء ولعبهم من الولايات المتحدة. هو فيلم نضج فيه بالضحك، ولكنه ليس بالضحك الخاوي من المغزى، فنحن نضحك على نواقصنا، كما نضحك على تلك الأسرة الثرية المتكالبة على كل ما يشير إلى الحداثة والثراء، من سيارات المرسيدس الفارهة لأجهزة الهاتف ذات أحدث طراز.
للفقر رائحة، رائحة كالأحياء الفقيرة التي يقيم فيها المعوزون، رائحة تجمع بين رائحة المجارير التي تفيض وتغرقهم، والمبيد الحشري الذي ترشه الدولة للتخلص من القوارض والحشرات في هذه الأحياء، ومن مسحوق غسيل الثياب الرخيص الذي يغسلون به الثيابـ ليبدوا في مظهر حسن حين يلتقون من هم أكثر مالا وأوفر حظا. هي رائحة يميزها الأثرياء ويخشون من تسربها إلى عالمهم ويبتعدون عنها بكل قواهم. يقول رجل الأعمال الثري لزوجته إنه يميز رائحة سائقه، فعلى الرغم من أن السائق لا يتجاوز حدوده في الحديث، إلا أن رائحته تتخطى الحد الفاصل بين الخادم والمخدوم، وتتخطى الخط الوهمي الفاصل بين الطبقات. هي الرائحة التي يخشى الأثرياء أن تعلق بهم، والتي يحاول الفقراء الفكاك منها.
الأسرة تلعب دورا كبيرا في فيلم بونغ. أسرة كي تيك الفقيرة متحابة مترابطة رغم فقرها، وتعمل معا، سواء أسمينا ما تفعله احتيالا على الأثرياء أو تحايلا على الظروف. أما أسرة بارك الثرية، التي تتمكن الأسرة الفقيرة من التغلغل في عالمها، ومن العمل في منزلها بين معلم للأبناء وسائق ومديرة منزل، فنجد أفرادها متباعدون يعيش كل منهم في عالم منفصل، ونجد أنهم يعتمدون بصورة تامة على طبقة العاملين والخدم لتدبير شؤونهم. في مشهد يحمل الكثير من المغزى، يقول بارك لسائقه إنه بدون مدبرة منزله، سيغرق المنزل في القمامة، ولن يجدوا طعاما في غضون أيام.

ينبذ بونغ تقديم العظات أو إصدار الأحكام، ولكنه يصور بدقة وفهم كبيرين العلاقة الملتبسة بين الخادم والمخدوم، علاقة تجمع بين الإذعان لثرائهم والرغبة فيه.

إنه اعتماد الأثرياء التام على الفقراء لتدبير شؤونهم، بدون أن يكترثوا على الإطلاق بهموم هؤلاء الفقراء. بين عائلة مترفة تعيش في بيت أنيق في ضاحية أنيقة، وعائلة تقيم في قبو في منطقة مهددة دوما بالغرق في مياه المطر والأوحال ومياه المجارير، تدور أحداث الفيلم. يعتمد ذكاء الفيلم وحس دعابته وسخريته على اللقاءات بين العالمين، وعلى رؤية كل فئة للفئة الأخرى. عالم علوي للأغنياء، وعالم سفلي يسكنه الفقراء، وبعض من حولهم الفقر وإهمال النظام الاجتماعي إلى أشباح وهم على قيد الحياة. المخدومون والخدم، الأثرياء والفقراء، من يملكون ومن يطمحون يشغلون جميعا حيزا واحدا هو منزل أسرة بارك الثرية. ولكن كما تنشط العوالم الأخرى للكائنات التي لا نراها رغم تأثيرها الكبير علينا، وكما تنشط الحيوانات والهوام الليلية بدون أن نراها، ينقسم عالم بيت الأثرياء لعالم ظاهر يسكنه الأثرياء، وعالم خفي رطب سري يسكنه الفقراء من الخدم. إنه الافتقار للعدالة الذي حول الفقراء إلى ما يشبه الهوام، وإنه استغلال الأثرياء للفقراء، ما جعلهم يضطرون للعيش في الخفاء والظلام. عالمان يتوازيان ويحاولان ألا يحتكا، ولكن الاحتكاك والاحتقان مقبل لا محالة، والصراع بين العالمين العلوي والسفلي والثري والمعوز آت لا محالة، وحين يحدث، تراق الدماء.
بين الضحكات التي ضجت بها القاعة أثناء عرض الفيلم، والتوتر الذي يبقينا على أطراف أصابعنا تدور أحداث الفيلم، ويبقينا بونغ، الذي يأتينا في أوج صنعته السينمائية، في ترقب تام لما قد يكشف عنه الفيلم في اللحظات المقبلة. لا يقدم الفيلم يقينا ولا يصدر أحكاما أخلاقية، وينم عن قدر كبير من التعاطف، مع أسرة كي تيك الفقيرة. ولكنه لا يجمل أيضا شرورهم ولا صراعهم من أجل البقاء ولا مساعيهم لصعود السلم الطبقي، حتى إن كان ذلك على حساب غيرهم من الفقراء. وينطبق الحال ذاته على أسرة بارك، فهي لا تبدو لنا جشعة أو شريرة، ولكن ثراءها يعميها عن رؤية من هم أقل مالا وحظا.
ينبذ بونغ تقديم العظات أو إصدار الأحكام، ولكنه يصور بدقة وفهم كبيرين العلاقة الملتبسة بين الخادم والمخدوم، علاقة تجمع بين الإذعان لثرائهم والرغبة فيه، تجمع بين الاضطرار لإظهار الاحترام والرغبة في السخرية، يجمع بين الخشية والرغبة. «كائنات طفيلية» فيلم لا يسعى لتجميل الواقع ولا يخفي أن إيجاد حل سلمي للصراع الطبقي قد يكون حلما من الأحلام، فالدماء ستراق مهما تحايلت الأطراف المختلفة حتى لا يراق.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية