لغز حرائق مزارع الحنطة والشعير في العراق

مصطفى العبيدي
حجم الخط
0

بغداد-“القدس العربي”: أطاحت موجة حرائق منظمة في حقول الحنطة والشعير في العديد من المحافظات العراقية، أفراح العراقيين بموسم زراعي مثمر، وسط تساؤلات عن الأسباب والجهات التي تقف وراء هذه الظاهرة الغريبة.

ورغم تنوع أسباب تلك الحرائق التي جاءت في فترة النضوج الكامل للمحاصيل الزراعية (الحنطة والشعير) وبدء حملات حصادها، فالجميع يتفقون على أن عملية حرائق المزارع وقعت بفعل فاعل.

وخلال الفترة الأخيرة تعرضت مئات الحقول الزراعية وفي أوقات متقاربة، إلى حرائق هائلة في محافظات ديالى ونينوى وصلاح الدين وكركوك، مسببة خسائر كبيرة للفلاحين والمعدات إضافة إلى المحاصيل الزراعية المهمة.

وإزاء اتساع ظاهرة حرائق المزارع، عقد البرلمان العراقي اجتماعا برئاسة حسن الكعبي النائب الأول لرئيس مجلس النواب، وبحضور صالح الحسني وزير الزراعة، ونواب المحافظات المنكوبة ومسؤولين محليين، للوقوف على تداعيات الحرائق الأخيرة التي لحقت بحقول القمح في أربع محافظات عراقية. وبحث الاجتماع تداعيات تلك الحرائق و”حصر الأضرار وامكانية تقديم التعويض للفلاحين بعد الانتهاء من التحقيقات والكشف عن الجهات التي تقف وراء هذه الجريمة التي تستهدف أمن العراق والأمن الغذائي وأمن وقوت المواطن العراقي” حسب بيان البرلمان.

فيما دعت حركة المنبر العراقي التي يرأسها أياد علاوي، الحكومة لإجراء تحقيق عاجل والكشف عن الجهات المتورطة في العمليات الإجرامية الإرهابية التي تعرضت لها حقول الحنطة والشعير في محافظات صلاح الدين ونينوى وديالى وغيرها، مؤكدة “ان عصابات الإرهاب والجريمة المنظمة لم ترتو من دماء العراقيين بل عمدت إلى الإضرار بقوتهم اليومي والعبث بالأمن الغذائي الوطني في سابقة ليست الأولى ولا نعتقد أنها ستكون الأخيرة”.

المحافظات المحررة من “داعش”

وكانت الخسارة الأكبر جراء الحرائق من نصيب محافظة صلاح الدين، التي احترقت فيها آلاف الدونمات المزروعة بحبوب الحنطة والشعير.

وقد دعا النائب عن صلاح الدين مثنى السامرائي، الحكومة إلى إعلان حال الطوارئ في المحافظة واعتبار المناطق التي تعرضت للحرائق “منكوبة” مبديا استغرابه من “أسلوب اللا مبالاة” وعدم اتخاذ محافظ صلاح الدين والحكومة المحلية إجراءات بشأن الحرائق في العشرات من مزارع الحنطة والشعير في المحافظة. وأضاف في بيانه، أن “هذا الموسم كان مثالياً للمزارعين والفلاحين لزراعة مساحات واسعة بمحصولي الحنطة والشعير” مطالبا “الأجهزة الأمنية والاستخبارية بإجراء تحقيق عاجل في حوادث الحرائق التي تعرضت لها العشرات من المزارع في محافظة صلاح الدين وكشف الأسباب الحقيقية الكامنة وراءها”.

وشملت الحرائق مساحات واسعة من حقول بيجي والعلم والدور وحمرين ومكحول والبو عجيل والأراضي المجاورة لسبايكر، مسببة خسائر مادية كبيرة.

وفي محافظة ديالى شرق العراق تضاربت الأرقام عن حجم الخسائر، حيث أكد عضو مجلس المحافظة رعد المسعودي، أن خسائر الفلاحين بسبب الحرائق قدرت بأكثر من (700 ) دونم، داعيا الحكومة إلى تعويض المتضررين، بينما ذكرت اللجنة الزراعية في مجلس المحافظة، ان حجم خسائر محصول الحنطة في حرائق جرت بفعل فاعل على مدار أسبوع في مناطق متفرقة من المحافظة، بلغت أكثر من 500 دونم من محصول الحنطة أبرزها الحرائق في منطقة العظيم والخالص شمال بعقوبة مركز المحافظة إضافة إلى خانقين، مما دعى شرطة ديالى إلى تهديد المتورطين بالحرائق، بمعاملتهم كـ”إرهابيين”.

أما في كركوك شمال العراق، فان مديرية الدفاع المدني، أعلنت احتراق نحو 136 دونما من محصولي الحنطة والشعير في المناطق الزراعية، في حين أكدت تمكنها من إخماد بعض الحرائق في حقول الحنطة في قضاء الحويجة وناحيتي الرياض وسركران.

ولم تكن محافظة نينوى شمال العراق بعيدة عن تلك الحرائق، حيث اندلع العديد منها في عدة مناطق من محافظة نينوى والتهمت مزارع واسعة للحنطة والشعير يقدر طولها بعدة كيلومترات.

الإجراءات الحكومية

وقوبلت الإجراءات الحكومية إزاء حوادث الحرائق المنظمة في عدة محافظات، بانتقادات واسعة لعجزها عن حماية أهم محصول زراعي وعدم كشف الجهات التي تقف وراءها.

فقد دعا الاتحاد العام للجمعيات الفلاحية في العراق، رئيس الوزراء عادل عبد المهدي إلى التدخل لوقف هذه الحرائق، والتحقيق لمعرفة الجناة وتعويض المزارعين. وأكد رئيس الاتحاد حسن التميمي في بيان أن الحرائق المفتعلة جاءت لخلق أزمة اقتصادية وزعزعة الأمن الغذائي العراقي، وطالب الحكومة بالوقوف وقفة جادة ومساندة المزارع الذي يتعرض لكافة أنواع الضغوطات ليمتنع عن زراعة  أرضه.

أما وزارة التجارة فقد طالبت وزارة الداخلية وقيادة العمليات المشتركة بالتحرك لتعقب ” الجماعات الإرهابية وحماية أمن وممتلكات الفلاحين وتأمين الحقول”، معربة عن رفضها لتعرضهم إلى ابتزاز العصابات الإرهابية”.

بينما حاولت وزارة الزراعة، التقليل من حجم الخسائر والحرائق، بالادعاء بأن مساحة الأراضي المتضررة من الحرائق بلغت 1185 دونم فقط وتتوزع على اربعة محافظات ديالى وصلاح الدين والموصل وكركوك، مقرة بأن هناك أضرارا بالمحاصيل الزراعية ومعدات الري في الحقول وغيرها.

الاسباب والجهات وراء الحرائق

وأكدت مصادر عراقية مختلفة أن وقوع حرائق المزارع في مناطق متعددة وفي وقت حصاد الحنطة والشعير، يشير إلى وجود تخطيط مسبق وجريمة منظمة، تنفذها جهات داخلية لحساب جهات خارجية كما أفاد بعض النواب والمسؤولين في الحكومات المحلية، وخاصة بعد العثور على العديد من الأدوات التي استخدمت في الحرائق، مثل هواتف محمولة محوّرة تطلق نيران عند الاتصال بها من هواتف أخرى، وغيرها من المعدات.

وفي هذا الصدد كشف نائب محافظ صلاح الدين، أحمد صالح، أن التحقيقات الأولية أظهرت أن الحرائق التي طالت المحاصيل الزراعية في مناطق متفرقة من المحافظة تمت بفعل فاعل.

وقال في تصريح صحافي إن “الأجهزة الأمنية عثرت على هواتف محمولة وأسلاك استخدمت في اضرام النيران التي التهمت آلاف الدونمات الزراعية”.

وقد اتهمت لجنة الاقتصاد والاستثمار النيابية، جهات داخلية وخارجية لم تسمها، بالتآمر من أجل منع وصول العراق إلى الاكتفاء الذاتي من الحنطة، عن طريق افتعال الحرائق في حقولها.

وقالت اللجنة، إن استهداف الزراعة بعد استهداف الثروة الحيوانية والسمكية، أمر مخطط من أجل إبقاء العراق بلدا مستوردا، داعية الحكومة إلى تحمل المسؤولية تجاه ما يحصل.

بينما أكد النائب اراس حبيب كريم ان “المافيات تريد للعراق أن يكون مجرد سوق لتصريف البضائع المستوردة، مبينا ان ما يحصل من حرائق لحقول الحنطة تهديد جدي”. وقال في بيان انه “لا يكفي القول إن حرائق حقول الحنطة مفتعلة أو بفعل فاعل، ومثلها قبل شهور حادثة نفوق ملايين الأسماك، علينا البحث عن الأسباب لا النتائج”. وأضاف أن “هناك من لا يريد بناء اقتصاد وطني” وان “المافيات ومن يقف خلفها ويسندها هي من تريد للبلاد أن تكون مجرد سوق لتصريف البضائع المستوردة”.

دور “داعش”

وجاءت اتهامات وادعاءات بعض الجهات بتورط تنظيم “داعش” بتنفيذ بعض حرائق المزارع، ليعزز نظرية قوية لدى أغلب العراقيين، بأن هذا التنظيم الإرهابي ومنذ نشوئه وبروزه عام 2014 كان وما زال، أحد أدوات تنفيذ أجندة الحاق الأذى بالعراق ومصالحه، سواء بتوجيه من قياداته أو من أجهزة أمنية دولية أو إقليمية تلتقي معه في هدف السعي لتدمير العراق. كما ان التنظيم يستغل سوء التغطية الأمنية لمساحات واسعة من المحافظات المحررة، ليشن عمليات ابتزاز المزارعين ومطالبتهم بدفع الأموال عن محاصيلهم، لدعم نشاطه الإرهابي، أو القيام بحرق مزارعهم عند رفضهم الخضوع لابتزازه.

وإضافة إلى تنظيم “داعش” فان هناك فصائل مسلحة وعصابات تقوم بتصفية حسابات بينها أو ابتزاز بعض القرى للحصول على أموال طائلة من الفلاحين، وتقوم بتنفيذ الحرائق فيها إذا لم يستجيبوا لطلباتهم.

وأعادت حرائق المزارع، الحديث في الشارع العراقي، عن نظرية المؤامرة لاستهداف البلد اقتصاديا بعدما أعلن مؤخرا الاكتفاء الذاتي في عدد من المنتجات الزراعية والحيوانية وايقاف استيرادها، حيث شهدت المحافظات الجنوبية قبل فترة ظاهرة نفوق ملايين الأسماك بمرض غامض، كما شهدت مزارع الطماطم انتشار مرض (لفحة الطماطم) بعد إعلان وزارة الزراعة ارتفاع إنتاجها وايقاف استيرادها، وغيرها من الحالات المشابهة.

ويؤكد مراقبون، أن هناك دولا ومافيات داخلية وتنظيمات تسعى لانهيار الاقتصاد العراقي والثروة الزراعية، من خلال افشال مشاريعه الزراعية والصناعية، من أجل مواصلته استيراد المنتجات من الخارج وخاصة من دول الجوار مثل إيران التي تعتمد بشكل كبير على تصدير المنتجات الزراعية والحيوانية إلى العراق للحصول على مبالغ طائلة لمواجهة العقوبات الأمريكية عليها.

كما يلاحظ ان تركز حرائق المزارع في محافظات ديالى ونينوى وصلاح الدين وكركوك، من دون محافظات الوسط والجنوب، قد أثارت موجة تساؤلات لاستهداف مناطق معينة دون غيرها بهذه الحرائق.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية