راشد السنوسي… أمير الثورة الليبية

حجم الخط
0

د. كفاح درويش

راشد السنوسي لم يكن مقاتلا… ولا قائدا عسكريا… راشد كان شاعرا سلاحه القلم يقاتل ويثور بالقلم رأى فيه نظام القذافي سلاحا خطيرا يهدد وجوده فكان القرار بعزله وسجنه ومحاولة قتل قلمه. لقد راهن راشد على أجيال الغد، أجيال الثورة، وكان رهانه صائبا فقد أطلق الشاعر السنوسي قصيدة تتغنى بعلم الاستقلال الذي رفعه ثوار السابع عشر من شباط ( فبراير) في ليبيا وهم يعلنون انتفاضة البلاد ضد القذافي، يقول:

رفرف فإنك للعلياء تنطلق يزهو الهلال ويزهو النجم والأفق إن غياب الحرية على امتداد أربعة عقود يعد عاملا من العوامل الرئيسية لثورة الشعب الليبي الذي طالما حلم وتغنى بالحرية والديمقراطية، فنظام العقيد القذافي وأذنابه حال دون انتشار الأدب الليبي الملتزم بالحرية والوحدة والتقدم، فالممارسات القمعية التي كانت تمارس ضد الأدباء والمثقفين لم تقف عند حد عزلهم ومنع نتاجهم الأدبي من الانتشار والتواصل بل وصل إلى حد التصفية الجسدية والاغتيالات وزنازين الحبس الانفرادي مما يدل على جبروت هذا النظام وفشله في مد جسور الثقة والحوار بين أبناء المجتمع الواحد.

كل هذه الممارسات أدت إلى انحسار الثقافة والأدب والشعر وانطواء الأدباء على أنفسهم ولست مبالغة إذا قلت إن من الشعراء الليبيين ما يجهله الليبيون أنفسهم بسبب آلة الإعلام الجبارة التي ظلمتهم وحاولت طمس كل ما يمت لهم بصلة ومن هؤلاء راشد زبير السنوسي سليل العائلة المالكة السنوسية وحفيد احمد الشريف الذين قاتلوا ضد المستعمر الإيطالي في ليبيا والذي لم يجد القذافي مفرا من ذكره في بيانه الأول قائلا: ‘ يا من قاتلتم مع أحمد الشريف…’ أما الشاعر السنوسي حبيب الهوني فقد حكم عليه بالسجن لمدة 20 سنة نتيجة مشاركته في الحركة الطلابية في بنغازي عامي 1975م و 19776م، والكاتب المسرحي منصور بوشناف حكم عليه بالسجن لمدة 15سنة أثناء عرضه لمسرحيتين، إحداهما تحت عنوان ‘ الجرذان تحكم المدينة’ وهي تقوم بنقد الاستبداد والظلم وغيرهما من أدباء ليبيا الذين لقوا نفس المصير. وهكذا نجد الشاعر راشد السنوسي متهما في مؤامرة لقلب نظام القذافي العام 1970م وحكم عليه بالسجن لمدة عشر سنوات انتهت عام 1980م لكنه لم يخرج من معتقله لتمتد لعام 1988م. إن هذه العوامل جميعا أدت إلى بروز تيارين أدبيين هما: أدب الثورة أو أدب السجون وأدب المنافي يقابله الأدب المحابي لنظام العقيد فقد لجأ القذافي إلى استمالة الشعراء من ليبيا وخارجها الذين نظموا قصائد في مدحه، مثل محمد الفيتوري والشاعر العراقي مظفر النواب. وحسبي هنا أن أستعرض بعض النصوص الشعرية لراشد السنوسي وغيره، للكشف عن بعض ملامح الأدب الليبي وتياراته. فالشعر الذي قيل داخل السجون لجأ إلى نوع من الغموض والرمزية أما الشعر الذي قيل في المنفى فقد انتهج سياسة التحريض والتمرد وانعكس بالتالي على اتجاه الشعراء إلى تبني الشعر الحر والعمودي.

أدب السجون:

تمتلئ قصائد شعراء الثورة في ليبيا بصور السجن والسجان إلى حد يمكننا من اعتبار ذلك ظاهرة جديدة في الشعر الليبي المعاصر، إذ لا تخلو قصيدة من قصائد هؤلاء الشعراء من مفردات السجن والزنازين والأقفال ورفض علني للممارسات القمعية التي يتعرض لها المواطن الليبي. ففي قصيدة ‘ ابن القمرة’ يصرخ الشاعر بأعلى صوته: ‘ أنا ليبي أعارضكم وأرفضكم… أنا ليبي عيون الرفض في بلدي… وفي المنفى وفي المعتقل…. هواياتي ككل مناضل… نثري خيوط النور نجمعها… لنصنع فجرنا القادم’. لم يتحدث الشعراء – كما أشرت سابقا – مباشرة عما تعرضوا له من قمع وتعذيب بصورة مباشرة فها هو راشد السنوسي يحدثنا عن تجربته داخل زنزانته من خلال قصيدته ‘ القفل’ وما عاناه من قسوة المحققين والجلادين وما مورس بحقه من ركل وشتم وبصق وضرب، كما تحدثت القصيدة عن الأجواء الكئيبة التي تحيط بالمعتقل داخل زنزانته من برد وقسوة ووحدة كما تحدثت عن قسوة الأقفال والأغلال في ظل أجواء تقلل من قيمة الإنسان وتحقر من كرامته.

الكثير من أبيات راشد تتحدث عن الفراق وما يصاحبه من معاناة، نراه يتحدث عن ليلة العيد عن فلذات كبده وهو بعيد عنهم، يقول:

يا عيد، يا فرحة الأطفال، ما صنعت أطفالنا نحن والأقفال تنغلقما كنت أحسب أن العيد يطرقنا والقيد في الرسغ والأبواب تصطفقوفي نفس القصيدة يتحدث عن معاناة أخته رقية عندما تقطع مئات الأميال لتطمئن على أخيها بالرغم من الظروف الصعبة التي تلاقيها في رحلتها الصعبة، إن هذا يذكرني بموقف المرأة الفلسطينية المناضلة وما تعانيه من قسوة المحتل وضراوة الجلاد من أجل رؤية أحبة طال غيابهم… يقول:

وقـفـت مفـردة تـدعـم بالوصل أخاهـا حين تأتي يسهر القسم على فيض عطاهاتجمع القرش إلى القرش وما كلت يداها تطلب الله وحسب المرء أن يدعو إلهـاوكما يقول في قصيدته ‘ دنيا العرب’: وأطوف في وطني الكبير أطوف أبحث عن أمانعن موطئ يتطلع الإنسان منه ولا يهانعن لفظة تنساب لا تلوي أعنتها اليدانفتصدني الأشجان والقضبان والحق المدانومنها ما يقوله محمد الشلطامي في قصائده الذي يحاول أن يرمز من خلال توظيف عناصر الطبيعة وجزيئات الحياة اليومية للتعبير عن معاناة الليبيين المتمردين ‘ لم تعد يا طائر الشوق، ولم ( تخضر) في الأفق سوى رايات أعدائي وتنهد على طاولة المقهى ملايين الدقائق، وأنا أربض في المتراس مجروحا وقلبي معبد ينهار في ليل الحرائق’، إن فعل ( لم تخضر) إشارة إلى ( الكتاب الأخضر) الذي جعله القذافي سيفا مسلطا على رقاب الشعب. ويخرج الشلطامي في قصيدة ‘ غربة’ من الإطار الإيحائي الرمزي إلى المباشرة والخطاب، يقول: ‘ أصبح الإرهاب في عهده دينا ـ أصبح التعذيب فنا ـ فهجرنا وتشردنا ـ وأصبحنا ضحايا وأهِـنـّا’. وفي قصيدة عن ‘ الحب والموت والثورة’، يعكس الشلطامي معاناة الشعب الليبي، يقول: ‘ أنا لا أملك الآن وطنا ـ الليلة سوداء في سجني الجديد ـ غن لي لن يسمعنا أحد تحت المقصلة، غير سيف الدولة ـ غنِّ لن يسمعنا أحد’…. من خلال تصفحنا في بعض نصوص الشعر الليبي المعاصر نلمح أن شعر الثورة والتمرد ليس مجرد حالة مؤقتة إنما هو تعبير عن واقع مؤلم تغتال فيه الحريات والحقوق وتنصب فيه المقاصل والمشانق في زمن حكم القذافي… إننا نحتاج إلى وقت طويل قبل أن نستوعب الطاقات والمواهب التي يتمتع بها راشد السنوسي. هل نتحدث عن صداقاته ونقول إنه لم يكن له عدو شخصي؟ أم نتحدث عن تواضعه وهو أحد أفراد العائلة المالكة السنوسية، وهو الرائد الذي لم يكن همه سوى الإخلاص لعمله وقضيته؟ أم نتحدث عن تضحيته وعفة يده وهو الذي عرضت عليه الألوف والملايين ورفضها؟ راشد السنوسي كان يكتب بحساسية بالغة عن المواقف المتأزمة التي يمر بها عند مواجهة النظام الديكتاتوري وبالمقابل كان يطرح إشكالية العلاقة مع السلطات بأنواعها التي تقف عاجزة عن الفعل وكابحة للعقل أيضا. هذا الشعر لم يأت مباشرة أو مصطنع بل حاز جميع الشروط الإبداعية الفنية التي سخرها الكاتب من أجل إبراز الفكرة وإيصالها خدمة لقضيته. قالوا ‘لكل ثورة حكيم. وربما يجدر أن يضاف لكل ثورة أمير يصنع ثقافتها ويحمي ذاكرتها، وراشد السنوسي هو أمير الثورة الليبية. وكما قالت مارتا حيمينت’ علينا أن ننكس رؤسنا خجلا نحن الذين نعيش في بلدان تؤمن لنا حق التظاهر فبينما أقصى ما يمكن أن يتلقاه معارض في مظاهراتنا هو الرمي بالبيض أو الطماطم ومع ذلك نتكاسل بالخروج نرى هؤلاء الثوار يخرجون على الشوارع بصدور عارية وهم يعلمون أن الذي ينتظرهم قنابل ودبابات وقناصون ومختلف الأسلحة. يا له من درس عظيم يلقنونه للعالم…’. تعريف بالشاعر:

ولد في مدينة مرسى مطروح عام 1938م، تخرج في كلية الآداب والتربية في الجامعة الليبية. من دواوينه ‘ قيثارة الخلود’ و ‘ رسائل إلى زوجتي’ و ‘ النغم الحائر’، كما نشر بحثا قبل اعتقاله عام 1968م تحت عنوان ‘ الانتفاضات العربية في الشعر الليبي’ له تحت الطبع ديوان بعنوان ‘ جرحان’ وآخر تحت الإعداد بعنوان ‘ مرافئ الأحلام’.* كاتبة من الاردن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية