المكرونة، المقرونة، المعكرونة كلّها أسماء لمادّة غذائية من المعجنات نعرفها جميعاً بجذورٍ عن “مَكِّرُونة” الإيطالية، تلك الأنابيب القصيرة من عجين طحين القمح الأبيض القاسي. لكن في أغلب بلاد المشرق العربي ولتمييزها عن الكسكس المغاربي، تنتشر كلمة “المكرونة” للتعبير عن كلّ أصناف المعجّنات المخزنة تجفيفهاً، بما فيها الشعريّة (السباكيتي) والصدفية (كونكيليه) واللّولبيّة (فوزيلّي) وغيرها. ورغم استيراد هذه المادّة الغذائية الشعبيّة من المصانع الإيطالية ومنذ ما قبل العهد العثماني، إلّا أنّ لها في الواقع جذوراً عربيّة يجدر تقصّيها.
كلمة مَكِّرُونة الإيطالية تأتي بسبب طريقة صنع المكرونة بعصر العجينة خلال قالب خاص. أمّا كلمة باستا الإيطالية فتعني وبكل بساطة “عجين”.
لكنّ مبدأ تقطيع العجين وتجفيفه يعود أساساً إلى حياة اقتصادية تسبق الكلمة الإيطالية العامّية تلك وربّما بقرون، حيث أنّ الطبيب والمعجمي التونسي عيشو بار علي ترك في تدويناته من القرن العاشر ذِكراً لنوع من المعجّنات سمّاه “إطريّة” وذكر أنّها كانت تُصنع من السميد، وأورد لها تاريخاً يعود إلى القرن الخامس حين قال أنّها كانت تنتشر محمولة في حقائب العرب الرحّل والمسافرين مجفّفة وجاهزة للسلق والاستهلاك في أيّ وقت.
تلمود القدس كذلك يذكر باللاتينية الطرية باسم “إتريُم” كنوع من شرائط العجين المغلية، والتي كانت شائعة بين عرب فلسطين بين القرنين الثاني والخامس بعد الميلاد. وكان اليهود المهاجرين من المشرق صوب المغرب قد حافظوا على تراث العجائن المغلية كوجبة عزاء تُقدّم عن روح الميت.
ومن “طريّة” العرب انتشرت التقنيّة في عموم الامبراطوريّتين الجارتين، الساسانية والبيزنطية، فوردت في التدوينات الفارسية بذات الصيغة الآرامية إطرية، وانتشرت كذلك في التدوينات البيزنطية بصيغة إتريون عن الآرامية إطريه ووصلت اللاتينية بصيغة إتريوم.
لكن كيف وصلت “الطرية” إلى إيطاليا؟ وكيف تحوّلت إلى صناعة؟
خلال القرن السابع وتحديدياً سنة 603 ونتيجة لاغتيال الإمبراطور البيزنطي موريس اندلعت حرب عالمية شملت أغلب دول العالم القديم ودامت 28 سنة، كادت هذه الحرب أن تقضي على كلا الامبراطوريّتين المركزيّتين في حياة شعوب تلك الفترة، وهو ما حدث فعلاً في نهايتها، بانطلاق الدولة الإسلامية لتوحيد أغلب الدول التي شاركت في الحرب.
لكنّ ما يهمّنا من هذه القصّة أنّ وقوع الحرب وطول أمدها واتساع رقعة معاركها، دفع بالكثير من العائلات العربية والسورية بالعموم للنزوح عن ساحة المعارك صوب جُزر المتوسط لقلّة تأثّرها بالحرب. في ذلك الوقت كان جنوب إيطاليا من المحافظات البيزنطية، ما دفع بالنازحين السوريّين إلى اللّجوء إلى منطقة بوليا، وفيها اشتغل أغلبهم بمهن الإطعام، كمصير أغلب اللاجئين المعتاد.
في بوليا قدّم اللاجئون السوريّون طبق “شيشَري إ-تريه” حمّص وطرية، الذي لم يزل يُحافظ على اسمه حتى اليوم، ولم تزل بوليا فخورة بحضوره تحافظ على تقاليد أكله بالملعقة، لا بالشوكة، خلافاً لعادات أكل الشعريّة المعتادة.
سنة 826 انقلب قائد الأسطول البيزنطي الإدميرال فيمي على حكومته لأسباب عاطفية واستقلّ عن الامبراطورية البيزنطية بجزيرة صقلية، ثم أسّس لنفسه مملكة صقلية، سريعاً انهزم فيمي نتيجة خلافات داخلية بين فصائل الثورة فلجأ دبلوماسياً إلى تونس (إمارة أفريقيا الإسلامية) وعرض على الأغالبة التبعية الصقليّة لتونس مقابل دعمه للاستقلال بالجزيرة عن البيزنط. نشر الأغالبة إعلاناً لتهيئة جيوش “فتح الأراضي الإيطالية” واستقطاب المجاهدين، وجمعوا فصائل عسكرية من العرب والأمازيغ والعجم (الأندلسيّين) والكريت والخوراسانيّين الفرس، وعيّنوا على رأس الجيش أسد بن الفرات الحرّاني.
توفى فيمي سنة 830 وأعلن الأغالبة تأسيس إمارة صقلية الإسلامية تابعة اتحادياً لإمارة أفريقيا الأغالبية، كانت الإمارة على برّ صقلية والجنوب الإيطالي ومالطا وسردانيه (سردينيا) وكورسيكا، سنة 909 انتقلت إمارة صقلية للحكم الفاطمي ولاحقاً استقلّت كدولة أوروبية مسلمة سنة 948 ثمّ كإمارة عربية أوروبية تحت حكم الكلبيّين من سنة 1044.
سنة 1091 استولى النورمان المسيحيّون (ألمان شمال فرنسا الكاثوليك) على صقلية ومالطا والجزر المتوسطية بالإضافة لهطاي وإدلب السوريتين، انتهى الحكم الإسلامي وصقلية وجزر المتوسط، لكن حافظ النورمان على عروبة الجزيرة بدون تغيير. خلال حياة الخلافة الفاطمية كان النورمان من أقرب أصدقاء وحلفاء الفاطميّين على البحر.
المهم في الموضوع، خلال فترة الأغالبة استعربت الجزيرة بالكامل، وتحوّل أهلها الأرثوذكس إلى الإسلام العبّاسي ولقّبهم العرب بالعجم، وخلال فترة الحكم الفاطمي انتشرت الأزمات الطائفية بين سنة وشيعة البلد فهجرها نسبة من السكان، لكن بعد الفاطميّين تحوّلت صقلية إلى بلد مفتوح، شديد الثراء وبدون تأثير من أيّ مرجعية دينية خارجية، بالتالي كانت صقلية وخلال القرن العاشر هدفاً لهجرة مئات آلاف العائلات العربية، المسلمة والمسيحية، خصوصاً من سوريا، وحمل هؤلاء المهاجرين معهم تراثهم ومأكولاتهم.
نقل العرب إلى صقلية زراعات البرتقال واللّيمون والفستق الحلبي وقصب السكر والقطن وشجرة التوت الشامي والنخيل والبطيخ الأحمر والبطيخ الأصفر، وأدخلوا صناعة الحرير مشجّعين على رعاية دودة القزّ، ونشروا نظام الري باستخدام النواعير وأقاموا صناعتها، وكذلك صنعة الجزارة (مهنة الجزّار). وكان أهمّ ما انتقل مع العرب لصقلية وبالأخص العرب المسيحيّين هي صنعة صناعة الشعريّة هذه الصناعة التي بقيت إلى يومنا وصارت من أهمّ الصناعات الغذائية في نصف العالم الغربي.
خلال القرن الحادي عشر ومع تفاقم أزمة الغزوات الصليبية على الساحل السوري، وصلت صقلية و كالابريا وپوليا موجة ثانية من النازحين السريان والمسلمين الهاربين من فرسان الهيكل والحكم الفرنسي، قبيل وقوع صقلية ذاتها تحت الحكم الصليبي النورماندي المتعاطف مع الثقافة العربية، والمتعارض مع فرسان الهيكل. وكان الإطعام وبطبيعة الحال هو مهنة أغلب اللاجئين.
يذكر الجغرافي المعروف، الإدريسي في كتابه “نزهة المشتاق في اختراق الآفاق” مصانع الطريّة في صقلية سنة 1154 ويورد لها تاريخاً يعود إلى القرن الحادي عشر فيقول أنّها صُنعت أوّلاً من قبل العرب الصقلّيّين وقال إنّ “خيوط القمح الشعريّة كانت طعام لأهل منطقة باليرمو” كما ذكر أنّ مصانعها كانت أوّل ما شهده عقب النزول “غرب المحطة توجد بلدة جميلة تسمى ترابية. مجاريها المتدفقة باستمرار تدفع عدداً من المطاحن. هنا توجد مبانٍ عظيمة في الأرياف حيث تُصنع كميات كبيرة من الإطرية التي تصدّر إلى كلّ مكان، إلى كالابريا ومنها إلى البلدان المسلمة والمسيحية. يتمّ إرسال الكثير من حمولات السفن”.
ما بين القرنين السابع والثاني عشر تحوّلت وتطوّرت صناعة الطرية لتحتلّ مكانة في دورة اقتصاد إمارة صقلية والجنوب الإيطالي وعائلات المنطقة، ثمّ لتصبح لاحقاً أحد أهمّ صادرات مملكة ناپولي مع بداية القرن الرابع عشر. وفي عهد ناپولي الكاثوليكية تطوّرت عن الطريّة باستا باسم فيرميجيلّي التي تعني “شعر الملاك” بسبب طولها ورقّتها، وعنها تطوّرت السباكيتي أسمك قليلاً، لتنتشر في أنحاء العالم، وتعني تسميتها الوتر الرفيع.
أطلق العرب على السباكيتي اسم “الشَعريّة” لشبهها بشعر الرأس الطويل، وعنها طوّروا الشعيريّة، أرفع قليلاً، وهي التي يشيع استعمالها اليوم لطبخها مع الأرز.
أمّا على البرّ السوري والفلسطيني، وبينما يحافظ أهل الأرياف اليوم على وصفات الطرية بأسماء مختلفة، منها المقطّعة والمقطّع، والشعريّة والشعيريّة، لكن اختفت حرفتها تماماً على المستوى الصناعي مقابل استيرادها من إيطاليا أو إعادة صناعة الوصفات الإيطالية، ويعود ذلك على الأغلب لعنصرين:
الأول هو الاتفاقيات التجارية التي ألزمت سلطنة المماليك الإسلامية والعثمانية من بعدها بالتزامات تجارية مقابل امتيازات البنادقة في حلب وعموم الشطر السوري من السلطنة، فتقلّصت من الصناعات المحلية التي تنافس المنتجات الإيطالية والإسپانية التي حملتها سفن البنادقة عبر المتوسط.
والثاني هو شيوع منتجات الصناعات الغذائية الأساسية التركية على حساب المنتجات السورية، تلك المنتجات القادمة من وسط آسيا والهند كالأرز الفرغاني والبهارات الهندية والخضراوات الأفغانية، وانتشرت تنافس المنتجات المحلّية وتؤثر على الذوق العام، مذ تنفّذت الشركات التركية في العهد السلجوقي وما تلاه، لكنّها سادت فعلاً مع تنامي سيطرة دول المماليك والتيموريّين اقتصادياً على المنطقة من شمال الهند وحتى اليمن وليبيا منذ القرن الثالث عشر.
مع ذلك، لم يكن لصناعة الپاستا هذا الانتشار خارج منطقة المتوسط قبل القرن التاسع عشر، وكان لشيوع استهلاكها في الولايات المتحدة الأميركية أبرز التأثير على الذوق العالمي تجاه وصفات العجائن المجفّفة، حيث انتشرت شرق الولايات المتحدة الأميركية أولاً ثمّ شاعت في عموم البلاد مع زيادة الاستثمار في صناعتها عقب الحرب العالمية الأولى.
سنة 1848 افتتح المهاجر الفرنسي أنطوان زيغيكا أوّل مصنع للباستا الإيطالية في الولايات المتحدة الأمريكية، وتحديداً في بروكلين نيويورك، ثاني أكبر التجمّعات الإيطالية على الساحل الشرقي الأمريكي. انتقلت الصناعة خلال القرن العشرين إلى نيوجيرسي لكنّها لم تزل تقدّم منتجاتها إلى اليوم وقد جعلت من الباستا أحد أهمّ المأكولات الأمريكية والعالمية على الإطلاق.
أمّا في أوروبا، فقد ساهمت آثار الحرب العالمية الثانية منتصف القرن العشرين بدفع مئات آلاف المهاجرين الإيطاليين نحو مختلف بلاد أوروبا الغربية، حيث اشتغل أغلبهم في مطاعم إيطالية تقدّم المعجّنات المستوردة أساساً من المصانع الإيطالية.