بغداد-“القدس العربي”: تخوض الحكومة العراقية معركة شرسة على جبهتين لتجنب الآثار السلبية لأي مواجهة محتملة في النزاع الأمريكي الإيراني على الساحة العراقية، الأولى عبر إعلان التمسك بالحياد ومحاولة التوسط بين الخصمين لنزع فتيل المواجهة، والثانية محاولة لجم حراك الميليشيات والفصائل المعادية للولايات المتحدة والموالية لإيران.
ومع قناعة الكثيرين بأن الحكومة العراقية غير مؤهلة للعب دور الوساطة في النزاع الأمريكي الإيراني، بسبب طبيعة تكوينها والقوى الفاعلة فيها وعلاقاتها المميزة بأحد طرفي النزاع، فقد كشف رئيس مجلس الوزراء عادل عبد المهدي، عزمه إرسال وفود إلى طهران وواشنطن، ضمن محاولة نزع فتيل الأزمة بين الجانبين، مشددا على أن “مسؤوليتنا الدفاع عن العراق وشعبه لتأمينه خطر الحرب”. كما أكد من الكويت ان “الوضع حساس وخطير ونخشى من انزلاق المنطقة إلى حرب مدمرة وعلينا التعاون وتشجيع جهود الاستقرار ونزع فتيل الحرب”.
ودخل الرئيس العراقي برهم صالح، على خط المساعي الحكومية، من أجل توحيد موقف القوى السياسية العراقية إزاء الأزمة، عبر عقد سلسلة اجتماعات مع قادة الكتل والزعامات العراقية الرئيسية فضلاً عن رئيسي الوزراء والبرلمان، للبحث في كيفية الخروج بموقف موحد حيال الأزمة الأمريكية الإيرانية، دون الافصاح عن كيفية تحقيق ذلك مع وجود قوى سياسية وفصائل مسلحة تجاهر بالدخول في مواجهة مع أمريكا عند بدء النزاع مع إيران. ولعل ذلك الموقف هو الذي دفع صالح لاستقبال السفير الإيراني لدى العراق (القيادي في الحرس الثوري) إيرج مسجدي، وسط توقعات المراقبين بعلاقة اللقاء بمحاولات لجم حراك بعض الفصائل الموالية لطهران ضد المصالح الأمريكية في العراق لمنع احراج حكومته.
ووسط هذا الحراك أبت فصائل مسلحة موالية لطهران، إلا ان ترسل رسائل بانها غير معنية بمحاولات الحكومة الوقوف على الحياد وأنها تقف معها على طول الخط، وتصر على مهاجمة المصالح الأمريكية في العراق، محبطة مساعي الحكومة للوقوف على الحياد. وجاءت الرسالة عبر هجمات صاروخية جديدة قرب السفارة الأمريكية في المنطقة الخضراء في العاصمة العراقية.
وكما حصل مع جميع عمليات القصف السابقة على المنطقة الخضراء والقواعد العسكرية التي تتواجد فيها قوات أمريكية، فقد تميز الموقف الرسمي بالتمييع والضبابية وعدم وضع النقاط على الحروف في تحديد الجهة المنفذة للهجمات رغم أنها معروفة للجميع. إلا أن المراقبين تابعوا بقلق تحذير المتحدث باسم الخارجية الأمريكية أن “مثل هذه الهجمات سوف لن يتم التساهل معها وسيتم الرد عليها بأسلوب حاسم، وأن الولايات المتحدة ستحمّل إيران المسؤولية عن أي هجوم مماثل ينفّذ من قبل وكلائها من ميليشيات مسلحة”.
ويبدو ان التداعيات المتوقعة للنزاع الأمريكي الإيراني كانت مناسبة لخلق المزيد من الانشقاقات في المعسكر الشيعي وتباين المواقف في التعامل مع الأزمة، بين دعوة البعض للوقوف على الحياد وبذل الجهود لنزع فتيل المواجهة العسكرية لأن العراق سيكون أكثر المتضررين، وبين قوى تواصل تهديد الولايات المتحدة بشن الحرب عليها بمجرد بدء المواجهة.
وكان أبرز المعارضين لتوريط العراق بالنزاع الأمريكي الإيراني، هو زعيم التيار الصدري، مقتدى الصدر، الذي أعلن أنه لا يريد الحرب على إيران، ولكنه ليس مع أي طرف يزج بالعراق في الحرب وجعله ساحة للصراع الإيراني الأمريكي، مشددا على أنه إذا لم يقف العراق وقفة واحدة وجادة، فستكون تلك الحرب نهاية العراق لو دارت رحاها. بل أنه شدد على “أن أي طرف يزج بالعراق في الحرب، ويجعله ساحة للمعركة سيكون عدوا للشعب العراقي”. وأيد هذه الدعوة رئيس تحالف الفتح هادي العامري عندما أكد “ان الحرب إذا اشتعلت فسوف تحرق الجميع، ولذا فأن كل من يحاول اشعال فتيل الحرب انطلاقا من العراق يعتبر أما جاهلا أو مدسوسا”.
وفي المقابل، واصل قادة شيعة آخرون، توجيه التهديدات إلى الولايات المتحدة وحلفائها، ومنهم القيادي في الحشد الشعبي والمقرب من طهران معين الكاظمي، الذي أعلن أن “كلام السفير الأمريكي الجديد في بغداد ماثيو تيولر غير صحيح، فالعراق لن يكون حطب الحرب بين أمريكا وإيران” مهددا في تصريح صحافي ان “دول الخليج التي تدعم وتؤيد الولايات المتحدة الأمريكية، وكذلك الآبار النفطية والقواعد الأمريكية المنتشرة في دول الخليج، هي التي ستكون حطب الحرب” وليؤكد بهذا التصريح ما أعلنه قائد ائتلاف الوطنية اياد علاوي بان إيران سلمت الميليشيات الشيعية صواريخ موجهة إلى دول الخليج العربي.
ويؤكد قادة شيعة وآخرون ان مشكلة حكومة عادل عبد المهدي، ليست في وجود 30 فصيلا مسلحا متعدد الولاءات ضمن الحشد الشعبي فقط، بل في بعض الفصائل المسلحة الأخرى التي ترفض الانصياع للحكومة وتستقوي بولائها العلني للحرس الثوري الإيراني.
فهذا صلاح العبيدي، المتحدث باسم رجل الدين مقتدى الصدر، يقول: “لسوء الحظ لدينا مجاميع تريد أن تكون إيرانية التوجه أكثر من إيران نفسها، لدينا قلق من احتمالية عدم قدرة الحكومة في السيطرة على المجاميع الموالية لإيران، وهذه ستشكل مشكلة كبيرة في العراق” مشيراً إلى أنه “يتطلب من الحكومة أن تتخذ موقفاً أكثر صرامة ضد تلك المجاميع، ولكن الحكومة لم تفعل هذا الشيء” حسب قوله.
وفي كل الأحوال فإن الصواريخ التي استهدفت المنطقة الخضراء وهي لم تكن الأولى ولن تكون الأخيرة، أحرجت مصداقية الحكومة العراقية في حماية البعثات الأجنبية والعربية المتواجدة في العراق، وأكدت ان الحكومة العراقية الحالية في ظل الضغوط المحلية والإقليمية التي تهددها دائما بالاقالة أو خلق المشاكل لها، ومع استمرار صراع مصالح الأحزاب والقوى السياسية، غير قادرة بالتأكيد على لجم جماح بعض الفصائل المنفلتة الموالية لإيران والتي ستحبط كل مساعي الحكومة للوقوف على الحياد أو لعب أي دور وساطة في الصراع الأمريكي الإيراني، سواء وافق الطرفان أم لا.