الدوحة ـ”القدس العربي”:تشهد الساحة اليمنية تصعيداً خطيراً ومواجهات حاسمة، مع اشتداد المعارك بين طرفي الصراع، التحالف العربي الذي تقوده السعودية ومعها الإمارات من جهة، والحوثيين من جهة أخرى، يَغرقُ معها البلد في مستنقع حرب غير معلنة بين القوى الإقليمية.
تحولت الأزمة التي تدخل عامها الخامس، مؤشر ضبط، ووحدة قياس لردود الفعل، وامكانيات الأطراف المتصارعة لدك حصون الخصم، استعداداً لأي مواجهة قد تندلع بين الولايات المتحدة ومن معها، وإيران وأذرعها.
وتصنف ردود فعل الحوثيين مؤخراً، ضد الأهداف السعودية والإماراتية بشكل متناسق مع الهجمات التي تستهدف مناطق يمنية، ضمن هذا السياق الإقليمي والدولي، الذي ينذر بمزيد من التوتر.
وتتوالى العمليات الحوثية وتستبيح الأجواء السعودية لأكثر من مرة في فترة وجيزة، وهي تنقل التهديد إلى عمق دول التحالف، التي تشن على اليمن حرباً قلبت وهي تدخل عامها الخامس، كافة الموازين في المنطقة.
وحملت تصريحات القيادي وعضو المجلس السياسي الأعلى لجماعة الحوثي محمد البخيتي حول العمليات الأخيرة التي استهدفت السعودية، تهديداً مبطناً لجارة بلاده.
واستطرد حول الموضوع بالتأكيد على تأهب حركته لاستهداف أكثر من ثلاثمئة هدف في العمق السعودي والإماراتي خلال الأيام المقبلة، للدفاع عما اعتبره حياة اليمنيين وإجبار التحالف على إيقاف الحرب.
القيادي الحوثي لم يصرح ما إن كانت تلك العمليات تدخل في سياق الحرب والمواجهة الوشيكة للولايات المتحدة وحلفائها مع إيران، ولم ينف علناً تزويد طهران حركته بالأسلحة والمعدات.
واعتبر البخيتي رداً على اتهامات ناطق التحالف السعودي الإماراتي بتزويد إيران للحوثيين بهذه الطائرات، أن “السؤال ليس من أين جاءت تلك الصواريخ أو الطائرات، وإنما هل نستخدم تلك الأسلحة للعدوان على السعودية أو الإمارات أم في سياق حق الدفاع عن النفس؟”.
وتابع “نحن لا نسأل السعودية أو الإمارات من أين أتت بأسلحتها، وإنما نقول لماذا تستخدم تلك الأسلحة للعدوان على اليمن وقتل الشعب اليمني وفرض حصار جائر عليه تسبب في مقتل مئات الآلاف من اليمنيين”.
قوة الحوثيين التي غيرت من معادلة الحرب وأربكت تحديداً السعودية، ودفعت الولايات المتحدة للتريث قليلاً قبل تنفيذ خططها لضرب طهران، جاءت مخالفة لإعلان التحالف عن تدمير نحو 80 في المئة من قدراتهم الصاروخية مع بدء عملية “عاصفة الحزم”.
وبالرغم من تلك التقارير، استمرت الصواريخ البالستية تعبر الحدود السعودية، وتصل حد عاصمتها الرياض، وتستهدف منشآتها الحيوية، مما شكل مفاجأة للمراقبين الذين تساءلوا عن مصدر هذه القوة العسكرية.
لكن المتابع للشأن اليمني لن يتفاجأ كثيراً إذا استعاد تفاصيل الخطاب المتلفز لزعيم الجماعة عبد المالك الحوثي يوم 25 آذار/مارس 2018، بمناسبة الذكرى الثالثة لتدخل التحالف العربي. وأعلن القيادي الذي تحاربه السعودية والإمارات، “قادمون في العام الرابع بمنظوماتنا الصاروخية التي تخترق كل وسائل الحماية للعدو وبطائراتنا المسيرة التي تصل إلى مدى بعيد وبتفعيل غير مسبوق لمؤسساتنا العسكرية”.
ولحظة التصريح، وبالتزامن، أُطلقت صواريخ بالستية على أهداف بينها مطار الملك خالد الدولي في الرياض، وقاعدة جازان جنوب المملكة، ومطار أبها الإقليمي في عسير، بالإضافة إلى قصف أهداف أخرى داخل العمق السعودي.
هذه العمليات نقلت الصراع نحو مستويات أخرى وأعمق، حاملة في الوقت نفسه رسائل لواشنطن أن جماعة الحوثي، التي يصفها البعض بأنها باتت وكيلة إيران في اليمن، يمكنها أن تقلب الموازين، في أي حرب أو مواجهة في المنطقة.
وبالمقابل تستغل السعودية مكانتها في العالم الإسلامي لتسويق خطابها شعبياً، باعتبار أنها تقود حرباً مقدسة لحماية أراضي الحرمين.
ومؤخراً أعلنت الرياض استهداف صواريخ مكة، والحرم الشريف، أطلقها الحوثيون في خطوة لتجييش مشاعر المسلمين، لكن الحركة نفت استهداف مكة.
الإمارات في مرمى الحوثيين
وتزامناً مع استهداف طائرات الحوثيين المسيَّرة أهدافا سعودية حيوية (منشآت نفط ومخازن أسلحة ومطارات) بطائرات مسيرة، بثت قنواتهم الموالية فيديوهات وثقّوا فيها ما اعتبروا أنها عملية استهدفت مطار أبو ظبي الذي نفت سلطاته قبل سنة الحادثة.
وبث تلفزيون “المسيرة”، التابع لجماعة “أنصار الله” الحوثية اليمنية، مقطع فيديو قال إنه لعملية استهداف مطار أبو ظبي الإماراتي بطائرة مسيَّرة، قبل سنة تقريباً، أي في تموز/يوليو 2018. وكانت الإمارات قد اعتبرته وقتها مجرد حادث، ونفت تعرضها لأي هجوم، ولم يكن هناك دليل يوثق العملية.
وأظهر فيديو القناة الحوثية، استهداف منشآت في مطار أبو ظبي بطائرة مسيَّرة من طراز “صماد 3”.
ونقلت وسائل إعلام محلية عن ناطق باسم “الحوثي” (لم تسمّه)، أن “الطائرة المسيَّرة قطعت مسافة 1500 كيلومتر قبل وصولها إلى مطار أبو ظبي”.
وأضاف الناطق أن “المرحلة المقبلة ستكون مرحلة استهداف البنى التحتية لدول العُدوان” في إشارة إلى السعودية والإمارات اللتين تشاركان في التحالف العربي في اليمن.
وكان مسؤول إماراتي قد نفى وقتها استهداف مطار أبو ظبي من قبل المسلحين الحوثيين المتحالفين مع إيران في اليمن.
وتزامناً مع إعلان الحوثيين استهداف مطار أبو ظبي أصدرت السلطات بلاغاً، أكدت فيه وقوع حادثة بمطار أبو ظبي الدولي، سببها انقلاب مركبة لنقل الإمدادات بساحة المطار.
تهديد الملاحة البحرية عقدة أبو ظبي
المخاوف الإماراتية من رد الفعل الحوثي لا تتعلق بأمنها القومي واستباحة حدودها فحسب، بل تتعاظم أيضا من مغبة تعرض سفنها وخطوط الملاحة في بحري العرب والأحمر للهجوم.
ونقل الحوثيون عبر وسطاء رسائل مبطنة تحمل تهديداً مباشرا بقطع طرق الملاحة في البحر الأحمر إذا استمر تصعيد التحالف العربي باتجاه حصار مدينة الحديدة، التي تمثل المرفأ الحيوي الأساسي لليمن ولا تزال تحت سيطرة الحوثيين.
ومخاوف أبو ظبي في هذا الصدد نابعة من صعوبة مواجهة التهديد لتجاوز طول السواحل اليمنية 1900 كلم وتطل معظمها على بحر العرب (السواحل الجنوبية)، أما السواحل الغربية التي يقارب طولها 600 كلم فهي تمتد من خليج عدن وتتجه شمالاً لتطل على البحر الأحمر. ويشكل مضيق باب المندب بوابة هذا البحر، وهو من جانب اليمن حيث “ذباب” و”المخا” ثم “الحديدة” التي يسيطر عليها الحوثيون.
وتدرك الإمارات أهمية المضيق الذي يبلغ عرضه 25 كلم، وتعبره يومياً مئات السفن التجارية على اختلاف أحجامها. ويعتبر البحر الأحمر – وبالتالي باب المندب – شرياناً حيوياً للملاحة الدولية؛ فعلى شاطئه الشرقي تقع مرافئ اليمن وأهمها الحديدة، وشواطئ السعودية وأهمها جدّة، وصولاً إلى ميناء العقبة الرئة البحرية الوحيدة للأردن، وهي كلها قد تكون يوماً هدفاً للزوارق السريعة للحوثيين أو نقطة هجوم طائراتهم المسيّرة.
وتستعيد أبو ظبي حادثة استهداف سفن وبوارج سعودية وإماراتية في البحر الأحمر؛ إذ أكد بيان للحوثيين صدر في تموز/يوليو 2017 استهدافهم حينها ميناء “المخا” بقارب مسيّر (زورق بدون رُبّان) محمل بالمتفجرات، اصطدم بالرصيف وأصاب إحدى السفن الراسية عنده.
وقد اعترفت “قوات التحالف” بوجود زوارق حربية للحوثيين تجوب البحر الأحمر؛ كما أعلنت هذه القوات في تشرين الثاني/نوفمبر 2017 إحباط “عملية عسكرية” وشيكة كانت تستهدف سفنها في تلك المنطقة.
الدور الأمريكي
يدرك المتابعون للشأن اليمني عمق الأزمة التي تنتقل من بعدها المحلي والإقليمي، إلى ساحة الصراع الدولي، تزامنا مع قرع طبول الحرب في المنطقة.
وكان جلياً أن استهداف طائرات الدرونز الحوثية للمجال الحيوي السعودي في عمقها الاستراتيجي، كان رسالة واضحة موجهة لواشنطن وحلفائها في المنطقة أن إيران وأذرعها الممتدة في المنطقة يمكنها الرد في أي وقت على أي هجوم أمريكي على طهران.
وانقسمت الآراء في واشنطن حيال الخيارات المعتمدة بين الداعين لتهدئة للأوضاع بتأكيدهم أن أي مواجهة لن تكون خالية من خسائر فادحة تتحملها كافة الأطراف.
وفي الطرف المقابل يقف صقور المؤسسات المتحمسين لتوجيه ضربة لإيران ولا يهمهم ما إن كانت سريعة ومحدودة أم حرب طويلة الأمد تجتث النظام من أسسه.
وفي هذا السياق يصب اعتراض “معهد واشنطن” على الدعوات المتكررة للسياسيين الأمريكيين بوقف دعم البيت الأبيض للمجهود الحربي السعودي في اليمن، معتبراً ذاك الخيار “هو الأقل فاعلية لوقف القتال”.
واعتبر أن الخيار وما يشكله من مضاعفات على المصالح الأمريكية؛ يكمن في كون الانسحاب السعودي من اليمن (إن تم) سيشجع الحوثيين وداعميهم الإيرانيين على عدم التكيف مع وقف إطلاق النار “وتحقيق إنجاز عسكري”.
ويتوقع أن تكون اليمن نقطة ارتكاز أساسية في أي حرب أو مواجهة قد تندلع بين واشنطن وطهران، وتكون الأطراف الضالعة في أزمتها الحالية وقود الأزمة.