بيروت-“القدس العربي”:لم يكن رئيس الاتحاد العمالي العام بشارة الأسمر ليظن أن “مزاحاً ساقطاً أخلاقياً” بحق البطريرك السابق للكنيسة المارونية مار نصر الله بطرس صفير، بعد أيام على وفاته، سيقلب حياته ويقضي على مستقبله. قال الأسمر ما قاله وهو جالس على منصّة محاطاً بأعضاء “هيئة مكتب الاتحاد” يتحضّر لعقد مؤتمر صحافي. ظن أن الكاميرات لم تبدأ بالتسجيل، فإذا به يقع ضحية ما جناه لسانه. ولم يعد بإمكانه سحب ما تفوّه به بعدما تمّ تسريب التسجيل الذي انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي كالنار في الهشيم، واستفز الكثير من اللبنانيين وخصوصاً المسيحيين. تعدى الأمر الاستنكار إلى المطالبة بتوقيفه ومحاكمته نظراً إلى تطاوله على رمز ديني يراه طيف واسع من اللبنانيين رجلاً بحجم وطن، أيقونة، ويستحق بأن يكون مجد لبنان أعطي له. فهو البطريرك الذي لُقب ببطريرك الاستقلال الثاني وصانعه، الرجل الذي لم يخضع للضغوط في زمن الوصاية السورية والذي لم يقبل بأن يُرافق البابا يوحنا بولس الثاني إلى سوريا يوم زارها، ورأس الكنيسة التي وضع بيان مطارنتها عام 2000 بعد انسحاب الجيش الإسرائيلي من لبنان، المداميك الأولى لمسيرة إنهاء “أسطورة” الوجود السوري في لبنان.
“سقطة” الأسمر باستهزائه من مأتم البطريرك الذي رُفع إلى مستوى القداسة، كانت مدوّية. ولم يشفع له اعتذاره عن كلام لم يقصد قوله علانية. استقال من موقعه كرئيس للحركة العمالية في لبنان. كانت الاستقالة طبيعية بعدما فقد الرجل الثقة به كممثل لحقوق الشريحة الكبرى في البلاد وسط “شدّ حبال” قوي تشهده الساحة الداخلية على خلفية مشروع قانون الموازنة العامة للعام 2019، الذي يحمل في طيّاته إجراءات تقشفية وضرائب ومشاريع اقتطاع من الرواتب والتقديمات للموظفين في القطاع العام سبيلاً لتخفيض العجز في موازنة الدولة التي تزيد مديونيتها على 86 مليار دولار أمريكي.
على أن الأمر لم يقف عند حد “العقاب” الذي ناله جراء محاكمة الرأي العام له، والذي هو أفعل وأمضى أنواع العقاب، بل اتخذت الأمور منحى آخر بات يطرح أسئلة مشروعة عن مرامي الإيغال في مسار قضائي تسود القناعة لدى كثير من الحقوقيين أنه غبّ الطلب السياسي.
لا شك أن اللبنانيين شكروا ربهم أن لا طابع طائفياً أو مذهبياً للحادثة، ولم تُشعل فتيل أزمة من هذا النوع في بلد ينخره التعصّب والطائفية والمذهبية حتى العظم. فذاكرة اللبنانيين لا تزال حيّة كيف أن البلاد كادت تشتعل بفعل “اسكتش” في برنامج كوميدي تناول الأمين العام لـ “حزب الله” السيّد حسن نصر الله، وتكرر المشهد حين ذهب رئيس “التيار الوطني الحر” جبران باسيل – الحالم بأن يكون “بشير الجميل الثاني” في عيون المسيحيين – إلى وصف رئيس مجلس النواب زعيم حركة “أمل” الشيعية بـ “البلطجي”.
الأسمر ينتمي إلى طائفة البطريرك الذي أُهينت ذكراه، والذي لو كان على قيد الحياة لكان صفح عن الرجل الذي أساء إليه. وهو سابقاً تعرّض للإساءة على يد أبناء رعيته الذين كانوا يؤيدون الجنرال ميشال عون في زمن الحرب التي وصلت نيرانها إلى داخل “البيت المسيحي”. يومها ترفّع البطريرك وبارك بصفحِهِ عن الشباب المندفعين الذين اقتحموا الصرح البطريركي وأخذوا يدفعون بالبطريرك إلى تقبيل صورة الجنرال.
سلمت البلاد من اشتعال طائفي هذه المرّة، لكنها لم تسلم من الاستغلال السياسي ومن الإمعان في توظيف القضاء خدمة للسياسة، ومن التأسيس لمواجهة لن تقتصر على تداعيات طائفية إنما ستعزز مسار الانحدار إلى تضييق الخناق على الحريات العامة عموماً.
كان تحرّك النيابة العامة التمييزية طبيعياً للاستماع إلى الأسمر وتبيان حيثيات كلامه وظروفه في ضوء السخط الكبير الذي حصل شعبياً، حتى أن توقيفه الاحتياطي يبقى مفهوماً في السياق العام، غير أنه مع الادعاء عليه بـ “تحقير الشعائر الدينية وازدرائها” وإصدار مذكرة وجاهية بتوقيفه، باتت الأمور تسلك مساراً آخر. في الجانب القانوني والحقوقي، ثمّة جدل حول ما إذا كان ما قاله الأسمر تنطبق عليه شروط المواد الجرمية بتحقير الشعائر الدينية وبالقدح والذم أم لا، كونه لم يتقصّد قول “نكاته” في العلن، ولا كان يتعمّد التحقير رغم “حقارة ما قاله”؟
ليس الهدف الدخول في جدل قانوني، لكن المُقلق هو في كيفية التعاطي مع الحادثة المدانة. من طريقة المداهمات لمنزله ولمقر الاتحاد بحثاً عنه وكأنه مجرم خطير متوارٍ عن الأنظار، إلى سوقه مكبلاً إلى قاضي التحقيق، إلى تباهي وزير الاقتصاد منصور بطيش بأنه فسخ عقد العمل معه في إهراءات القمح في المرفأ، إلى تصريح رئيس “التيار الوطني الحر” وزير الخارجية من أمام الصرح البطريركي بأنه يأمل بأن يكون الأسمر عِبرة لغيره.
ليس هناك من نقاش بأن رئيس “الاتحاد العمالي العام” يُفترض به أن يكون شخصاً منزهاً خلوقاً وساهراً على مصالح الحركة العمالية وهو الحائز على ثقتهم والقادر، من خلال ثقل موقعه، على التعامل مع السلطة بندية. هذه الصفات إذا سلمنا جدلاً أنها كانت تنطبق على الأسمر قبل “زلة لسانه”، فلم تعد كذلك بعدها. لكن الأمر كان لا بد من أن ينتهي عند حدود الاستقالة من منصبه، وهو ما شكّل مطلباً منطقياً لكثير من القوى السياسية التي وجدت نفسها مُحرجة إزاء “سقطة” الأسمر.
لكن ما يتكشّف يوماً بعد يوم أن المغالاة في هذا الملف، ولا سيما من قبل “التيار الوطني الحر”، لا تنطلق من حرصه على مقام البطريرك صفير الذي تعرّض على يد أنصار “العونيين” ذات يوم إلى ما هو أفظع، بل من الرغبة الجامحة في تعزيز سيطرة “التيار العوني” على مختلف مفاصل الحياة السياسية والنقابية في البلاد في الحصة المسيحية، من منطلق “تصحيح الشراكة والتمثيل”، وهو الشعار الذي يرفعه على الدوام، والذي يَعتبر أنه لا يستقيم إلا إذا كان كل موقع مسيحي يعود إلى تياره ويدين بالولاء إليه، فيما المسيحيون الآخرون مشكوك بمسيحيتهم. هي عقدة قديمة لدى المسيحيين نشأت مع الوجود السوري الذي عمل على ضرب الأحزاب والقوى المسيحية المعارضة له، مقابل خلق طبقة سياسية طيّعة في يد النظام السوري.
في المستقبل القريب أو البعيد، ستنتقل المعركة إلى قلب النقابات العمالية، التي تحتاج إلى عملية واسعة من التصحيح والتنقيح والتخلص من الانتفاخ المفتعل الذي حصل منذ سيطرة حلفاء سوريا على وزارة العمل بغية الإمساك بالحركة النقابية وتحريكها في الشارع عندما تقتضي الضرورة ذلك، وهو المنحى المستمر راهناً، إذ أن البلاد، رغم مرور 14 سنة على الخروج السوري من لبنان، لا تزال ترزح تحت هذه التركة. لكن المعركة لن تكون لإحداث تغيير نوعي لتعزيز العمل النقابي ورفع مستوى التمثيل ونوعيته، بل بهدف الاستفادة من “الضربة” التي تلقاها رئيس الاتحاد – المحسوب إلى حد كبير على الرئيس نبيه بري – لقلب الطاولة في “حاكورة النقابات” والمطالبة بأن يكون التمثيل المسيحي صحيحاً بمفهوم باسيل.
من حق “التيار الوطني الحر” وغيره أن يعزز موقعه في الدولة والنقابات والجمعيات والمناطق. هذا لا جدال به ما دام يتم تحت سقف القانون ومن دون استغلال السلطة والنفوذ. غير أن ما جرى ويجري يدل على أن حادثة الأسمر لم تكن سوى “فرصة ذهبية” يمكن الإفادة منها للدخول بقوة إلى الاتحاد العمالي العام، الذي يُعطي من يُمسك به القوة على تحريك الشارع بلبوس المطالب والحقوق، بمعزل عن الحقيقة المرّة بأن ليس هناك من وجود لمعارضة في لبنان بعدما أفضت الحكومات التوافقية إلى وجود مختلف القوى في السلطة. فهي الموالاة والمعارضة بحسب العنوان المطروح والمصلحة الذاتية أو المذهبية أو الطائفية أو السياسية.
المقلق بالنسبة إلى كثير من النُخب والنشطاء، هو أن نموذج التعاطي مع قضية الأسمر يُشكّل سابقة خطيرة تُستغل ليس فقط لتحسين النفوذ السياسي لهذا الفريق أو ذاك بل لتعميم ثقافة كمّ الأفواه ترهيباً، وضرب الحريات تحت وطأة الملاحقة القانونية والتوقيف والزج في السجون. وهي تفتح الباب أمام تكرار هذا “السيناريو” وفق المواءمة السياسية لكل من الأفرقاء السياسيين.
خفتت الأصوات في قضية الأسمر لأن الحَرَج كان سيّد الموقف، إلا أن عدم رسم خط فاصل بين حق التعبير كجزء من الحريات العامة وتجاوز هذا الخط الذي يُحاسب عليه القانون، سيؤدي في المستقبل إلى تعقيد المشهد في حادثة أخرى وإلى تقييد القدرة دفاعاً عن الحريات وصوناً لها.
فلبنان، ومنذ التسوية الرئاسية التي أتت بالجنرال عون رئيساً للجمهورية، يعيش حالة رمادية في ما خصّ سِمَته الرئيسية المتمثلة بكونه بلد الحريات. الصدور تضيق، وأعداد الدعاوى التي رفعها باسيل نفسه لا تُعد ولا تُحصى ضد ناشطين أو إعلاميين كتبوا “تغريدة” من هنا أو “بوستاً” من هناك على مواقع التواصل الاجتماعي، أو ردّوا على استفزاز كلامي قاله في مناسبة معينة، حتى أن التوقيفات التي جرت لكثير من الناشطين على خلفيات مماثلة باتت تؤشر إلى سلوك قمعي آخذ في التنامي، وسط عجز جليّ عن مواجهته نتيجة الانقسامات السياسية التي تطفو على السطح عند كل استحقاق. هذا عدا عن سياسة “الصيف والشتاء تحت سقف واحد” في ظل المحميات السياسية وتجيير القضاء في خدمة السياسيين ومصالحهم وأهوائهم وطموحاتهم.
في الأمس رفع رئيس الجامعة اللبنانية دعوى على إعلامية لأنها سألت سؤالاً في مقابلة إذاعية. حين تصل الأمور إلى هذا الدرك، فإن هذا يعني أن الآتي أعظم في بلد الأرز الذي كان يوماً من الأيام منارة الشرق قبل أن تسوده العتمة.