قبيل قدوم الألفية الثالثة أخذ الكثير من المنجمين والقساوسة يعلنون عن نهاية العالم، أو هبوط الشيطان على الأرض حتى يفرض هيمنته عليها مع مستهل تلك الحقبة الجديدة. وبالتأكيد، يجب ألا ننسي في ذلك الشأن نبوءات المنجم والصيدلاني الفرنسي الشهيرميشيل دي نوستردام المشهور باسم نوستراداموس، عن نهاية عام 1999، أي عن الألفية الثالثة، علما بأن نبوءاته قد تحققت جميعها تقريبا. فقد تنبأ نوستراداموس أنه مع مستهل عام 1999 سوف يهبط ملك رعب عظيم من السماء. وكالعادة، لم يصدق سكان العالم أيا من هذه النبوءات؛ حيث وجد نفسه لا يرفل إلا في حقبة جديدة تتوجها مختلف ألوان التقنيات الحديثة المتسارعة الخطى، ما أغدق على جميع سكان كوكب الأرض المزيد من الرفاهية، والتي كانت بوابتها الثورة التكنولوجية.
لكن في ما يبدو أن هذه التكنولوجيا ما هي إلا سلاح وعدو خفي؛ فعندما فتح العالم عينيه، وجد أن الرفاهية التكنولوجية ما هي إلا كابوس كبير، جعل الإنسان ينزلق في المزيد من القيود التي يفرضها عالمنا المادي، التي منشأها كان تيارا ساد بداية من حقبة ستينيات القرن الماضي، بين العديد من الشعوب التي تميزت بتفاؤل بلا حدود. ومن تلك الشعوب كانت دول أمريكا اللاتينية. فقبيل الأزمة، كانت دول أمريكا اللاتينية، ولاسيما البرازيل والأرجنتين والمكسيك، من الدول التي أصبحت على أعتاب نهضة عملاقة. فقد تميز اقتصاد تلك الدول بالقوة، ومحاولة الوصول لأفضل مستويات التقدم في أسرع وقت. ومن ثم، أخذت دول أمريكا اللاتينية في إعادة هيكلة نظم الدولة، والاتجاه نحو برامج التصنيع، وإعادة إنشاء برامج البنية التحتية دفعة واحدة. ولتسريع وتيرة التقدم، وكذلك لتعزيز الاستقرار الاقتصادي، وأيضا لتقليل معدلات الفقر، ما كان من دول أمريكا اللاتينية إلا الاقتراض، مع اليقين بالسداد؛ لوجود فائض اقتصادي سنوي يضمن تغطية تلك القروض على أفضل وجه.
ومن ثم، عندما همت الدول السالفة الذكر بفتح بوابة الاقتراض، وجدت ترحابا شديدا من قبل الدائنين الدوليين. فمثلا، اقترضت المكسيك مقابل عائدات النفط المستقبلية دينا قيمته بالدولار الأمريكي، لكن بعد عام 1973 انهار سعر النفط، وانهار معه الاقتصاد المكسيكي.
وللمزيد من سوء الحظ، ضربت العالم أزمة اقتصادية في ثمانينيات القرن الماضي، ما جعل الدول المُدينة ترفع من معدلات فائدة قروضها عدة مرات، فوجدت دول أمريكا اللاتينية نفسها غارقة في وابل من الديون، يفوق مئات المرات قيمة الدين الأصلي، وبالتأكيد، هي عاجزة عن السداد. وما زاد الوضع سوءا، توقف الدول والبنوك المقرضة عن إمداد دول أمريكا اللاتينية بالمزيد من القروض، ما أدى إلى توقف تدفق الموارد المالية التي كانت متاحة مسبقا في السنوات القليلة الماضية، وكان يتم استغلالها في الابتكارات والتحسينات. فأفضى ذلك إلى عدم جدوى تنفيذ العديد من المشروعات التي كانت بالفعل نصف جاهزة. وبدون شك، ساهم ذلك الوضع في تفاقم مشاكل البنية التحتية في البلدان المتضررة.
ووصلت ذروة الأزمة عام 1982؛ حينما انخفضت معدلات الصادرات والواردات، وألقى الركود الاقتصادي ظلاله على جميع مناحي الحياة، وارتفعت البطالة لأعلى معدلاتها. ومما زاد الوضع سوءا، أن التضخم عمل على تقليص القوة الشرائية للطبقات الوسطى. وبالتأكيد، كان البديل السريع لتوفير النقود هو لجوء الكثير من أبناء الدول المتضررة للأعمال غير المشروعة، مثل احتراف أعمال الدعارة، وتجارة المخدرات، والانضمام للعصابات الدولية. فأفضى ذلك إلى تراكم أموال غير مشروعة المصدر لدى الأفراد، كان من الصعب جدا الاحتفاظ بها في البنوك التي تدقق في تقفي أصولها، وكذلك صار من الصعب الاحتفاظ بها في شكل أموال سائلة يحتفظ بها الأفراد في حوزتهم للتدهور المتوالي المتسارع لقيمة العملة المحلية، وكذلك لسهولة نهبها وسلبها.
وبالمقارنة، نجد أن العديد من الأفراد في الصين كانوا يعانون من المعضلة نفسها؛ لأنهم يريدون الاحتفاظ بأموالهم بعيدا عن هيمنة الدولة، وقيودها الصارمة. وبالطبع، هناك الكثير من رجال الأعمال والعصابات في دول أخرى يعانون من المشكلة نفسها. فكان الحل هو استحدات عملة جديدة انتشرت بين مستخدمي الإنترنت، وتسمى البيتكوين Bitcoin.
ومن الامتيازات التي تختلف بها البيتكوين عن العملات التقليدية هي: سهولة التداول، وغياب سلطة مركزية. وقد تم طرح هذه العملة الغريبة لأول مرة في 9 يناير/كانون الثاني 2009 تحت فكرة تغيير النظام المالي العالمي، من خلال شخص غير معروف، أو مجموعة من الأشخاص المجهولي الهوية، الذين اتخذوا لأنفسهم اسما وهميا ألا وهو: ساتوشي ناكاموتو.
يستخدم نظام البيكتوين ما يسمى بمفتاح يستعصي على أذكى أجهزة الحاسب الآلي اختراقه؛ لأن هذا المفتاح يتكون من كودين، أحدهما خاص والآخر عام، ويتم تسجيل وعرض الكود العام على قاعدة البيانات، ويكون متاحا للجميع، بينما الكود الخاص يصبح حكرا على طرفي الصفقة.
والبتكوين هي عملة رقمية مشفرة، وإلكترونية بشكل كامل، ويتم تداولها عبر الإنترنت فقط، بدون أي وجود لها في عالمنا المادي على الإطلاق. وهي تختلف كثيرا عن العملات التقليدية؛ حيث يمكن لأي مستخدم تحميل أكوادها، كما يمكن لأي مستخدم المساهمة في تطوير الكود. وبذلك تصير أول عملة رقمية Digital Currency لامركزية – فهي نظام – أو قاعدة بيانات- يعمل بدون مستودع مركزي أو مدير واحد، أي أنها تختلف عن العملات التقليدية، بسبب غياب وجود سلطة من قبل أي هيئة تنظيمية مركزية، أو سلطة لإدارة هذه العملة. وتتم المعاملات بشبكة» الند للند» Peer-to-Peer بين المستخدمين مباشرة، بدون وسيط من خلال استخدام التشفير. ويتم التحقق من هذه المعاملات عن طريق عقد الشبكة وتسجيلها في دفتر حسابات موزع عام متواجد على أحد البرمجيات المفتوحة المصدر Open-Source Software وهو عبارة عن دفتر حسابات ضخم يسجل كامل تعداد البيتكوين الموجودة و الصفقات التي تتم، وهي متاحة لجميع الأجهزة المرتبطة بشبكة البيتكوين، من خلال قاعدة بيانات مفتوحة تسمى سلسلة الكتل Blockchain. ولا يوجد حد أقصى لاقتناء عملات البيتكوين، وتجمع هذه العملات في شكل «محفظة» Cryptocurrency Wallet، ويمكن لأي بريد إلكتروني أن يقتني محفظة، ما يعني أنه يمكن لشخص واحد أن يكون لديه أكثر من محفظة، في كل منها عدد غير مقيد من البيتكوين.
ويستخدم نظام البيكتوين ما يسمى بمفتاح عام أو كلمة سر، وهذا المفتاح يستعصي على أذكى أجهزة الحاسب الآلي اختراقه؛ لأن هذا المفتاح يتكون من كودين، أحدهما خاص والآخر عام، ويتم تسجيل وعرض الكود العام على قاعدة البيانات، ويكون متاحا للجميع، بينما الكود الخاص يصبح حكرا على طرفي الصفقة. أما عن سعر عملة البيتكوين الواحدة، فهو في تأرجح مستمر بين الصعود والهبوط؛ حيث مثلا سجلت عملة البيتكوين أعلى معدلاتها في نهاية عام 2016 حيث وصلت قيمة العملة الواحدة 900 دولار أمريكي، بعد ما كانت قيمتها في مستهل ذاك العام 435 دولارا أمريكيا فقط. ثم ارتفعت مرة أخرى في بداية عام 2017 لتصل قيمة الوحدة الواحدة منها 1000 دولار أمريكي. علما، بأن سعر عملة البيتكوين الواحدة، عندما تم طرحها لأول مرة عام 2009 كان يعادل دولارا أمريكيا واحدا فقط.
الذي يثير الدهشة في هذا الأمر أن من الصعب جدا على الفرد العادي أن يحصل على تلك العملة من تلقاء نفسه؛ حيث لابد من وجود مؤسسة للقيام بذلك لأن إنتاج العملات يتطلب استهلاك معدلات كبرى من الكهرباء، أي لابد من وجود طرف ثري لإنتاج العملات. واستخدام عملة البيتكوين رائج في دول أمريكا اللاتينية، لدرجة أنه توجود حانات تقبل التعامل بتلك العملة لشراء سلع عادية مثل قطعة بيتزا أو زجاجة جعة؛ حيث يقبل الأفراد العاديين على شراء عملات البيتكوين للحفاظ على قيمة ما يدخرونه من عملات، للانهيار المتوالي لقيمة العملة المحلية.
أما ما يثير الدهشة في هذا الشأن، هو انخراط رجال أعمال كبار ومشهورين من جميع أنحاء العالم في صفقات تتم باستخدام عملة البيتكوين، وذلك بالتأكيد ليس فقط للتهرب الضريبي، ولكن قد يكون أيضا لعقد صفقات خاصة، أو ذات أهداف غير معلنة. ومن الجدير بالذكر، أن قراصنة الكمبيوتر سطوا على أموال العديد من رجال الأعمال من خلال التهديد بتسليط فيروس الفدية Ransom على حساباتهم الشخصية. وبدون شك، تم الدفع بدون رفع أي شكوى للسلطات؛ فهذه العملة وتعاملاتها تقع خارج نطاق أي سطة مركزية. ومن الأخطار الأخرى لعملة البيتكوين هو استخدامها في الحركات المناهضة للحكومات، وتمويل العمليات الإرهابية، وتجارة السلاح. أي أن تلك العملة غير المعترف بها عالميا – إلا من قبل دولتي ألمانيا وكندا – تشكل واقعا افتراضيا بديلا من شأنه وضع نهاية للعالم الذي نحيا فيه.
والتساؤل هنا الذي يطرح نفسه هل نبوءة نوستراداموس عن هبوط ملك رعب عظيم من السماء مستهلها استحداث عملة البيتكوين؟ الوضع صار ضبابيا والعواقب غير معلومة، لكن الجلي من ذلك الوضع الشائك هو أن القهر، والظلم، والفقر تدفع شعوب العالم دفعا لتدمير واقعهم الذين لا يحظون فيه بآي مميزات، سوى الحياة تحت ضغوط تميت أرواحهم قبل أجسادهم. وعلى هذا، يسير العالم بخطى حثيثة نحو إحلال عالمنا المادي بعالم آخر افتراضي بديل: إنه عالم الوهم الذي يبشر جميع المقهورين بحرية مفقودة، ويطمئنهم على أن حريتهم الجديدة التي حصلوا عليها في عالم الأوهام الافتراضي لا يستطيع أحد مهما كان سلبها منهم؛ لأن شيفرتها في حوزتهم فقط.
٭ أكاديمية مصرية