القاهرة ـ «القدس العربي» : في وقت تنشغل فيه وزارة الثقافة بتحجيم حركة الطباعة والنشر داخل احد قطاعاتها بحجة عدم الاختصاص، تثار على جانب آخر قضية يمثل الكلام فيها حرجا لبعض الذين لم ينالوا الحظ الوافر من التكريم طوال السنوات الماضية، ويعول الآن على ما يرجى من حركة التصحيح داخل الوزارة بعد تولي دكتور جابر عصفور مسؤوليتها في الحصول على بعض حقوقهم.
ولعل إزاء الحديث عن حقوق المبدعين وواجباتهم في هذا التوقيت بالذات لا سيما حقهم في التكريم بعد مشوار طويل من العطاء والتفاني داخل الحقل الثقافي يقفز في الذاكرة كأول الأسماء المستحقة للعناية والتقدير الكاتب الروائي الكبير صبري موسى بوصفه الأولى بحكم تجربته الثرية وسنه المتقدمة ومرضه الذي أقعده منذ سنوات عن الظهور كثيرا في المشهد الإعلامي، واقترابه من دائرة النسيان لتعففه عن الإلحاح في المطالبة ببعض حقوقه وهو الروائي والقاص الكبير صاحب الذخائر الإبداعية المهمة: فساد الأمكنة وحادث النصف متر والسيد من حقل السبانخ ووجها لظهر والقميص ومشروع قتل جارة ولا أحد يعلم. وحكايات صبري موسى ،وكلها تنويعات ما بين الرواية والقصة القصيرة يضاف إليها ما كتبه في آداب الرحلات «في الصحراء» عام 1964 وفي البحيرات عام 65 وغذاء مع آلهة اليد عام 1972، بالإضافة إلي إبداعه السينمائي ككاتب سيناريو لعدد من الأفلام المأخوذة عن روايات مثل فيلم «البوسطجي» وقنديل أم هاشم ليحيى حقي والشيماء لعلي أحمد باكثير وحبيب أصغر مني لإحسان عبد القدوس والأسوار لبعد الرحمن الربيعي.
هذه الدرر الأدبية تجعله خليقا وجديرا بالتكريم وحاضرا في ذاكرة القراء والمسؤولين لا منفيا خارج الضوء بعد أن كان في بؤرتها وقت حصوله على الجائزتين التشجيعية والتقديرية ووسام الجمهورية للعلوم والفنون والميدالية الذهبية لجائزة بجاسوس الأمريكية في فترات زهوه وعنفوانه الأدبي وحضوره الطاغي في الاحتفاليات والمناسبات الدولية والعالمية .
صبري موسى نموذج لأديب كبير ومهم تجاوزته الاهتمامات الثقافية في المؤسسات الرسمية وغير الرسمية لا نسوقه منفردا، وإنما له في النسيان نظراء آخرون هم أيضا من أهل الاستحقاق وأصحاب العطاءات الكثيرة في مجالات الإبداع والخلق، فهناك على سبيل المثال وليس الحصر الكاتب والأديب عبد الوهاب الأسواني صاحب روايات «النمل الأبيض وصحراء العبابدة وزيارة شلاتين وسلمى الأسوانية واللسان المر وهبت العاصفة وكرم العنب وأخبار الدراويش وشال من القطيفة الحمراء ووجهان للقمر وغيرها من الأعمال الكبرى ذات المضامين الإنسانية التي يدرس بعضها في الجامعات المصرية، فرواية سلمى الأسوانية مقررة على طلبة كلية آداب جامعة جنوب الوادي كنموذج فارق للأدب الجنوبي المعاصر، وكذلك أيضا رواية أخبار الدراويش تم تخصيصها للدراسة في كلية آداب بجامعة المنيا وهو أمر يدلنا على عمق التجربة الإبداعية لدى كاتب بهذا الحجم يحتفى بإنتاجه الأدبي في الجامعات والأكاديميات بينما هو لم يحظ مثلا بالنشر في مشروع مكتبة الأسرة الأوسع انتشارا والامتياز المتحقق لغيره من قامات تساويه أو تصغره، لأنه ببساطة شديدة الأبعد عن مناطق النفوذ والحظوة طوال عقود مضت لم يشأ أن يكون خلالها قطا لأحد أو ماسح جوخ لأمير أو وزير.
البقاء في منطقة شبه الظل كان الاختيار الآمن لعبد الوهاب الأسواني وأمثاله من الأدباء الشرفاء المحققين بذاتهم وإبداعاتهم خارج الحظيرة الثقافية وقتما كان دخولها مغنمة قنع الأسواني بما أصابه من تكريم تمثل في حصوله على جائزة الدولة التقديرية، وعكف على الكتابة لاستكمال مسيرته غير مكترث بما يحدث حوله من متغيرات على الساحة الثقافية، فلعبة الكراسي الموسيقية لا تشغله كثيرا ،فهو مشغول بالضرورة بأبطال رواياته وقصصه اكثر من أي شيء آخر.
نعود مجددا للتأكيد على وجود أدباء وكتاب كبار ومرموقين يعيشون داخل العاصمة ووسط أطوائها أو يقطنون الأقاليم البعيدة عن الزخم والصخب وهم الأولى بالاهتمام والتكريم والرعاية الصحية وحقوق النشر المجاني لم نذكرهم جميعا، لكنهم معلومون لدى المعنيين بالشأن الثقافي يغضون الطرف عنهم سهوا أو قصدا.
كمال القاضي