على هامش المعارك العسكرية والهجمات الارهابية، ثمة حرب من نوع مختلف تدور رحاها بدون ان تلقى انتباها اعلاميا كافيا، رغم اهميتها الكبيرة ليس فقط على المستويين الرمزي والنفسي، بل الواقعي ايضا.
انها «حرب التسميات» المستعرة في الاشارة الى التنظيمات «المسلحة او الجهادية او الاسلامية المتشددة او المتطرفة او الارهابية»، حسبما تقرر الوسيلة الاعلامية التي تنقل الخبر، او كما يقرر التنظيم نفسه، كما حدث مع الكيان الذي اصبح يطلق على نفسه «الدولة الاسلامية»، بعد ان كان يسمي نفسه «الدولة الاسلامية في العراق والشام» او «داعش» اختصارا، وهو الاسم الذي التصق به، ومازال الاكثر استخداما في وسائل الاعلام، بل انه تحول من اسم الى صفة تحمل مزيجا من معاني التطرف والقبح والدموية.
وهذه ملامح سريعة لوقائع تلك الحرب وأهميتها:
اولا – تصر بعض وكالات الانباء الدولية ومنها «رويترز» على استخدام وصف «الجهاديين» للمنتمين الى ذلك النوع من من التنظيمات بشكل عام، وهي تسمية إما تنم عن جهل او سيئة القصد والاثر، الى جانب انها تمثل مغالطة علمية، واساءة بالغة الى معنى «الجهاد» وبالتالي الى الدين الاسلامي. والا فما علاقة قطع رأس صحافي امريكي في سورية، او خطف حوالي 2000 امرأة لانهن يزيديات، او ذبح طفلة لانها مسيحية في شمال العراق، او تفجير قنبلة في محطة قطارات او اعدام جنود عزل من السلاح بدم بارد في مصر، او قصف المدنيين عشوائيا وحرق المطار في ليبيا، الى اخره، بالمعنى الواسع والمركب والراقي لمفهوم «الجهاد» في الاسلام؟
ما علاقة هذه الجرائم التي تتراوح بين اعمال ارهابية دنيئة، وجرائم تطهير عرقي، وجرائم ضد الانسانية بـ(الجهاد الاكبر) الذي هو مغالبة النفس للابتعاد عن الهوى، حسب الحديث النبوي المعروف، او حتى «الجهاد الاصغر» الذي هو مقاتلة جنود الاعداء في ساحة الحرب ضمن قواعد محددة؟ وحيث ان هذه الوكالات تمثل مصدرا رئيسيا لاخبار اغلب وسائل الاعلام حول العالم، فلنا ان نتخيل حجم التشهير، بل والسب المباشر ضد الاسلام بسبب وصف الارهابيين بـ»المجاهدين».
ثانيا – يتنوع تعاطي وسائل الاعلام العربية مع هذه التسميات تبعا لعوامل تتعلق احيانا بالمهنية والاجندات السياسية. وللاسف فان نسبة من الصحف لا تتورع عن الانسياق وراء وكالات الانباء في مصطلحاتها بشكل عام، بما فيها «الجهاديون»، وهو ما يخدم اجندة تلك التنظيمات الارهابية الفاشية بحق، وجهودها الدؤوبة في تجنيد الشباب بشكل خاص عبر وسائل الاعلام. بينما تتعمد وسائل اعلام عربية عدم وصف اولئك بالارهابيين، وتستخدام «الدولة الاسلامية» بدلا من «داعش» كنوع من الدعم الضمني، بالنظر الى تعذر ابداء تأييد علني له لاسباب قانونية. كما تشير الى عناصر تلك التنظيمات كـ»اسلاميين» في محاولة لابتزاز المشاهدين او القراء عاطفيا، ما يسهم في دعم الحملة نفسها لـ(شرعنة الارهاب) لتحقيق اهداف سياسية. ومن اللافت ان بعض الابواق الاعلامية العربية، احدثت انقلابا كليا في (قاموسها) تبعا لمصالحها، اذ اصبحت تتصدر الحرب على «القاعدة» ومشتقاتها ومنها «داعش» باعتبارها تنظيما ارهابيا، بعد ان كان زعيمها اسامة بن لادن «شيخا مجاهدا»! وبالتأكيد فان هذا التضارب العربي في التسميات، بدلا من الالتفاف حول الاسم الواقعي لاولئك الارهابيين، يضعف من امكانية اقناع وكالات الانباء العالمية بتبني تسمية عربية محددة تدافع عن الاسلام والاغلبية الساحقة من المسلمين الذين هم ابرياء من اولئك الارهابيين.
ثالثا- تتورط دول ومنظمات دولية، بينها الامم المتحدة، في استخدام اسماء مثل «الاسلاميين» او «الدولة الاسلامية» او «الجهاديين» في خطابات او وثائق رسمية بدون ان تجد من العرب او المسلمين من يصححها، وكأن هناك ثمة مؤامرة لدعم تلك المنظمات. ويشكل هذا الاستخدام انتهاكا قانونيا صارخا في بعض الاحيان، اذ ان «الدولة الاسلامية» تعني مسح الحدود الدولية بين العراق وسوريا ودول اخرى، حسب الخارطة التي نشرها التنظيم. ناهيك عن انه يوجه رسالة خطيرة الى الشباب مفادها ان هناك ثمة اعترافا دوليا بانتماء اولئك الارهابيين الى الاسلام.
رابعا – في مبادرة تستحق التنويه، أطلقت دار الافتاء المصرية حملة عبر وسائل التواصل الاجتماعي والمواقع الالكترونية تهدف إلى تغيير التسمية التي أطلقها تنظيم «الدولة الإسلامية» على نفسه، واستبدالها بتسمية «منشقي القاعدة»، معتبرة أن الاسم المستخدم حاليا ساهم في تشويه صورة الإسلام. الا ان اغلبية وسائل الاعلام المصرية والعربية مازالت تستخدم «الدولة الاسلامية»، في ظل فوضى اعلامية صارمة.
واخيرا فقد «تعددت الاسماء والشر والارهاب واحد»، وهو ما يجعل الانتصار في حرب التسميات بداية حتمية، لمواجهة ذلك الشر من جذوره في الموروث الديني والثقافي والاجتماعي، حتى ان تطلب ذلك مراجعة لشخصيات او مراجع اكتسبت قداسة مزيفة عبر القرون. ولهذا الامر حديث اخر.
٭ كاتب مصري
خالد الشامي