الرباط ـ «القدس العربي» ـ من الطاهر الطويل: حديث الوسط الثقافي في المغرب الآن خلال شهر رمضان هو كتاب «رَوَاءُ مكّة» للأديب والباحث حسن أوريد، فالسجال لا ينقطع حول مضمونه على صفحات التواصل الاجتماعي، والسبب شهادة أدلى بها مفكر إسلامي عن هذا العمل الأدبي أمام جمع من الباحثين والدعاة العرب في بلد خليجي. المفارقة أن الكتاب صدر منذ سنتين عن منشورات «توسنا»، ولكنه لم يلق الاهتمام وقتها، لذا صدر في طبعة أخرى عن «المركز الثقافي العربي»، وحاولت دار النشر هذه إيهام القراء بأن طبعتها هي الأولى (كما ورد في الكتاب)، ووضعت على الغلاف عبارة «تسويقية» تحت العنوان أملا في إغراء القارئ: «سيرة روائية».
البداية
بدأت القصة حين سُئل الناشط الديني والسياسي الدكتور المقرئ أبو زيد (المنتمي لحزب العدالة والتنمية) عن كتاب «رواء مكة» لحسن أوريد، فأثنى على لغة الكاتب وأسلوبه وطريقة تفكيره، ثم خصّ الحديث عن مضمون الكتاب، باعتباره يعكس ـ في نظره ـ المنعطف الحاسم في السيرة الذاتية لمؤلفه، حيث انخرط في نفحات روحية قوية خلال أدائه لمناسك الحج، بعدما كان بعيدا عن الأجواء الإيمانية، ومتأثرا بأفكار علمانية متحررة من كل عقال. وسرعان ما صار كلام أبو زيد يتناقل عبر شبكات التواصل، وهو ما خلق لدى الكثيرين الفضول لمعرفة فحوى كتاب أوريد وقياس شهادة الناشط الإسلامي حوله، خاصة بالنظر لمكانة المؤلف في المشهد السياسي، فقد كان رفيق دراسة العاهل المغربي، وتولى مهمات جساما: ناطق رسمي باسم القصر الملكي، ووالي لجهة مكناس تافيلالت، ومؤرخ للمملكة، قبل أن يبتعد عن مربع السلطة في ضوء ملابسات غامضة، ليتفرغ للتأليف الأدبي والفكري، ومزاولة التدريس في الجامعة وتقديم محاضرات داخل المغرب وخارجه.
المزيد من الجدل
يكتب الإعلامي عبد السلام العزوزي على صفحته الافتراضية: «بعد مدة لم أقرأ كتابا بالكامل وبالشراهة التي أطالع بها كتاب «رَواءُ مكّة» للكاتب الروائي حسن أوريد، بعد تقديمه وتقديم الكتاب من طرف العلامة المقرئ أبو زيد، وسط خيرة علماء العرب والمسلمين عبر برنامج تلفزيوني .
وفي السياق نفسه، يكتب محمد عزيز المحساني (مدون وأستاذ باحث): «رواء مكة» نص أدبي عميق الفكرة، جميل اللغة والأسلوب، نص يدخل في أدب السير والاعترافات، يتعرض وصاحبه لهجمة تسفيه وتبخيس، لأن المقرئ أبو زيد خصه بالثناء في جمع من الدعاة من أقطار إسلامية عدة، مع العلم أن من ينتقدونه هم بين رجلين: رجل لم يقرأه أصلا ولن يقرأه، ويذمه وينفخ في نار كرهه، لأن الذي أثنى عليه خصم له، ورجل كره هذا الإقبال من الناس والسؤال والطلب عليه دون غيره، فعظّم الأمر في نفسه، فسفه الكاتب والقارئ، ونصب نفسه شيخ نقاد الأدب، وناقدا اجتماعيا ونفسيا في علم اجتماع الأدب وانتشاره، أما يعرف هؤلاء أن القارئ أعرف بشعاب مكة من غيره.
وجاء في تدوينة أحمد القاري: «لم يفاجئني تفاعل الجمهور مع رواية «رواء مكة» لحسن أوريد بعد تقريظ أبي زيد الإدريسي لها. أعرف من خلال معارض الكتاب، ومن خلال العمل في قطاع الكتاب، أن الشعب متعطش للقراءة؛ لكنه في حاجة لإثارة نقاش عام حول الكتب، يكون للأدب ومتعة القراءة والفخر بالهوية والتجارب الشخصية الإيجابية فيه حظ كبير، بدل النقاشات الفكرية المملة، والنصوص المثقلة بالعبارات المعقدة».
حسن اوريد: ما حدث مع عملي «رواء مكة» يرسّخ أن القاعدة القارئة محافظة، ومن جهتي، لا يمكنني إلا أن أبتهج للنزوع نحو القراءة في حد ذاتها.
وبدوره، أثنى الباحث والناشط السياسي عادل بنحمزة على كتاب «رواء مكة»، فقال إنه عمل أدبي رفيع بلغة جيدة، هي رواية سيرة ذاتية، ولو أنني أكاد أجزم أن أوريد لم يكتب سيرته الذاتية إلى اليوم وقد اختار بث أجزاء منها في أعمال روائية مختلفة مثل «الحديث والشجن»، «سنترا»، «سيرة حمار»، «ربيع قرطبة» وعمله الأخير «رباط المتنبي». ما قاله المقرئ أبوزيد في حق حسن أوريد يبقى انطباعات شخصية، قد تتفق معها جملة وتفصيلا وقد تختلف معها في بعض التفاصيل، لكن بكل موضوعية ليس فيها ما يجعل الرجل يتعرض للنقد أو للهجوم. فقط، ما أختلف مع المقرئ فيه هو اعتباره حسن أوريد علمانيا في سياق توبة مفترضة، وكأن المسلم لا يمكن أن يكون علمانيا».
ودوّن نعيم الفارسي الكلمات التالية: «تشجّعت عندما سمعت حديث الشيخ أبو زيد الإدريسي يتحدّث عن كتاب «رواء مكة» لحسن أوريد أن أقرأ الكتاب، رغم أنني لم أعرف حسن أوريد من قبل، ولم أقرأ له أي كتاب. فاشتريت الكتاب وقمت بقراءته فوراً، وبالفعل وجدت الكتاب سيرة جميلة رائعة، يذكر مؤلفها كيف كانت بداياته الإيمانية وهو صغير، وكيف ابتعد عندما كبر عن الإسلام، وكيف عاد بعد ذلك، ووصف بالتفصيل رحلته المؤثرة نحو مكة.
التأويل»البوزيدي»
وكتب أحمد هلالي: «بعيدا عن التأويل البوزيدي (نسبة إلى المقرئ أبو زيد) الذي وضع كتاب «رواء مكة» تحت عنوان حسن أوريد من الظلمات إلى النور، فهو نص أدبي جميل، المقريء الذي قرأها بخلفية دعوية وروّج لها بالخلفية نفسها، يجعلك تعتقد أن الأمر يتعلق بترياق سحري ينقلك ما بين عالمين. هو أقرب إلى الشطحات الصوفية ورؤاهم المقيمة في منطقة يغيب فيها العقل».
وقدّم الكاتب محمد عبد الصمد الإدريسي تحليله للطريقة التي انتشر بها كتاب «رواء مكة» (التي شبهها بانتشار النار في الهشيم) بعد حديث أبو زيد عنه، بالقول إن «كثيرا من القراء لا يعرفون ما يقرأون، ولذلك بمجرد ما سمعوا الإطراء الكبير للعمل حتى هرعوا يبحثون عنه، ومنهم من قرأ الكتاب في يوم أو يومين، وبدأ إرساله في مجموعات الواتساب والفيسبوك، وكأن المطبعة لأول مرة تشتغل في المغرب؛ وكأنه ليست هناك كتب عظيمة الفائدة تنتظر فقط من يقتبس من نورها. فهناك من لا يحبّ الكتاب، ولكن يحب الفضيحة، وهو مستعد لقراءة كتاب من 200 صفحة، فقط لأنه فهم من كلام أبو زيد أنه وصفه بالسكير والشكاك في الله.
ونشر الصحافي سليمان الريسوني مقالا يوجه فيه خطاب العتاب إلى صديقه حسن أوريد، مما جاء فيه أن ما قام به المقرئ أبو زيد ليس سوى دعاية مشوّهة لكتابك «رواء مكة» الذي نفد من المكتبات، بعدما تهاطل عليه نوع ثالث من القراء، ليس بحثا عن أديب ومثقف خارج من دواليب السلطة، أو بحثا عن كاتب جيد، بل عن مدمن خمر ومنحرف، فكريا وسلوكيا، تائب! إنك، يا صديقي، تعرف أن الأكثر مبيعا ليس هو الأكثر أهمية، وإلا كانت كتب الطبخ، التي تحقق أرقاما قياسية، أهم من كتب الفكر والفلسفة والعلوم التي لا تكاد تراوح مكانها في الرفوف. وتابع الصحافي قوله: «كان عليك أن تصرخ: (أنا، أيها المقرئ، لم أكن مدمنا، ولن أكون مؤمنا بالمعنى النمطي التبسيطي الذي تفهم به، أيها الداعية، الإيمان والإدمان). لكنك استمرأت، مثل فراشة ضوء، خدَر الإطراء البراق المداهن». واسمح لي يا صديقي أن أخبرك بأنني طالما كنت أحزن لأجلك، عندما كنت أضبطك متلبسا بلعبة الأقنعة؛ محافظا مع الأصوليين، وحداثيا أمام التقدميين. ومازلت أتمنى ألا يكون تفكيرك تفكير تاجر يسعى إلى إرضاء كل زبائنه بمختلف أذواقهم وحساسياتهم».
وفي المنحى ذاته، رأى الكاتب خالد زهري في كلام المقرئ الإدريسي أبو زيد أنه «قراءة سياسوية»، لكون صاحب الداعية المذكور ليس من أهل الفن، فلم يعرف عنه أنه أديب أو ناقد أدبي، وإنما هو داعية على الطريقة الإسلاموية المستوردة من الخارج. كما أنه حرّف مسار الرواية، ليوهم القارئ بأن حسن أوريد تاب من حالة الضياع والانحراف والإلحاد والإدمان على الخمر إلى الالتزام بالمفهوم المتداول عند الحركات الأصولية. وفسر موقف أوريد بأنه انخراط في سلك هذه الحركات».
ماذا يقول المؤلف؟
وتعليقا حول هذه الضجة المثارة، قال حسن أوريد في حوار صحافي إنه تعامل معها بموضوعية انطلاقا من فكرة راسخة لديه، مفادها أن كل عمل مكتوب لأي كاتب، حين يصدر يصبح ملكا للجمهور، ومن حق الجمهور حينها، بمختلف فئاته من باحثين أو نقاد أو مهتمين أو قراء، أن يقرؤوه كما شاؤوا، فهم أحرار. وأوضح أنه اختار مصطلح «الاعتراف» لكتابه المذكور، وهو أسلوب في الأدب مقتضاه أن يتجرد الإنسان من كل شيء ليظهر كما هو، بدون رُتوش. كما اقترح أيضا مصطلح «مصالحة»، قائلا: لقد كنت ممن يرون التراث الإسلامي عبئا، ثم تخليت عن هذا الرأي، وأصبحت أعتقد بأهمية استعادة التراث حتى لا ينقلب علينا. وجوابا على سؤال حول ما إذا كان يستخلص من وراء هذا الحدث أن القاعدة القارئة اليوم في المغرب هي قاعدة محافظة، أجاب: «هذا الذي قيل وتردد، ولربما ما حدث مع عملي «رواء مكة» يرسّخ أن القاعدة القارئة محافظة، ومن جهتي، لا يمكنني إلا أن أبتهج للنزوع نحو القراءة في حد ذاتها».