حين تقتاتُ الحياةَ من الكلمات وتحمل أنفاس الأحرفِ أُوكسجيناً تتنفس به مع وحدتكَ أو غُربتكَ، فإنكَ تعيشُ ما يشبه الحياة، دائراً فيها كالغريبِ دوماً، رغماً عن أحاديثكَ وعلاقاتِكَ وتعامُلاتِكَ مع الآخرين، إلّا إن ما يَشطَح فوق كُلّ تلك الاحتياجات التي هي من ديدنِ أي حياة، وأنَّى كانت، هو الترَّقُب بالنَّظَر والكتابةِ بلسانِ النَّظر الغريبِين، وبنظرة الانفرادي في سجنٍ ما والخارجِ فجأةً ليعيشَ في الزُّحام.
نائل بلعاوي الذي لا أعرف هويتُهُ حقاً كفلسطيني أو أردني أو سوري أو …. إنّما شدّتني إليه مواقفُهُ من الربيع المغدور وشدَّتني مضامينُ كتاباتِهِ على صفحته في الفيسبوك، التي تكونُ مُفعَمَةً بإنسانيةِ المُثقفِ الحقّ، الواقفِ في مكانهِ الحقّ كمثقفٍ لا يحيدُ عنهُ، مُتلّقفاً وعائشاً إنسانيتُهُ بحسٍّ عميق وفكرٍ ثاقب، آخِذاً منها سقفاً لا يعلو عليه أي حياة.
بلعاوي في مجموعتِه «ما يشبهُ الشِّعر» يخلقُ لنفسه ما يشبه الحياة تلك، يُترجِمُ بكلماتِه الشبيهةِ الحياةِ تلك، من خلالِ تلقُفِهِ ما يراقبُهُ وما يُحَسُّ به، أو ما تخلقُهُ نظرتهُ لأمرٍ ما، أو موقفٍ ما، أو شخصٍ ما: «أسمعُ أصواتاً / ليست مثل هذه المُعتادةِ في آخر الليل/ لُهاثُ الجار المتعب من الحب والخمر وهو يصعدُ الدرج/ بكاءُ الرضيعةِ في الطابق السادس/ الجارةُ العجوز وهي تنهرُ كلبها».
يُحوِّلُ نائل بلعاوي الحياة إلى ما يشبهها في الحلمِ واللاانتماء في الغربةِ ومُداعبة الحبِّ كنسغٍ يُزيحُ الغياب بحضور رعاية الظلام وتلوين الهواء كفرشاةٍ تُداعبُ لوحة الحبيبةِ كبقاء رُّوح.
لكن نائل وهو البعيد عن مسقط رأسه، يحملُ في داخلهِ أمكنةً مغروسةً في أعماقهِ بحيثياتٍ تُجاري التفاصيل الدقيقةِ، حين يعودُ إليها، لكن بإحساسٍ آخر ولأقُل بندمٍ للحظةٍ شهيةٍ مَرَّت، أو لم تُسْعفهُ حينها لترجمةِ المغزى للولوجِ فيها: « لو عُدتُ اليومَ إلى دمشق/ إلى ذات الرصيف/ حيثُ باعةُ المسابحِ الزرقاء والفواكه المُجففة/ لقلتُ لتلك الفتاة التي ربطت شعرها على شكلِ زنبقةٍ غريبة/ أعتذر، كنتُ وحيداً / وكان السحابُ الأسودُ الثقيل يؤلمني/ وهأنذا هنا/ لا لأبحث عن شارعٍ في الحي القديم / لا لأعرف كيف أكتبُ أسمي صحيحاً بلا أخطاء أو هواجس/ لا لشيء سوى/ أن أتبعكِ».
« ما يشبهُ الشعر» كأننا نقولُ ما يشبه الآلهة أو الشياطين بما فيه من غواية وعُرف، وفي كلا التشبيهين ما يشبهُ الموت، ما يشبه الحياة، ما يشبهُ نفسه وغيره، حين يجترُ من كل التفاصيل والهواجسِ والأماكن ما يُرعِش الرُّوح وما تُدوِّنُهُ هي بحبر شغفها، في قصيدةِ «أصابعك» يجترُ نائل الحرمان من حنان الحبّ وشغفهِ في ما يشبه الحياة: «أصابعكِ البديعةُ وهي تمتدُ بنشوةٍ إلى أطرافِ شعري القصير/ وتقولُ: تأخرت قليلاً / ولكني أحبك/ أصابعك هي التي تمنحُ الأشياء أسرارها/ هي كل ما يستحق الذكر/ أصابعكِ/ وحدها أصابعك الماهرة».
وفي قصيدة «خواء» يُصغي لإيقاعٍ يبدو كحياة لكنه لا يعيشُهُ إلّا ما يشبه الموت: «أن تصغي لإيقاع في البعيد/ يشبهُ الحياة/ ولا تذهب إليه/ وحيداً، مثل أرملةٍ غاضبة/ لا تبكي، ولا تداعبُ ذكرياتها/ بل تتأملُ أحلامها/ وتقتلها / ثم تمضي بغريزة القاتلة / إلى غرفةِ النوم/ وقد تنام».
في قصيدة «في كل يوم» يجتر هواجس غُربتهِ:» في السابعةِ /أصحو/ أو أنام/ مثل جنديٍّ هاربٍ في الحالتين/ من جحيمِ الحربِ/ إلى النسيان». ومن الأماكن لا تُداعِبُ أحلامُهُ سوى الأرصفةَ كانتماءٍ آجَل لكُلِّ غريب: «أريدُ الأرصفة/ هويةً أخيرة، وحيدة / لعلها الوحيدة».
نائل بلعاوي في مجموعتهِ يداوي ذاكرةً جريحة، يُداوي ما عاشهُ بما يعيشُه، يصرخُ كأرخميدس حين خرج من الحمام عارياً وصارخاً «وجدتُها»، نائل نفسه يصرخ عارياً أمام حياتِهِ يصرِّحُ بما وجَدَهُ ليكون لهُ غدٌ في قصيدته «ما يشبه الحبّ»: «وجدتُ ما أُعلِّقُهُ على الحائط / وجدتهُ / هَوَسُ الغريبِ بأمسهِ / ومتاعبُ الذكرى». هكذ يُحوِّلُ نائل بلعاوي الحياة إلى ما يشبهها في الحلمِ واللاانتماء في الغربةِ ومُداعبة الحبِّ كنسغٍ يُزيحُ الغياب بحضور رعاية الظلام وتلوين الهواء كفرشاةٍ تُداعبُ لوحة الحبيبةِ كبقاء رُّوح.
الكتاب: «ما يشبه الشعر» نائل بلعاوي- الناشر: الأهلية للنشر والتوزيع ط 2018.
٭ كاتب سوري