الهدوء النسبي في غزة ليس حلاً مع حماس!

حجم الخط
0

«هناك احتمال في أن الاعتبار الاستراتيجي ـ العسكري والاعتبار السياسي يندمجان في قرار حاسم مشترك»، كتب وينستون تشرتشل في مذكراته عن الحرب العالمية الثانية، وهذه بالفعل هي المعادلة التي تقبع في أساس اعتبارات رئيس الوزراء ووزير الدفاع نتنياهو بالنسبة للاشتعال الأخير في غزة (هذه المعادلة، بالمناسبة، تعمل بالعكس أيضاً: رئيس أركان حرب الأيام الستة اسحق رابين خرق في حينه تعليمات وزير الدفاع موشيه دايان وأمر قائد جبهة الجنوب، تسفي زمير، باحتلال القطاع من أيدي المصريين دون أن يعطي رأيه في المضاعفات السياسية. لو لم يصدر هذا الأمر لما كانت مشكلة غزة موجودة على الإطلاق).
من ناحية عسكرية، كان بوسع إسرائيل هذه المرة أيضاً، مثلما في مرات سابقة، أن تحتل غزة، ولكن واضح أنه من ناحية الاعتبار السياسي فإن مثل هذه الخطوة ستكون خطأ في الظروف القائمة، لا لأن هذا فقط سيلقي على إسرائيل بعبء إدارة غزة بكل مشاكلها الأمنية والاقتصادية والإنسانية، بل إنه إذا كان هناك من يتهمون اليوم، دون وجه حق، إسرائيل بالوضع الصعب الزائد في غزة، فإن سيطرة إسرائيلية مطلقة كانت ستجعل إسرائيل، في نظر قسم كبير من العالم، هي المذنبة الحصرية ـ ومن شبه المؤكد كانت ستتسبب بمشاكل، خاصة مع مصر. واضح أن هناك مضاعفات على السياسة الإسرائيلية، إذ إن كل عمل تتخذه إسرائيل أو تمتنع عن اتخاذه يصبح على الفور أداة مناكفة ضد الحكومة من جانب المعارضة ـ فما بالك أنه حتى وقت قصير مضى كان قادتها مشاركين حتى الرقبة في كل ما يجري حول القطاع. ففي أثناء الاشتعال الأخير، أوضحت إسرائيل لحماس وللجهاد الإسلامي بأن هناك قواعد جديدة، وأن أعمال الإرهاب الأكثر حدة سيرد عليها بأعمال عسكرية حادة أكثر، ما يبدو أن هذا دفعهم إلى قبول وقف النار الحالي. فتصعيد «الجهاد الإسلامي» يمكن أن يعزى للتعليمات التي تلقاها من طهران في أعقاب النشاط العسكري الإسرائيلي الناجع ضد الإيرانيين في سوريا بحيث إنه إذا واصل التنظيم التطرف في أعماله، فيحتمل أن تضطر إسرائيل إلى اتخاذ خطوات ضد سيدته أيضاً.

تحتاج إلى عملية عسكرية مدعومة بسياسة عربية ودولية

في هذه اللحظة يسود هدوء نسبي، ولكن واضح أن هذه ليست نهاية المعركة، وأنه في غياب حل سياسي من المتوقع حدود اشتعالات أخرى. عندما يدور الحديث عن حل سياسي، فليس المقصود تسوية قصيرة المدى أو هدنة كما جرى الحديث عنها في الماضي، بل تغيير جذري في كل عناصر مشكلة غزة. من هذه الناحية، فإن الاقتراحات التي تطرح عندنا أيضاً، ولكن في أوروبا أساساً، أي أن ترفع إسرائيل الإغلاق عن القطاع، تسمح ببناء ميناء أو مطار ـ ونتيجة لذلك يتحسن وضع سكانه ويتوقف العنف تجاه إسرائيل ـ تتجاهل الواقع تماماً؛ إذ إن حماس ستتعزز نتيجة لذلك، بل إن هذا لن يؤدي إلى وقف العنف من غزة الذي لا تعود أسبابه إلى الضائقة الاقتصادية (حماس هي التي تتسبب به)، بل في الميل الأساس لدى حماس للضرب الدائم لدولة إسرائيل من أجل شطبها عن وجه الأرض. الحل السياسي الحقيقي، المتداخل مع أهداف استراتيجية، يجب إذن أن يقوم على أساس إسقاط حماس كجهة سياسية وعسكرية، أي عملية عسكرية متداخلة مع تسوية سياسية شاملة مسنودة بقسم من العالم العربي على الأقل، وكذا من الولايات المتحدة وأوروبا.
ليس واضحاً بعد إذا كانت صفقة العصر للرئيس ترامب ستتناول هذا أيضاً، ولكن يمكن الافتراض بقدر كبير من اليقين أن الحرب الآن، مثلما يقترح البعض، ما كانت لتخدم المصلحة الإسرائيلية حتى من هذه الناحية. يحتمل ألا تتمكن إسرائيل في نهاية المطاف من الامتناع عن قرار حاسم لاحتلال القطاع، ولكن كما قال تشرتشل: «إذا ما تطابق الاعتبار الاستراتيجي ـ العسكري تماماً مع الاعتبار السياسي». لا يمكن أن نتجاهل جانباً آخر أيضاً، ملحّ، أي وضع السكان في غلاف غزة. ثمة حدود لكم يمكن للدولة أن تسمح لنفسها بأن تكون خاضعة لموجة لا تتوقف من أعمال الإرهاب، وعليه فإن المدى الزمني الذي يمكن لإسرائيل أن تخصصه لمساعي تحقيق ذاك الحل السياسي العسكري المثالي محدود، وليس بزمن طويل.

زلمان شوفال
معاريف 29/5/2019

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية