«مروج جهنم»… تقنية فانتازماغورية لنصٍ مُلتبس الأحداث

لا يمكن اعتبار «مروج جهنم» الصادرة عن دار فضاءات في عمان للروائي حازم كمال الدين، نصًا سيرياليًا فحسب، ذلك لأنه يمتح من الواقع ويتلاقح معه، كما أنه يذهب بشخصيته الرئيسة داليا رشدي إلى أقصى درجات الاغتراب، الذي يجعلها تشعر بالعزلة والضياع والاستلاب، الأمر الذي يدفعها للنفور من البيئة الاجتماعية ومحاولة الانسلاخ عنها في أي شكل من الأشكال.
يصعب على القارئ العادي أن يقرأ هذا النص السردي كوحدة متضامة متماسكة، لأن النص مكتوب بتقنية فانتازماغورية Phantasmagoric، هي أقرب إلى سلسلة الصور الحقيقية أو الوهمية، التي تنداح أمام عيني الإنسان في المنام، ومما يضاعف هذه الصعوبة تعويم الأمكنة، فليست هناك أسماء محددة لجبهات القتال، لكننا يمكن أن نستدل أن البلد الذي احتله العراق هو الكويت، ولا يمكن استبعاد المدن الإيرانية التي احتلها الجيش العراقي أثناء الحرب العراقية – الإيرانية. أما الزمن الروائي فيعود بنا إلى عام 1833، وهو العام الذي ألغت فيه بريطانيا قانون العبودية، ومنحت فيه قرابة المليون من العبيد حريتهم في المستعمرات البريطانية في إفريقيا والكاريبي وكندا.
على الرغم من التناقض الواضح بين كلمتي «مروج» و «جهنم» إلا أنه يقودنا إلى طبيعة الأسلوب الذي يتبناه الروائي حازم كمال الدين، فهو أمْيَل إلى النَفَس الحداثي منه إلى الأسلوب التقليدي، الذي ينطوي على معجم قديم يزخر بالكلمات الميتة، والعبارات التابوتية التي لا تُضفي جديدًا إلى النصوص الإبداعية الحديثة، وأكثر من ذلك فإن التقنية ميتا سردية إذا ما أخذنا بنظر الاعتبار المخطوطة التي كتبتها الراوية، ووضعتها في زجاجة، وألقتها في البحر، آملة أن يعثر عليها شخص ما ويعيد روايتها من جديد للمُرسَل إليه. كما أن القصص، والأساطير، والحكايات الشعبية الموروثة تندرج في إطار المبنى الميتاسردي، الذي لم يتوسع فيه الروائي، وإنما اكتفى بشذراتٍ منه تُحيل إليه وتُحفز القارئ على تمثله والإفادة من تقنيته الحاذقة التي تخدم النص برمته.
لعِبَ التقديم والتأخير في نسق الأحداث دورًا مهمًا في تشتيت الثيمة الرئيسة التي تستدعي القارئ لإعادة ترتيبها من جديد. لم تنبثق بطلة الرواية داليا رشدي من فراغ، فقد دهمَ رجال المخابرات منزلهم وأعتقلوا أبويها وإخوتها لأسباب سياسية لم تفهم منها شيئًا، لكنها انتهت إلى يد العقيد أبو سفيان الموسوي، الذي يتناصف معها دور البطولة في هذا النص الروائي.
داليا الآن مقطوعة من شجرة لا أهلَ لها ولا معارف، وقد وصفها الموسوي بدقة حين قال:»أنتِ زهرة وحيدة في قلب الهلاك» لتُصبح هذه الجملة الثيمة الرئيسة للنص السردي الغرائبي، الذي تؤازره ثيمات فرعية أخرى مثل، جهاد النكاح العقائدي، والرقص السكسي، وبياعي الخيال من كُتاب القصة والرواية وما إلى ذلك. يعمل العقيد مديرًا لمستشفى القوات العسكرية الخاصة، الذي يقع على خطوط المعارك الأمامية، كما يشغل مركز طبيب أخصائي بالأمراض النسائية. أما داليا فينحصر عملها في الرقص في ردهات المستشفى، لكن العقيد نقلها إلى الرقص في غرفة التوليد والعمليات القيصرية. لا يتأخر حازم كمال الدين كثيرًا ليكشف عن الانعطافة الأولى في الرواية، حين تعثر داليا مُصادفة على الأخدود الضيق تحت البلاطات اللينة في غرفة التوليد، لتضعنا كقراء أمام هذا اللُغز الذي يحتاج إلى حل سريع يُحيطنا علمًا بالتجويف الهائل الذي ينبعث منه هواء بارد. العقيد هو صاحب مبادرة «نضال النكاح العقائدي» أما الفتيات فيتم جلبهن من مختلف المدن إلى خطوط النار لرفع معنويات الجنود، ومَن تتمرد على النضال يُحكَم عليها بـ «أم المعاصي» وعقوبتها الوشم على المنطقة الحساسة بكلمة «مومس» التي تُعرض الأسرة للنبذ الاجتماعي.

يتجلى الجن في الفصل الرابع وتندفع كائناته من جوف النار وأخاديد الصحراء، أو تهبط من السماء الشاهقة لتُنقب في باطن الرمل بغية اصطياد النساء الهاربات من دوحات النضال.

بتأثير من أبويها تقرأ داليا رواية «الأم» لغوركي، و»كيف سقينا الفولاذ؟» لأستروفسكي، و»خطوة إلى الأمام، خطوتان للخلف» لفلاديمير لينين، ثم تتوالى القراءات وتتكثف شيئًا فشيئًا وتصبح هجينًا من «الأصل والذاكرة»، فالأصل هو الكتاب والكلمات الغامضة، والذاكرة هي الحكاية اليومية. وعلى الرغم من قراءاتها المتواصلة، إلا أنها لم تُجرب الكتابة، ولم تنخرط في كتابة القصص العقائدية والبوليسية والاجتماعية مقابل مكافآت مجزية.
بعد تسع سنوات من اكتشاف الشق الرطب، وأُكرة الباب، يُعدَم العقيد لأسباب غامضة للناس، لكنها ليست كذلك بالنسبة لداليا، فهي «ابنتهُ بطريقة ما»، ومحظيته الوحيدة التي يفضلها على كل الفتيات اللواتي توافدنَ لجهاد النكاح. في هذا الفصل يتم التمثيل بجثة العقيد، حيث يحشروا تحت جلده ماسورة مضخة هوائية ثم ينفخوه بغاز قابل للاحتراق وحين يطفو في الهواء يُطلقون عليه رصاصة تشعله فيتطاير في السماء.
يتجلى الجن في الفصل الرابع وتندفع كائناته من جوف النار وأخاديد الصحراء، أو تهبط من السماء الشاهقة لتُنقب في باطن الرمل بغية اصطياد النساء الهاربات من دوحات النضال.
ينطوي الفصل الخامس، على حدث غرائبي آخر، فثمة امرأة لا تريد أن تمارس نضال النكاح، وحين يلاحقها جنود فرقة الإعدام تستجير عند شخص بدوي، وبما أن البدو يحمون المستجير فيرفض صاحب البيت أن يسلمها لهم، ومع ذلك تهرب هذه المرأة المتمردة فتقبض عليها دورية عسكرية وتعيدها إلى خنادق النضال، لتتناوب عليها أرتال الجنود. تتشابك الأحداث فتستلف لها الراوية نقودًا من العقيد كي تدفع الفتاة الحامل رشوة للغلام المخلد الذي سيرشو بدوره الطبيب العدلي كي يكتب في تقريره إنها ماتت إثر نزف داخلي، وإن الجنين قد مات في أحشائها أيضًا. ثم يُكلف سائق ومراسل حربي لدفنها في مدينتها. عند واحدة من استراحات الطريق ذهب السائق والمراسل الحربي إلى نبع قريب من القرية للتزود بالماء، وحينما عادا وجدا غطاء التابوت مرميًا، والجثة هاربة، وقد تركت الطفل حيًا في التابوت بينما توارت هي في غياهب الصحراء. ثمة أسئلة كثيرة يطرحها الروائي من بينها: «لماذا يصدق جيران رب الأسرة في القرية الصحراوية أن الطفل قد هبط عليهم رحمة من السماء؟»، «ولماذا شعرت داليا عندما رأت الفتاة في القبو بأنها صورة منها والعكس صحيح، فاستلفت لها النقود من العقيد وساعدتها في الهروب؟»، «وهل يُعقل أن تكون تلك الفتاة هي داليا رشدي نفسها؟» الطفل الذي ظل يصرخ في التابوت أخذه رجل إلى قريته وحوله إلى كائن مقدس. لم تقل داليا أن العقيد أبوها لكن الآخرين اخترعوا ذلك وأصروا بأنه متورط في «زنا المحارم»، كما كان يناديها بعبارة «يا ابنتي» لكنه وضعها في أشد حالات الالتباس، لأنها موقنة بأن أباها أُعتُقل لأسباب سياسية. الطفل الطائر سيكذب قصة الرقص الإيروتيكي، وينفي فكرة «زنا المحارم»، ليعزز لها الشعور بأن وقائع قصتها لم تكن إلا وهمًا نفسيًا ناجمًا عن صدمات الحروب المتعاقبة.
حين يتأكد العقيد من تعاون أهل القرية مع المعارضة يسوي القرية مع الأرض ويشيد مكانها منتجع «عروس البوادي». في عام 1833 تكتب الراوية مخطوطتها، وتحشرها في زجاجة، وتلقيها في عرض البحر. ينهي كمال الدين روايته بصيغة غرائبية دالة مفادها:»عزيزي، عزيزتي، أنا ترانسجندرمان. . . البقية عليك». أصدر حازم كمال الدين قبل هذه النوفيلا ثلاث روايات وهي «أورال»، «كباريهت» و»مياة متصحرة» التي وصلت إلى القائمة الطويلة لجائزة «بوكر» العربية.

٭ كاتب عراقي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية