■ يمارس التخييل سلطته الضمنية، في كافة الحقول المعرفية المكرسة لقراءة وكتابة الذات البشرية، وذلك من خلال إشاعته لألفة وهمية، تصله بساكنة هذه الحقول. ومرد ذلك، مجموع تلك المقولات النظرية المحايثة لحركيته، المسنودة بقوتها التداولية، التي غالبا ما تتخذ طابعا إداريا بحتا، يلزم المهتم بتبني أوامر الدلالات المكرسة للمفهوم، بالتفاني في تنفيذها، بدون أن تكون ثمة ضرورة لتفصيل القول في مكوناتها. ما يؤدي إلى توطين علاقة آلية، وخالية من روح التفاعل الحقيقي، بين المفهوم والمشتغلين به، التي يتحول معها «التخييل» إلى مجرد وسيط وظيفي، يتدخل في إكراه خطاب ما، على التموضع في إحدى الخانات التصنيفية التابعة له، بدون أن تكون بالضرورة مهيأة لذلك.
وبالنظر لانعدام التوازن في هذه العلاقة، فإنها تعتبر في نظرنا مصدر كثير من سوء الفهم، خاصة حينما تتأطر دلالة التخييل بمرجعية فلولوجيه فضفاضة، في سياق بحثها عن مخرج تنظيري لخطاب فكري أو إبداعي. والحال أن الأمر يقتضي توافر مستوى مغاير من مستويات التفاعل، باعتبار أن مفهوم التخييل كائن حي، يتمتع بذاكرته الخاصة به، وباختياراته ومصائره. فضلا عن اندراجه ضمن الممارسات الأكثر تعقيدا، من بين تلك التي يتمتع بها الكائن. وعلى الرغم من كون التخييل، أحد أهم السمات التي يتميز بها النوع البشري، إلا أن قوة حضوره لدى الأفراد تتباين من حيث الفاعلية، ومن حيث آلية الاشتغال، والأهداف، تبعا لتباين رصيدهم الثقافي المعرفي والحضاري. وأيضا، تبعا لما يتواجدون فيه من مواقف وسياقات يمارس المتخيل دوره الحاسم في توجيهها. علما بأن ملكة التخييل، تتميز بقابليتها المستــدامة للتنامي والتطور، على ضوء ما تنخرط فيه من تجارب، تمثل مجالها النموذجي للارتقاء بممـــارستها إلى المستوى المطلوب.
فهذه الإواليات، تعلن عن حضورها في الوقت المناسب، سواء على مستوى الإشباع الذاتي، أو على مستوى الممارسة الفكرية والإبداعية. كما أنها تكون مستقاة من حركية المعيش، ومن ثراء تفاعلاته. ما يقودنا إلى ربط مؤهلات الذاكرة التخييلية، بمؤهلات الذاكرة المعرفية، في تكاملهما مع ذاكرة المعيش. فما من ذات إلا وتتميز بذاكرة متخيلها الخاص بها، حيث يوجد ثمة المتخيل المسكون بعنف عدوانيته. والمتخيل الملقح بجينات المكر، كما ثمة المتخيل المطمئن إلى رهافة أحلامه، أو شراسة معيشه. يتعلق الأمر والحالة هذه، بسلطة معززة بانتماءاتها، ومرجعياتها الفكرية ممنهجة، كانت أو عفوية، كما هي معززة بجيناتها وطبائعها المعلنة والمضمرة.
أصبح التخييل الطبيعي مسلمة، لا يحتاج تأكيدها إلى برهان، لكونه شرطا أساسيا من شروط تجديد الكائن لطاقته التواصلية مع أسرار العالم، فضلا عن أهميته القصوى في إغناء العمق الإبداعي.
سلطة حاضرة باستمرار في تضاعيف الوعي، ومنكبة على ممارسة نشاطها الخفي، في خلفية الحياة الخاصة لدى الأفراد والجماعات، تشحن الإرادة والرغبة، بقدر ما تفرغهما من ديناميتهما إن اقتضى الحال، ومثل أي حيز تدبيري، تفصل بيننا مؤقتا، وبين ما نحن مقبلون على اتخاذه من قرارات، إلى حين اكتمال المعطيات الملائمة لذلك، سلطة، ذات فاعلية ملموسة، يستند عليها الفعل في إعلانه عن إشراقة شمس اللحظة، أو أفولها. بهذا المعنى، يمكن الحديث عن التخييل بوصفه مكونا مركزيا من مكونات أي سلوك بشري، وبوصفه مختبرا سريا وطبيعيا، لتصنيع الصور المندرجة في عوالمه، تلك التي تعجز الرؤية عن تمثلها.
لكن وبموازاة ذلك، أي في جنبات المختبر الواقعي، المجهز بالتقنيات الحديثة، ثمة نية مبيتة ربما، تسعى إلى وضع حد لجموح هذه السلطة الطبيعية والهلامية، في أفق استبدالها بسلطة متخيل آلي، ينبجس من خيمياء الرقائق الإلكترونية، الهادرة بوقائع ومصائر، لا قبل للمتخيل الذاتي والطبيعي بها.
والملاحظ في سياق تتالي عقود التحديث التقني، أن السلالات المتناسلة من الأجناس والأنواع التصويرية، التي تمطرنا بها جنبات هذا المختبر الأسطوري، توشك أن تغنينا عن خدمات التخييل الطبيعي، ذلك أن الواقع الذي أمسى محكوما بسلطة الصورة، لم يعد بحاجة إلى تلك الممارسة التخييلية التي تعتد الذات عادة بإنجازها، حيث أن ثراء واقع الصورة، وعلى ضوء ما يصطخب فيه من عنف وسيولة جارفة، قد أدى إلى تحجيم جدوى التخييل الذاتي، إلى درجة التندر باستيهاماته. ومما لا شك فيه، أن الأشرطة الوثائقية المتخصصة، العالية الجودة، والمستوفية للشروط الحرفية، أمست، تغطي كافة المجالات الثقافية والمجتمعية، إلى جانب المجالات التاريخية والطبيعية، بدون إغفال متخيل الأجرام السابحة في أفلاك الغيب، حتى ليمكن القول، إن التخييل الخلاق، المؤهل للانتساب إلى معدن الإبداع الحقيقي، هو الذي يتأسس على أرضية الصورة المرئية، بدل أرضية التخييل الذاتي.
واقتناعنا بالظاهرة، لا يعفينا من الاعتراف بالأهمية القصوى التي تحتلها ملكة التخييل الطبيعي في حياة الكائن، باعتبارها أداة فعالة لإثبات تميزه عن غيره من باقي الكائنات، وأيضا باعتبارها الأداة الموظفة عمليا في هندسة الأشكال التي تتعايش بينها أجسادنا وأرواحنا، انطلاقا من تماهيها البراغماتي مع ملكة التجريد، خاصة حينما يتعذر إيجاد الشكل المناسب والمستجيب لسياق الضرورة ومنطقها.
وبحكم العادة، أصبح التخييل الطبيعي مسلمة، لا يحتاج تأكيدها إلى برهان، لكونه شرطا أساسيا من شروط تجديد الكائن لطاقته التواصلية مع أسرار العالم، فضلا عن أهميته القصوى في إغناء العمق الإبداعي، الموظف عادة في مجال الجماليات. كما في غيره من المجالات العلمية الدقيقة، إلا أنه رغم هذا الامتياز، يبقى ذا مردودية محدودة ونسبية، مقارنة بحصيلة التخييل المحايث الذي تنتجه التقنية، عبر تبسيطها لمسطرة اكتساح الصورة لفضاءات الرؤية، ووفضاءات الذاكرة والوعي. متجاوزة بغرائبيتها وجاذبيتها السحرية، مجموع ما يمكن أن يتفتق عنه المخيال الطبيعي من إبداع. ويمكن ملاحظة ذلك، في اختراق ألياف الشبكات التواصلية الحديثة، لمسامات العالم، بمختلف مستوياتها وأشكالها وأنواعها. مترجمة كل ما يتردد عليها من إشارات، حيث ما من حدث بسيط أو معقد في جغرافيات الكون، إلا ويخضع عبر هذه الشبكات اللامرئية إلى عمليات التجميع والتبادل والتوليد الفوري والآلي، على مدار الساعة. إنه ضرب من المهرجانات الكونية، المحتفية بحركية الصورة، التي ليست هي في نهاية المطاف، سوى ذلك الانفجار الهائل والمهول، للقطات سريعة تخص ما يمكن توصيفه بالعابر، إلى جانب ذلك التقاطر اللامحدود للطرائف، وللحقائق، ذات الطابع الغرائبي، ولما كان من قبل، مندرجا في تخوم المستحيل.
ومما لاشك فيه، أن هذا الواقع الجديد، لا يكف عن إرباك التخييل الطبيعي، الذي أمسى مطالبا بتغيير منهجية عمله، في أفق تأمينه لفضاءات جديدة، تسمح له ببلورة ممارسة مغايرة، قوامها استثمار التراكم الصوتي والبصري العارم، الذي تتميز به المرحلة، بما يتيح له إمكانية تحيين آلية اشتغاله، كي يرتقي بوظائفه إلى عمق أزمنة، ضاقت بها فضاءات الحداثة، وما بعدها.
٭ شاعر وكاتب من المغرب