صاعقة الثورات العربية لن تتوقف حتى تغير كل شيء

حجم الخط
0

كاظم الحلاقكان انفجار الثورات العربية مفاجئاً كالصاعقة وسهلت تكنولوجيا الاتصال التدفق بين الأجيال الشابة على نحو عفوي لدرجة أصبح الشبان في غنى عن النخب الفكرية والأدبية والسياسية وبذل الجهود في طبع المنشورات وتوزيعها كما كان يحدث في السابق. الشباب العربي يحاول جاهداً اللحاق بحركة العصر الحديث، وهنالك ثمة تطلع شعبي لشيء بعيد عن الكبت والقمع، شيء ممكن أن يبث العزيمة والحماس في قلوب مئات الآلاف من الذين ذبلت آمالهم وأحلامهم.

الشعب العربي كان جائعاً للثورات، كان ينتظر شيئاً ما؛ لقد أُضطهد وظُلم من جهتين من قبل حكوماته المستبدة ومن قبل القوى الخارجية المتمثلة في الغرب. هنالك الفقراء، الجائعون، اليتامى، المتسولون، فالثورة ليست إلا مجرد سبيل لاختبار الذات في مواجهة المجهول. والاختبار الحقيقي هو في نهاية المطاف الاستمرار في الحياة بشكل كريم.

أنظمة الاستبداد العربية لا تستطيع أن تتواصل وتبقى من دون الدعم الأوروبي والأمريكي بشكل خاص. أمريكا تدعم الأنظمة الديكتاتورية ولا تهمها مصلحة الشعوب العربية، إنها ترعى مصالحها وتكيل بمكيالين، من جهة تتحدث عن حريات الشعوب في تقرير مصيرها والأنظمة الديمقراطية التي يجب أن تسود العالم، ومن جهة أخرى انها تبارك وتساند الأنظمة المستبدة، على سبيل المثال ان نظام الحكم في المملكة العربية السعودية هو من اكثر الأنظمة قمعاً واستبداداً، النظام ينتهك حقوق المرأة والرجل على السواء، ويعدم حرية التعبير عن الرأي لكن أمريكا لا تقول شيئاً بصدد ذلك لأنها مستفيدة من نظام المملكة من حيث البترول والشؤون العسكرية في استخدام أراضي المملكة.. أمريكا طالما تنتفع من وجود الديكتاتور فإنها تغض النظر عن تصرفاته وسفكه لدماء الشعب الذي يحكمه، وما ان تنتهي مصالحها منه تتخلى عنه وتبيعه، كما هي الحال مع النظام التونسي والمصري والليبي في الوقت الحاضر.. إذا ما عاش الفرد داخل أمريكا وشاهد بدقة كيف يدير أصحاب رؤوس الأموال الإعلام والقرارات السياسية واستغلال الأغلبية العظمى من البشر، الذين يعيشون في أمريكا كمكائن أو أدوات في المصنع الأمريكي الكبير، لاستنتج أن أمريكا هي البلد الأكثر قمعاً في العالم لكن بطريقة حاذقة ومهذّبة، هناك في البلدان العربية القمع والاستبداد واضح انه بحراب السلاح والمشانق والإعدام بينما هنا الموت بالحُقن وبالقرارات السياسية والإعلام الموجّه واستنزاف القوى والجهود البشرية بدفع الفواتير والضرائب وساعات العمل المضنية، مقابل قروش قليلة بالكاد تكفي لإدامة الماكنة البشرية على مواصلة العمل.

إذا أردنا أن نتحدث عن دور المفكر أو المثقف في الحياة باعتباره البوصلة أو شعلة الوعي أو المنارة التي ترشد الجماهير كما ينبغي أن يكون، علينا في البدء أن نميّز أو نوضح أي نوع من المفكرين أو المثقفين نعني؟ تتراءى لي ثمة ثلاثة صنوف من المثقفين، أولاً: طغاة المثقفين التابعين لمؤسسات أنظمة القمع، إن وجودهم مرتبط بوجود أسيادهم لذا فإنهم يزوّرون الحقائق ويكذبون على أنفسهم وعلى الناس بشكل متواصل من أجل المنفعة والمناصب الرسمية، ثانياً: المثقفون المُهمّشون أصلاً من قبل الدولة المستبدة وكذلك من قبل تسطح الوعي الجماهيري، لذا فإنهم ينسحبون إلى عوالمهم المعزولة عن حركة وتدفق الحياة، وثالثاً: المثقفون البين بين، انهم يضعون قدماً هنا وقدماً هناك لذا لا دور حقيقيا لهم في الحياة، هذا يعني ان الصورة القديمة للمثقف القائد أو الرائد قد تلاشت في الثورات العربية المعاصرة وحلت محلها تكنولوجيا الاتصال وإصرار وشجاعة قلوب الرجال والنساء.

وإذا خرجنا من أسوار الصور الرسمية المنفرة لهذه الحكومات وتطلعنا إلى الحياة الفكرية والروحية والثقافية، سنجد أن الخواء والذبول يخيمان على حقول الوعي العربي… ليس ثمة دور فاعل للمثقف والكاتب في الحياة اليومية، لذا كانت صيحات المحتجين أشبه بالتدفق العفوي أو نصل المنجل المحمي الذي يجتث العشب، محرراً الأرض مما علق بها من تلوث. كانت الثورات العربية بلا قيادة مركزية وبلا ايديولوجية وإن سبب ذلك يعود إلى عوامل عديدة ليس بوسعنا الخوض فيها بهذا المقال القصير، لكننا نذكر منها على سبيل المثال القمع السياسي، ومفاهيم البنى الاجتماعية المتخلفة والكبت بجميع أشكاله وأنواعه.

الخطاب الثقافي المتداول في المنطقة العربية بشكل عام وباستثناء بعض الحالات هو خطاب تابع للمنتِج الأول، اعني الخطاب الثقافي الأوروبي والأمريكيّ. نتاج الفكر العربي نتاج متأثر وليس مؤثراً، حيث لم يضف الأدب العربي المعاصر شيئاً مهماً إلى الأدب العالمي. الوضع الثقافي العربي الحالي يعتريه الذبول، والنظام الاجتماعي قائم على طبقتين حيث انعدمت الطبقة الوسطى، هناك الرئيس وحاشيته والمقربون والمنتفعون منه، حيث يستمتعون بملايين الدولارات وينظرون إلى بقية الشعب بازدراء، وهناك الفقراء والجائعون واليتامى والمتسولون والعاطلون عن العمل والكادحون الذين يفنون أجمل سنوات حياتهم مقابل لا شيء.

لم يظهر المحتجون ميلاً لأعمال العنف على الرغم من أن الحكومات المستبدة حاولت إلصاق التهم بهم كالعمالة إلى جهات خارجية والأفعال التخريبية وأعمال الشغب. الحكمة تأتي إلى الصادقين الأبرياء، المثقفون غير أبرياء، انهم ملوثون أو مضببون بمفاهيم المعرفة، التي في اغلبها خاطئة أو تتسم بالانحياز إلى هذه الجهة أو تلك. الفعل العفوي الشجاع يذهب مباشرة نحو الحقيقة انه كالسيف الباتر.

الثورات العربية الراهنة هدمت حاجز الخوف الذي كان يعيش فيه المواطن العربي، انه الآن يتطلع نحو الحلم والحرية والحياة النبيلة التي هي من حقه الطبيعي. الطاقة المبهجة لهؤلاء الثوار الذين يعرفون بأن وجودهم وزوجاتهم وأطفالهم في خطر، تستحق الاحترام العميق والإعجاب الكبير. كذلك مشهد النساء وهن يجلبن في بعض الأحيان أطفالهن معهن إلى الشوارع والساحات. يتحدث الناس عن المخاوف والآمال وهم يرددون الأناشيد والهتافات، محاولين بث الروح العالية والعزيمة في بعضهم البعض.

على كل ثائر أن يقاتل قتاله الخاص، كل مساء عليه أن يواجه وجه زوجته المتعب ومشهد أطفاله وهم في خطر الجوع والبؤس، عليه أن يواجه الدموع المخفية للمرأة أو الإجابة على شكوكها، عليه أن يقاتل ميول قلبه والشعور بالأنا في الحفاظ على نفسه والتنازل والإيمان بالجهد الجماعي.

الثورة هي ليست غاية في ذاتها، عليها أن تحرر الإنسان من القيود التي تكبله، الشعوب العربية تكافح كل يوم ضد الموت الجماعي والرعب والخراب. حينما تعاني الشعوب في حياتها الكثير من العذاب والاضطهاد اكثر مما كان في نيتها أو تصوراتها عندئذ تشعر بأنها بحاجة إلى شيء ما يعوضها عن ذلك. واعتقد أن الثورات العربية هذا هو دافعها الآن، وإنها ستكون سعيدة وتتعزى بثمار جهودها. إن تحريرنا كبشر لا يتأتى إلا عبر اليقظة الدائمة وتحطيم مؤسسات القمع التي تمتص دماء الناس وتريدهم أن يبقوا نياماً.

كاتب عراقي مقيم في أمريكا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية