نتنياهو وترامب… كيف سيحققان للفلسطينيين أحلامهم؟!

حجم الخط
0

الرئيس دونالد ترامب الذي يجسد المس بشرعية القرارات الدولية تبناه بنيامين نتنياهو وحكومته وكل من يرفضون أي اتفاق سياسي مع الفلسطينيين. بعد الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل وضم هضبة الجولان بصورة تناقض المادة 2 من ميثاق الأمم المتحدة الذي يمنع امتلاك أراض (فرض سيادة) بالقوة، وقرارات الأمم المتحدة 242 و252 و476 و338 وغيرها، فإن عيون نتنياهو وشركائه تشخص نحو صفقة القرن. الرفض المتوقع من الفلسطينيين سيعتبر في حكومة إسرائيل فرصة لضم الجانب المستوطنات في الضفة الغربية بصورة أحادية، خلافاً لرسالة الضمانات الأمريكية التي أعطيت في العام 1991 لـ م.ت.ف، وبالأساس بخلاف كامل مع قرار مجلس الأمن 2334 من العام 2016 الذي نص على أن المستوطنات غير قانونية (قرار أيدته 14 دولة من بين الـ 15 عضو في مجلس الأمن وامتنعت الولايات المتحدة عن التصويت).
هذه الخطوة ستكون تعبيراً آخر عن استخفاف إسرائيل بالمجتمع الدولي والاستناد الحصري على إدارة ترامب الجمهورية الهجومية بصورة غير مسبوقة. تحالف نتنياهو يعتبر دعم ترامب فرصة لتوسيع سيادة إسرائيل إلى ما بعد خطوط الرابع من حزيران 1967 (وشرقي القدس)؛ هذا رغم أن تاريخ النزاع الإسرائيلي الفلسطيني الذي عمره أكثر من مئة سنة يعلمنا أموراً أخرى بشأن تأثير الموقف الدولي على الحدود المعترف بها لدولة إسرائيل، وتقسيم أراضي البلاد.
صك الانتداب من العام 1922 يعتبر في نظر الحركة الصهيونية ـ وطرح من قبلها ـ كمصادقة على تأسيس الوطن القومي على كل أراضي إسرائيل الغربية، أيضاً إذا كان وعد بلفور والكتاب الأبيض (الأول) لتشرتشل قد نصت على أمور مختلفة بصورة صريحة. في المقابل، العرب الذين كانوا يشكلون 90 في المئة من السكان رفضوا تصريح بلفور وصك الانتداب، وطالبوا بإقامة دولتهم على 100 في المئة من أرض فلسطين الانتدابية. البريطانيون الذين هم مبعوثو عصبة الأمم، رفضوا الطلب العربي.
الثورة العربية في 1936 والميزان الديمغرافي الذي لا يزال يميل بشكل واضح لصالح العرب والتطورات السياسية في الشرق الأوسط وفي أوروبا أوجدت اقتراح لجنة بيل (1937) لإقامة دولة يهودية على 17 في المئة من أراضي البلاد. الحركة الصهيونية برئاسة حاييم وايزمن ودافيد بن غوريون تبنت فكرة التقسيم، لكن الوكالة اليهودية اقترحت خطة تقسيم طلبت مضاعفة المساحة إلى 34 في المئة من مساحة البلاد. العرب رفضوا ذلك بشكل مطلق وفي النهاية سحب الاقتراح.
قرار التقسيم من تشرين الثاني 1947 منح الدولة اليهودية 55 في المئة من مساحة الأرض والدولة العربية 45 في المئة منها. في حين أن الجسم المنفرد الذي يضم القدس بقي تحت سيطرة الأمم المتحدة. اليشوف اليهودي الذي كان يعد فقط ثلث سكان البلاد تبنى بحماسة التقسيم الذي اقترح في بداية السنة نفسها من قبل بن غوريون. وقد نص على أن «الترتيب الفوري الوحيد المحتمل الذي فيه أساس إنهاء الوضع هو إقامة دولتين، دولة يهودية ودولة عربية»، وأعلن في أيار 1948 عن إقامة الدولة «على أساس قرار الجمعية العمومية للأمم المتحدة». عرب إسرائيل واصلوا رفض التقسيم، والمفتي الحاج أمين الحسيني أعلن: «أمة تتطلع للحياة لا توافق على تقسيم وطنها». بعد ذلك كتب في الميثاق الفلسطيني «تقسيم فلسطين من العام 1947 وإقامة دولة إسرائيل هي أمور باطلة من الأساس».
حرب الاستقلال اندلعت بمبادرة العرب، كما أعلن بشكل استفزازي جمال الحسيني، ممثل اللجنة العربية العليا، أمام مجلس الأمن في نيسان 1948: «ممثل الوكالة اليهودية قال لنا أمس بأنهم ليسوا هم الطرف المعتدي، وأن العرب هم الذين بدأوا القتال… عملياً، نحن لا ننفي هذه الحقيقةـ، لقد قلنا للعالم… نحن لا نوافق على تقسيم فلسطين الصغيرة… وننوي القتال». في نهاية الحرب تحول الفلسطينيون إلى شعب لاجئين وغابوا عن الخطاب السياسي حول مستقبلهم، وانتقل تمثيلهم إلى الدول العربية. إسرائيل الفتية قامت بتوسيع حدودها لتشمل 78 في المئة من مساحة البلاد، وفرضت القانون الإسرائيلي عليها. المجتمع الدولي اعترف بهذه الحدود كخطوط لوقف إطلاق النار.
حرب الأيام الستة في العام 1967 ولدت قرار 242 (الأرض مقابل السلام) الذي اعترف ضمناً بخطوط حزيران 1967 بالنسبة لإسرائيل، لكن الأمم المتحدة واصلت تجاهل الفلسطينيين ورفضت مصر أي اعتراف بإسرائيل. قرار م.ت.ف الاعتراف بقرار التقسيم وقرار 242 في نهاية العام 1988 ولد عدداً من القرارات في الأمم المتحدة التي أدت في العام 2012 إلى الاعتراف بفلسطين كدولة غير عضوة ضمن حدود 1967. أي على 22 في المئة من أرض فلسطين الانتدابية.
منذ العام 1967 إسرائيل القوية بصورة لا تقارن بما كانت عليه في 1948، والتي تملك تفوقاً عسكرياً على الفلسطينيين وعلى الدول العربية المحيطة بها، لم تحظ بالاعتراف الدولي على أي خطوة قامت بها لتوسيع حدودها من طرف واحد ـ ضم شرقي القدس وهضبة الجولان. حدودها مع مصر والأردن اللتين تبنتا قرار 242 واعترفتا بإسرائيل، تم تحديدها في اتفاقات السلام مع الدولتين حسب الحدود الانتدابية لدولة إسرائيل. انسحبت إسرائيل من جنوب لبنان حسب قرار الأمم المتحدة 425 من العام 1978. وانسحبت من القطاع بشكل أحادي الجانب إلى الخط الأخضر.
هذه العلائم التاريخية في القرن الماضي تعلمنا أن الطرفين خرجا إلى طريق النزاع، وكل واحد منهما يقول «كلها لي»، والمجتمع الدولي وقف بشكل عام من وراء الحركة الصهيونية. الفهم الأساسي الذي تسرب إلى الوعي والموقف الدولي بأن الأمر يتعلق بـ «صراع بين حركتين قوميتين طلباتهما لها مصداقية وليس بالإمكان تحقيقهما معاً إلا بالتقسيم». هذا الفهم فتح الباب أيضاً للفلسطينيين، لكن رفضهم المستمر بعدم الاعتراف بحق الشعب اليهودي في دولة في أرض إسرائيل وقبول قرارات المجتمع الدولي قلص بالتدريج المنطقة المخصصة للدولة العربية: في اقتراح لجنة بيل المنطقة العربية (تحت حكم عبد الله الأول، أمير شرق الأردن) بلغت 70 في المئة من مساحة البلاد. وفي العام 1947 بلغت 45 في المئة، وفي 1988 بلغت 22 في المئة، كما اعترف محمود عباس في مقابلة في 2008. «لقد ضاعت فرصة التقسيم لسنة 1947 وقبلها ضاعت فرصة تقسيم لجنة بيل، لكننا لا نريد إضاعة فرصة أخرى. بناء على ذلك، وافقنا على تقسيم 1948 و1967 التي لا تشمل أكثر من 22 في المئة من فلسطين التاريخية».
الحركة الصهيونية التي كانت تحت قيادة وايزمن وبن غوريون والتي تعاونت مع الموقف الدولي، زادت مساحة الدولة اليهودية على التوالي من 17 في المئة إلى 55 في المئة وفي النهاية 78 في المئة من مساحة البلاد. الاستنتاج واضح ـ الجانب الذي وقف مع القرارات الدولية حظي في نهاية المطاف بالقسم الأكبر من البلاد.
ثمل القوة الذي يعاني منه ائتلاف نتنياهو والذي يحظى بدعم الإدارة الأمريكية لا يسمح له باستيعاب هذا الفهم. نفتالي بينيت الذي أطلق في بداية 2012 خطته لضم مناطق ج، تعامل بنفي وغطرسة مع رأي المجتمع الدولي: «العالم لن يعترف بسيادتنا هناك مثلما لا يعترف بسيادتنا في حائط المبكى وأحياء رموت وغيلو في القدس وكذلك في هضبة الجولان، لكنه سيتعود على ذلك مع الوقت». الكثير من أعضاء الائتلاف الذين يطلبون ضم معظم الضفة يكثرون في السنوات الأخيرة من ذكر، ولو بصورة غير دقيقة، السطر الأخير في خطاب وزير الدفاع بن غوريون في استعراض للجيش الإسرائيلي في عيد الاستقلال في 27 نيسان 1955، «مستقبلنا غير متعلق بما يقوله الأغيار بل بما يفعله اليهود». وتطرقه لأقوال رئيس الحكومة موشيه شريت الذي قال إن قرار التقسيم عمل على إقامة إسرائيل، في جلسة الحكومة التي عقدت في 29 آذار 1955: «شجاعة اليهود هي التي أقامت الدولة وليس قرار الأمم المتحدة». كل هؤلاء يتجاهلون موقف بن غوريون في معظم الحالات حول أهمية ووزن المجتمع الدولي مثلما أوضح في 1956: «سيكون من الخطأ إذا قال أحد ما إنه ليس هناك قيمة حقيقية للأمم المتحدة. الأمم المتحدة هي المنصة السامية للرأي العام الإنساني في عصرنا… يجب عدم الاستخفاف بالقيمة الكبيرة للرأي العام هذا». وهم يتجاهلون أيضاً استيقاظ بن غوريون بعد حرب سيناء من طموحاته لإقامة مملكة داود الثالثة التي شملت ليس فقط سيناء، بل نصف الأردن أيضاً وهضبة الجولان وجنوب لبنان. هذا الطموح تم استبداله بعد انسحاب إسرائيل من شبه جزيرة سيناء، الذي فرض من قبل الدول العظمى، استبدل بفهم آخر، مثلما قال في مقابلة مع الصحيفة في تشرين الأول 1959: «من يعتقد أنه يمكن الآن أن حل القضايا التاريخية بين الشعوب بالقوة العسكرية لا يعرف العالم الذي نعيش فيه». وأضاف: «كل قضية محلية أصبحت الآن دولية، لذلك، علاقاتنا مع أمم العالم لا تقل أهمية عن قوتنا العسكرية، التي يجب علينا مواصلة تطويرها من أجل ردع الهجمات ومن أجل الانتصار إذا اضطررنا للقتال».
إذا لم تتحرر إسرائيل من وهم الضم ولم ترفع المعارضة عن إقامة دولة فلسطينية إلى جانبها فإن المجتمع الدولي سيقف إلى جانب الفلسطينيين عندما يغيرون مواقفهم ويطلبون مساواة في الحقوق في دولة واحدة. سيكون محزناً اكتشاف أنه بعد أكثر من مئة سنة فإن الطموح الفلسطيني لدولة عربية واحدة بين البحر والنهر مع أقلية يهودية آخذة في التضاؤل، سيتم تحقيقه على أيدي حكومة إسرائيل نفسها.

شاؤول اريئيلي
هآرتس 31/5/2019

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية