دمشق – «القدس العربي» : استمرت عمليات القصف والغارات الروسية – السورية في إدلب مهددة حياة أكثر من 3.5 مليون إنسان، وسط خلاف تركي – روسي حول معالجة ملف إدلب حيث تستخدم موسكو ورقة النازحين للضغط على أنقرة ودول الاتحاد الأوروبي المتخوفة من موجات لجوء جديدة من سوريا، وهو ما يصب في عرقلة مسار التسوية السياسية، ويجعل المسألة في إدلب رهن التجاذبات الاقليمية والدولية في المقام الأول.
مسؤولية تركيا
ففي تطور لافت يشير إلى توتر بين موسكو وأنقرة، ردت روسيا ببرودة على الطلب التركي ورفضت إيقاف الهجمات على إدلب ومحيطها، بالرغم من انها لا تمتلك كثيراً من الوقت في معركة الشمال السوري، بعدما انقضت قرابة أربعة أشهر على بدء التصعيد، دون تحقيق النتائج المرجوة منه، لاسيما ان إصرارها هذا يترتب عليه دفع المزيد من التكاليف الباهظة.
ومع استمرار الجولة الخطيرة من التصعيد العسكري في الشمال السوري، قال مكتب الرئيس التركي رجب طيب اردوغان في بيان له، إن الرئيس أبلغ نظيره الروسي فلاديمير بوتين بضرورة تطبيق وقف إطلاق نار في إدلب السورية للحيلولة دون مقتل المزيد من المدنيين وتدفق اللاجئين على تركيا، وأضاف البيان أن اردوغان قال لبوتين في اتصال هاتفي يوم الخميس إن سوريا في حاجة إلى حل سياسي، لكن الكرملين استخدم نبرة مختلفة في بيانه المنشور على موقعه على الإنترنت بشأن الاتصال الهاتفي بين بوتين واردوغان، حيث أوضح أنه يرى أن بعض القتال ينبغي أن يستمر مما يلقي الضوء على التوتر بين موسكو وأنقرة بشأن تلك المسألة.
خبراء ومراقبون لـ«القدس العربي»: لا حل بدون تفاهم روسي – أمريكي
وقال الكرملين حسب رويترز «لاحظنا أهمية تكثيف عملنا المشترك لتحقيق الاستقرار في محافظة إدلب بما في ذلك اتخاذ إجراءات فعالة لتحييد الجماعات الإرهابية» مضيفاً «تم التركيز على أهمية تكثيف عملنا المشترك لتحقيق الاستقرار في محافظة إدلب بما في ذلك اتخاذ إجراءات فعالة لتحييد الجماعات الإرهابية».
وذكر الكرملين أمس الجمعة أن منع المتشددين في إدلب السورية من قصف أهداف مدنية وروسية مسؤولية تقع على عاتق تركيا، وجاءت تصريحات المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف رداً على سؤال عن اقتراح من الرئيس التركي رجب طيب اردوغان بتنفيذ وقف لإطلاق النار في إدلب.
ويبدو ان مصير إدلب سيبقى مرهون بعلاقات ثلاثي استانة، التركي – الايراني – الروسي، وبشكل خاص بين تركيا وروسيا، ومع بروز التوتر بين الجانبين، يقول البروفيسور خطار أبو دياب أستاذ العلاقات الدولية في جامعة باريس والخبير والباحث في الجيوبوليتيك، ان الضغط سببه «اجتذاب تركيا» ويتوقف على حسب تموضعها، «فهناك مسألة صفقة «إس 400» ومسألة الغاز شرق المتوسط، وفي ذلك تحاول تركيا لعب أوراقها وتعيش نوعاً من محاولة استمالة الروس ولكن من دون عداء مع الولايات المتحدة». لكن الغريب حسب البروفيسور أبو دياب هو ان الجانب الروسي يزيد من الضغط على تركيا في هذه الفترة الحساسة ويحاول في كل من تل رفعت او إدلب، المس بما تعتبره تركيا مصالح لها.
وما يعمق التوتر في العلاقة بين الجانبين من وجهة النظر الروسية، ان انقرة لم تلتزم بحل التنظيمات المصنفة متشددة (النصرة سابقاً) لكن وفي مطلق الأحوال، يحاول النظام السوري ان يستفيد ليواصل نهجه التدميري واستعادة ما يعتبره ضرورياً في انهاء كل المعارضة له في سوريا.
تكلفة عالية
وتحدث أبو دياب لـ «القدس العربي»، عن أكبر موجة نزوح اليوم تعاني منها سوريا، «وسط وضع انساني مريع، ونحن على شفا كارثة انسانية كبيرة اذا استمرت الهجمات وهذا التصعيد الاعنف منذ فترة، ولذلك الضغط الروسي يتوازى أيضاً مع ضغط امريكي وغربي على روسيا من اجل عدم الاستمرار في المحرقة في ادلب».
وفي رأيه فإن البعض يريدون جعل إدلب «تورا بورا» جديدة في سوريا، لكن الفارق ان ادلب تحوي على 4 ملايين انسان، ما يدل على وجود استهتار بأدنى مفاهيم القيم وقتل ونفي للإنسانية، ولذلك لن تحل ازمة ادلب حسب المتحدث «اذا لم يكن هناك تحرك امريكي جدي للضغط على موسكو، على الرغم من كل محاولات تركيا ومساعيها لدعم الفصائل الثورية على الأرض، لكن الأمل مفقود من دون تحرك امريكي، لان المجتمع الدولي كمجلس امن، معطل، بالفيتو الروسي». وامام ما تقدم، يشير أستاذ العلاقات الدولية في جامعة باريس إلى وجود نوع من الصراع على تركيا، فالولايات المتحدة لا تريد لانقرة ان تغير وجهها الأطلسي، دون ان تحترم مصالحها، وبموازاة ذلك، فإن روسيا ايضاً تضغط عليها لتصبح منفتحة عليها دون ان تحترم مصالحها الامنية وهو ما يخلق مزيداً من الاشكالات بالنسبة لتركيا.
لا تمتلك روسيا كثيراً من الوقت في معركة ادلب والارياف الملاصقة بها، بعد مضي نحو 120 يوماً على خرق اتفاق اطلاق النار، بدون تحقيق نتائج ملموسة من هذه الحملة، حيث قرأ تأثير الاستمرار بالتصعيد الباحث السياسي عبد الوهاب عاصي، متحدثاً لـ»القدس العربي»، عن «التكلفة العالية مع صفر نتائج، حيث تنفق روسيا يومياً على عملياتها العسكرية مبلغاً يتراوح بين 2.4 و4 ملايين دولار وفق إحصاء سابق قدّمه المعهد البريطاني للدفاع. صحيح أنه لا يبدو أنّ هذه التكلفة تؤثر على الواقع الاقتصادي في روسيا، كونها غالباً من المبالغ المخصصة لوزارة الدفاع ضمن قانون الميزانية، لكنّها تعتبر خسارة عالية قياساً بانعدام المكاسب». إضافة إلى التأثير السلبي على العلاقة مع تركيا، أي وضع عثرة جديدة بين البلدين أمام الرغبة في تعزيز وتطوير العلاقات الثنائية ونقلها إلى الإطار الاستراتيجي.
ولفت إلى خطورة الانزلاق نحو مزيد من التعثّر في مسار أستانة والتشكيك بمدى قدرته على أن يكون مستنداً للحل، وبالتالي تكريس انسداد الأفق الذي يواجه ملفاته، وهذا يعني إخفاقاً في مقاربة روسيا إزاء إعادة الإعمار واللاجئين وغيرها.
ورأى عاصي ان استمرار المعارك، سوف يستنزف المزيد من القوة البشرية التي تعتمد عليها روسيا وهذا يضعف موقفها أمام إيران التي تزعم دائماً أنّها ركيزة العمليات البرية بالنسبة للنظام السوري وأنّ موسكو غير قادرة على النجاح بدونها. وبطبيعة الحال سيؤثر ذلك إيجاباً على موقف المعارضة السورية المسلحة التي تمتلك خزاناً بشرياً كبيراً. أما عن تأثير ذلك على موعد الانتهاء العملي لاتفاق وقف إطلاق النار، فقال المتحدث ان ذلك سيطول المدّة، ما يعني صعوبة في ضبط العمليات العسكرية وخطوط التماس على عكس الخروقات التي قد تكون نقاط المراقبة لدى كل ضامن قادرة على احتوائها. ويفتح هذا الأمر المجال إلى مزيد من الخطر والتهديد ضد القواعد العسكرية الروسية وانتشار قواتها في محيط الشمال السوري.