الأزمة الخليجية المفتعلة عبر حصار قطر تقود المنطقة إلى حافة الهاوية

سليمان حاج إبراهيم
حجم الخط
0

الدوحة ـ”القدس العربي”: تُعقد الأزمة الخليجية منذ افتعالها قبل عامين، إثر الحصار الذي فرضته كل من، الرياض، وأبو ظبي، والمنامة، ومعهما القاهرة، على الدوحة، أوضاع منطقة ملغومة، لا تتحمل مزيداً من الصراعات، وترسّخ حالة التوتر المزمن بين دول مجلس التعاون ومحيطها.

لم يكن محمد بن سليمان ومحمد بن زايد، عرابا ما أصبح يطلق عليها “الأزمة الخليجية”، يدركان سلفاً، أن القرار الذي مضيا فيه بتهور، سترتد نتائجه عليهما عكسيا، وتدخلهما نفقاً مظلماً، يفقدان معها تدريجيا ناصية التحكم في الأمر، مع ما يسببه ذلك من إزعاج.

ويرى المتابعون والمحللون لشؤون المنطقة، أن مضي دول الحصار، في خططها لتعميق الأزمة مع قطر، في محاولة للنيل منها، يعزز أساساً من حالة اللااستقرار التي تشهدها المنطقة بشكل عام.

الأزمة التي خُطط لها على مراحل، وكان موعد التنفيذ مرتبطاً بلحظة اختراق موقع وكالة الأنباء القطرية، قلبت الكثير من الموازين، وأشاعت أجواء قاتمة، تجعل من ترتيب البيت الداخلي أمراً بالغ التعقيد.

وضعية معقدة

الوضعية الحالية التي آلت إليها الأمور لخصتها مندوبة دولة قطر لدى الأمم المتحدة علياء أحمد بن سيف آل ثاني، بتأكيدها أن استمرار “الأزمة المفتعلة” ضد بلادها يلقي بتبعاته الخطيرة على أمن المنطقة واستقرارها.

المندوبة في كلمة لها باجتماع لمجلس الأمن ناقشت “الوضع في الشرق الأوسط” شددت صراحة على أن “التداعيات الخطيرة لهذه الأزمة، لا تتمحور حول الدوحة فحسب، بل تتعداها لمنطقة الشرق الأوسط عموما، وهي في الوقت نفسه تقوض الجهود الدولية في مجال حفظ السلم والأمن الدوليين”.

ووضّحت علناً أبعاد القرار الذي اتخذته الرياض وأبو ظبي، بإعلانهما أن الحصار يرمي إلى “تحقيق أهداف خاصة” بتأكيدها أن “الأمر برمته يتعارض مع أحكام القانون الدولي ويتنافى مع المبادئ الأساسية للنظام الدولي المتعدد الأطراف وأُسس العلاقات الودية وحقوق الإنسان”.

الأزمة الخليجية بنظرة معمقة للمشهد، ليست في بعدها الأساسي مجرد حصار مفروض على دولة، تتعامل بواقعية مع الوضع الناجم عنه، بل هي تتجاوزه إلى مستوى أعمق، ويتعلق بكينونة دول مجلس التعاون الخليجي التي تواجه تحديات مستعصية تزداد تعقيداً يوماً بعد يوم.

هذا الطرح يتوافق مع ما صرح به رئيس مجلس إدارة شبكة “الجزيرة” الشيخ حمد بن ثامر آل ثاني، من أن أزمة حصار قطر ضربت المنظومة الخليجية في عمقها وهددت أمن دوله جميعها، ومعها قدرتها على التأثير في محيطها.

الخصومة التي انعكست سلباً على سلوك حكام السعودية والإمارات، خلقت حالة جديدة غير معهودة في المحيط العربي، وصلت حد تكريس خط فاصل بين مواقف الدول مع أو ضد الحصار، وكانت محل استهجان عواصم كثيرة لم تر نفسها مجبرة على الانقياد لهذا المسار التخريبي. وهو الموقف الذي طبع ردة فعل عدد من العواصم مثل الرباط والجزائر وتونس التي عبرت صراحة عن النأي بنفسها عن مشكلة مفتعلة ولم تسحبها دول الحصار لحلفها.

ولعبت العاصمتان على وتر المساعدات، وورقة الدعم، لإغراء عدد من الدول المحدودة الإمكانيات لتساير خطواتها التصعيدية وإلا ستتعرض للعقاب وفق منظورها.

وقامت الرياض وأبو ظبي من لحظة افتعال الأزمة مع قطر بتجييش دبلوماسي سعت من ورائه لشيطنة جارتها، وتضييق الخناق عليها وسحبها من محيطها وتصويرها خطراً محدقاً بأمن المنطقة، وهي خطوات لم تؤت أكلها، وتحقق عكسها تماماً.

كان واضحاً أن عدداً من الدول انساقت مجبرة خلف ضغوط رباعي الحصار، وابتعدت عن الدوحة، لكنها ما لبثت أن حادت عن المسار في أول فرصة أتيحت لها.

التشاد وجزر القمر وإرتيريا، نماذج دول أعادت سريعاً بلورة موقفها بشكل عملي من دون أي استجابة لضغط فرض عليها.

محاولات بن سلمان وبن زايد تهميش الدوحة منذ فرض حصارهما عليها، لم تحقق حتى الآن ما كان مخططاً لها، وتمكنت قطر من تجاوز تلك الدائرة التي رسمت على حدودها وأبرزت عدالة موقفها.

وخابت آمال رباعي الحصار حينما وجدت نفسها في معركة ديبلوماسية خسرت رهانها سريعاً مع رفض أطراف المجتمع الدولي الاعتراف بنهجها ووثقت علاقاتها بشكل أعمق مع الدوحة في قارات العالم، ليكرس الأمر من فداحة موقف المحاصِرين الذين ارتدت عليهم المؤامرة التي حيكت بليل.

قرع طبول الحرب

أبعاد الأزمة الخليجية، وتبعات الوضع الهش الذي خلقته حالة الانقسام الذي تشهده دول مجلس التعاون، تتضح أكثر مع ارتفاع منسوب التوتر في المنطقة، وتحديداً مع الصخب الذي تثيره طبول الحرب التي تقرعها ذات الأطراف المتسببة في حصار قطر.

وتسارع العواصم المتسببة في الأزمة خطواتها ركضاً، نحو واشطن طلباً لدعمها واستجداء لموافقاتها ومباركة نهجها، وفي الوقت نفسه تقديم الإغراءات، حتى يساير نزيل البيت الأبيض أهواءها، ويحرك أساطيله نحو الخليج مثلما تحلم لشن حرب جديدة على غريمتهم طهران.

دونالد ترامب الذي يحسب جيداً تحركاته، يستغل حالة التشظي التي يعيشها حلفاؤه، ليبتزهم أكثر، وهو ما عبر عنه في عدد من المرات، بتأكيده على ضرورة دفع السعودية المزيد مقابل حماية بلاده للمملكة.

استغلال الرئيس الأمريكي للأزمة الخليجية، لا ينحصر فقط بمطالباته العلنية للملك سلمان لتحرير دفتر شيكاته والدفع، بل يتعداه إلى جرها لسباق تسلح خطير يستنزف مقدراتها ويحد من نسب نموها ويرهن مقدراتها بسبب ارتفاع موازنات التسليح.

وضاعفت السعودية مؤخرا مشترياتها، وتحديداً من المصانع الأمريكية، تنافسها في ذلك حليفتيها أبو ظبي والمنامة، وبدرجة أقل الدوحة، كنتيجة وتحصيل للأزمة التي تشهدها دول المجلس، التي تواجه أصعب تحد في تاريخها، يكاد يعصف بكيانها.

المملكة العربية السعودية، الطرف الأساسي في الأزمة الخليجية المفتعلة، تعاني من تبعات السياسات التي خلفها ولي عهدها الأمير، الذي ورط بلاده في أزمات ومشاكل لا حصر لها.

بن سلمان الذي يحشد الدعم لمشروعه الأزلي، وهو توجيه ضربة لغريمته إيران، وبتعبيره ضمناً عن استعداد بلاده التكفل بتبعات أي حرب، يتجاوز بتهوره هذا، منطق الحسابات الاستراتيجية المبنية على معادلات الربح والخسارة، والقائمة على موازنة بين المقدرات وردود الفعل العكسية.

وإلى جانب الخلاف مع جارته الدوحة، يعجز بن سلمان عن وضع حد لحرب اليمن التي تؤرقه، وتجعله محشوراً في زاوية ضيقة وهي تتزامن مع تحشيد حلفائه لحرب إيران.

حالة عدم اليقين التي تثيرها الرياض وأبو ظبي بالأزمات المفتعلة مع الدوحة ثم أنقرة وطهران، تعزز من مخاوف من الصدام المأساوي الذي قد لا يريده أي طرف.

وينسب إلى الباحثة إليزابيث ديكنسون من المجموعة الدولية لمعالجة الأزمات تصريح لخصت فيه الأزمة الحالية بالتأكيد: إن “المنطقة تقع على حافة السكين، وإن التصعيد في حد ذاته لن يخلق سوى مخاطر جديدة”.

صعوبات وأزمات

الاستنفار الذي قامت به تحديداً الرياض وأبو ظبي، لم تكن تبعاته فشلاً ديبلوماسيا بيّناً، بل تعداه لمعادلاتها الاقتصادية، مع تراجع نسب نموها وتأثر مناخ استثماراتها، سواء لمشاريع بن سلمان السابقة التي تأثرت بهذه التوترات، أو دبي التي عانت كثيراً من هذه الحالة.

البيانات الرسمية توضح مواصلة الاقتصاد السعودي تباطؤه، وانحسار أعمال القطاع الخاص بشكل ملموس، وتراجع الأوضاع المالية، مقارنة بالأعوام الأخيرة الماضية.

ووفق النشرة الإحصائية الأخيرة لمؤسسة النقد العربي السعودي، فإن إجمالي الموجودات لدى المؤسسة تراجع في الربع الأول من العام الجاري إلى (504.5 مليار دولار)، مقابل (744.5 مليار دولار) نهاية 2014.

وأشارت البيانات إلى سحب كبير في ودائع البنوك بالخارج، لتصل قيمة الودائع نهاية الربع الأول من 2019 إلى 392.6 مليار ريال، مقابل 405.5 مليار ريال بنهاية الربع الأول من العام الماضي، ونحو 510.9 مليار ريال بنهاية 2014.

هذه الأرقام تأتي متزامنة مع ارتفاع في أسعار المواد وتراجع مناخ الاستثمارات وبيئة العمل المحلية بشكل عام نتيجة الاختلالات الحاصلة في الموازنات.

تباطؤ نسب النمو الاقتصادي لم تكن النقطة السلبية الوحيدة في البيئة الداخلية للمملكة ودول الحصار عموماً التي تواجه شعوبها وضعاً غير مألوف تسببت فيه قرارات أدت إلى شرخ بين شعوب المنطقة التي عاشت في وئام وسلام لم تفسده العلاقات السياسية المتوترة بين دولها.

نمو الاقتصاد القطري

الأوضاع في قطر بعد سنتين من الحصار مخالفة لتوقعات الدول المحاصِرة التي بهتت بأداء اقتصاد غريمتها التي تتعافى تدريجياً من تبعات الأزمة وتمضي قدماً نحو تعزيز استقرار بيئتها المحلية.

وتوقع البنك الدولي، أن يسجل اقتصاد قطر معدل نمو 3.4 بالمائة بحلول 2021، مدفوعا بنمو أعلى في قطاع الخدمات مع اقتراب كأس العالم في 2022، مقابل 2.1 في المئة في 2018.

وقال البنك الدولي، في تقرير حديث، إن اقتصاد قطر ارتفع إلى 2.1 في المئة في 2018، مع تعافي النشاط الاقتصادي من آثار الحصار.

ولفت التقرير إلى أن الاقتصاد القطري، تغلب “إلى حد كبير على القيود التي سببها الحصار”.

وأضاف التقرير أن زيادة الإنفاق على البنية التحتية الخاصة بمشاريع رؤية قطر الوطنية 2030، التي تهدف إلى تنويع مصادر الاقتصاد، تساعد في تعويض انخفاض الإنفاق الاستثماري على مشروعات كأس العالم.

وأكدت قطر نهجها الواضح في التعامل بـ”حكمة” مع الأزمة وقالت إنّ تعاملها يتم وفق القانون الدولي وفي إطار الآليات الدولية القائمة لحل النزاعات، معتبرة أن للأزمة آثاراً خطيرة على استقرار المنطقة وتماسكها.

ويأتي تأكيد قطر لخيار حل الأزمة عبر طاولة الحوار، عقب تصريح وزير الخارجية ونائب رئيس الوزراء الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، قال خلاله إن الدوحة خطت منذ بداية الحصار إلى الأمام، في محاولة لحل الأزمة الخليجية، لكن الدول المحاصِرة “أبت حتى الجلوس للتحاور”.

المسؤول اختصر الموقف الحالي بتأكيده: أن الأزمة الخليجية لم تراوح مكانها ولم تحدث أي خطوة أو تحركا منذ قمة دول مجلس التعاون الخليجي والتي كان من المتوقع أن تحدث بعض الانفراج.

وتلعب الدول المحورية وتحديداً طهران، على وتر الخلافات الحالية لتتشدد في مواقفها مدركة أن غرماءها وهم الرياض وأبو ظبي أضعف من أي وقت مضى ولن يساير حلفاؤهم في واشنطن جميع خططهم.

ويدرك الساسة في الولايات المتحدة وصناع القرار بعيداً عن المقربين من الرئيس ترامب المأزق الحقيقي الذي تواجهه دول الحصار، ويضغطون للحيلولة بدون انسياق رئيسهم خلف إغراءات تهدف أساساً لتخفيف الضغوط التي سببتها سياساتهم المتهورة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية