تفعيل التطبيع أو الممانعة.. أوسلو جديدة علي مستوي النظام العربي
مطاع صفدي تفعيل التطبيع أو الممانعة.. أوسلو جديدة علي مستوي النظام العربيلم يعد العالم العربي وطن المشكلات البالغة مستوي الكوارث العامة فحسب، لكنه أمسي كذلك مقراً نموذجياً للحلول الممنوعة، أو لامتناع الحلول. بما يعني أنه بقدر ما تنمو المشكلة وتتعاظم، حرة من أية رقابة أو تدخل في آليتها، بقدر ما يُفتقد الشعور بضرورة معالجتها. وبالتالي تصير المشكلة وامتناع الحل شيئاً واحداً.ما أن تظهر المشكلة حتي تظهر معها استحالة المعالجة. ذلك الوضع راح يتعدّي التأويل السياسي لأسبابه وآليته. فقد غدا أشبه بتصحير إنساني يتناثر رمالاً طائشة كلما هبّت عاصفة هوجاء في بُلْقَعه. نقول هذا ونحن لا نكاد نصحو من هول فجائي مجاني حتي نقع فيما هو أدهي وأفظع. فالمهالك الجماعية حسب النمط العراقي، أخذت تخترق التخوم، وتقفز دفعة واحدة إلي أقصي الجناح المغربي. هذا لا يعني بالطبع أنها تخلت عن بقية المشرق. لكنها هناك تنتظر متحفزة في خلايا الصراعات الظاهرة أو المكبوتة في مختلف أقطاره.هكذا تتساقط أحلام المجتمع المدني. تنتحر المعارضات السياسية قبل أن تشبّ عن الطوق. ينسحب الفكر من أندية الحوار والنقاش ليحل مكانه جدل المذهبيات والعنصريات اللاهوتية الجديدة. تتجمد العقول والألسنة حول تعاويذ الحلال والحرام عند هذه (الفرقة) ضد الفرق الأخري. يفقد الناس أسماءهم الأصلية، ويتكنّون بطوائفهم وعشائرهم. مثلاً، لبنان الثقافة والحرية والجمال يجدُّّ في إشادة المتاريس السياسوية الفئوية، تمهيداً لمتاريس المناطق والحارات والأزقة. صار الجميع فيه يهدد الجميع، وبأداة الحرب الأهلية. فقد وصلت الحوارات العقيمة إلي الحد الذي أمست أكبر الأطراف تنادي علي العنف كآخر منطق لحسم الموقف بين منتصر ومنكسر. بينما العنف لا يحسم إشكالاً أهلوياً إلا ليضاعفه بإشكالات دموية رهيبة، يصير فيها الكل قاتلاً للكل ومقتولاً به. فماهي المسألة (الصورية) علي الأقل. إنها اختلاف قادة الولاء والمعارضة حول المحكمة الدولية والحكومة (الوطنية). كلاهما معاً؛ أو أن أحد الهدفين يسبق الآخر، ثم ينعكس الأمر. فأقطاب المعارضة يخشون تدويل وصاية دولية، تحت إشراف مجلس الأمن، تتحول سريعاً إلي جولة استعمار أمريكي اسرائيلي جديد ومباشر. أما الموالاة فهي المتهمة بالإصرار العلني علي استدعاء الخارج الدبلوماسي، وربما العسكري، لتحتمي به من نصف الداخل، أو من أكثريته الشعبية. فهي ليس لديها فوارق كبيرة بين أن تكون حليفة لهذا الخارج المشبوه، أو مجرد أدوات له.أما حقيقة الإشكالية السياسية فهي أن صراع لبنان مهما تقنع وراء واجهات طائفية متوارثة، أو مذهبية مستجدة (سنة / شيعة)، أو خلف شعارات سياسية ملتبسة دائماً، فإنه اتسم في مختلف الظروف، بكونه صراعاً (علي) لبنان، إقليمياً ودولياً. فليس ثمة فئة سياسية في هذا المعسكر أو ذاك إلا وهي ضلع في مركَّب هندسي يتجاوز التشكيل اللبناني. هذه الواقعة ليست جديدة؛ إنها جزء، بارز ورئيسي، من خارطة الإقليم الجيوسياسية. وتخضع لها بقية أقطار الإقليم. إلا أنها مع لبنان تبلغ هذه الخاصية ذروتها، وتحديداً إبان الظروف الملتهبة الراهنة التي تعم إقليم المشرق منذ الغزو الأمريكي للعراق. فلبنان ( يظهر) الحدث المشرقي والعربي بصورة عامة. وتكاد أحداثه الداخلية لا تتحدث عن نفسها بقدر ما تنوب عن أحداث جيرانها الواقعة أو المنتظرة، ترميزياً علي الأقل، وسواء جرت في خط المصلحة العامة أو عارضتها.في المشرق ليس ثمة خط وطني محلي إلا وهو امتداد لوطنية أشمل تعمّ الإقليم. وحينئذ يمكن أن تندرج تحت المصطلح القومي الشائع. هذه الجدلية بين الوطني والقومي عائدة في أصلها إلي وحدة المساحة الجيوسياسية لكل من بلاد الشام والرافدين. وإنها الوحدة الأقدم قدم الأرض نفسها والتي عبرت عنها سلسلة الحضارات المتداخلة المتكاملة والمؤسسة لبواكير المدنية الإنسانية. إنها وطنية التاريخ في هذه الأرض؛ وهي المفرّّخة والحاضنة للممانعة في شتي عناوينها وصورها، ومن ظرف صراعي إلي آخر. فهناك دائماً من يمثل (العدو) الغازي عسكرياً أو سياسياً. ومقابلَه تنهض شعوب المنطقة بنماذج الممانعة. وفي الظرف الحالي يريد مثقفو الممانعة اللبنانية أن يستردوا الجوهري من تاريخها، والمتعين في هدف مركزي؛ الاستقلال والحرية. لكن الفريق الآخر يعتبر نفسه صاحب (ثورة الأرز)، والمنتقم لمقتل (بطل) هذه الثورة، رمزياً علي الأقل، وهو رفيق الحريري. لكن عملياً يصير التشبت بالوطن المستقل، يعني التفرد الفئوي بحكم البلد.هكذا ينقسم لبنان مجدداً تحت شعار واحد وهو الاستقلال. في حين يكاد المجتمع الدولي يتورط في المشكل اللبناني. أي أن الأزمة لا تستنفد حلولها الوطنية واحداً بعد الآخر فحسب. إنها تواجه حال امتناع أي حل كان. حتي المضي إلي الحرب الأهلية لم يعد في مستطاع أحد من فريقي الازمة المجازفة باختيارها. ومع ذلك فقد تجد البلاد نفسها أخيراً ساقطة في هاوية فوضي بنيوية شاملة لا قرار لها؛ ولن تقل تدميراً للدولة والمجتمع عن الاقتتال الأهلي المقصود لذاته، وقد يمسي من صنيعة هذه الفوضي، ومن أهم عوامل تغذيتها واستمرارها. وتفرض أهوالها العراقية، أو ما يشبهها، علي الفريقين معاً، حتي دون أن يسعي إليها أحدهما عن وعي وتدبير مسبقين، كما يتخيل ويتوهم.ليس لبنان وحده، وبعد العراق، هو الذي ينقسم علي ذاته هذه الأيام، مراوحاً في عتبة المهالك. لقد حقق النظام العربي، بناء علي إرادة (وحدوية) منقطعة النظير في تاريخه، قسمة العالمين العربي والإسلامي، مع إعلانه عن مشروع هرولة جماعية لحكامه نحو حضن إسرائيل، تحت حجة السعي إلي السلام. إنها القسمة التي لا تكتفي بتجذير الفصل بين الشعوب وحكامها فقط، بل قد تجذب إلي صف الحكام طبقة جديدة من منتفعي التطبيع الاقتصادي خاصة الذي سيكون الأول في فتح أبواب التعامل الشامل مع الدولة العبرية، وقبل أية (ثمرة) سلمية لصالح فلسطيني أو عربي. أما التطبيع الإعلامي فكان السبّاق، ومنذ استقالة حركة فتح من الثورة وأعبائها، إلي إعادة ملاءمة مواقفه ومصطلحاته وموضوعاته مع الانقلاب القومي الأخطر في قصة النهضة المعاصرة. حكام الجامعة العربية، المختلفون أزلياً منذ قيامها، اتفقوا لأول مرة، وتحت العباءة السعودية، علي مكافأة إسرائيل، بمساعدتها في تحقيق النقلة البنيوية من حال الاستيطان ضداً علي المواطن الأصلي، إلي حال (التوطن) بالتراضي مع الحكام، ليس وسط الجغرافية العربية فحسب، ولكن، وربما، في الصميم من المستقبل العربي الذي يصير مشتركاً مع الدولة العبرية! هؤلاء الحكام ارتضوا لأنفسهم أن يهرولوا جماعياً إلي تطبيع عملي، سيكون المحصلة الوحيدة للمفاوضات القادمة. وبذلك فهم يختلقون مسيرة أوسلو ثانية. يعاودون السير علي ذات الطريق الأوسلوي الملتوي بكل ألوان خداعه وتضليله للطرف الآخر العربي، الذي سيظل متشبثاً بأسطورة صلحٍ تام هذه المرة، وليس مجرد تسوية مرحلية علي غرار سابقتها. وقد آلت هذه إلي إعادة احتلال فلسطين كلها، واخضاع شعبها إلي سياسة الحديد والنار، واستشراء استيطان وحشي لم يُبق علي أي جسر تواصل بين منطقة وأخري. لن تخدع أوسلو الجامعة العربية أحداً حتي أكثر المصطفين وراءها إن لم يكونوا جميعهم. ولكنهم منساقون بالعصا السحرية لبوشية أمريكا الموشكة علي الانطفاءة الأخيرة.بل ربما ينبغي تصحيح هذه الفكرة. فليس معظم حكام أوسلو الجديدة منساقين بقدر ما هم متطوعون من أجل ألا تستحق البوشية هزيمتها المطلقة، عن كل مغامراتها الهمجية ضد أوطان العرب والاسلام. ومن أجل الا يَنَلْ النظام العربي حصته المشينة من (كنوز) هذه الهزيمة، باعتباره الشريك المزمن لأعظم طغاة البيت الأبيض. عندئذ يمكن أن يردّ بوش إلي فريقه من المحافظين الجدد أعلي ما يتمنونه من عرفانه بجميلهم، من النصح والارشادات الخبيثة التي منحوه إياها، ليغدو في المآل الأخير، أعظم رئيس خائب في تاريخ أمريكا برأي مؤسسة الحكم الأمريكي نفسها، وليس رأي الشعب وحده والمجتمع العالمي معه. إنه يمنحهم مجد إسرائيل المولودة مجدداً تحت هالةٍ من شرعية الاعتراف المزعوم بالكيان العبري وسلامه واستمراريته، من قبل أعدائه الوجوديين. تلك الشرعية (العربية؟) التي طالما افتقدتها إسرائيل منذ انزراعها، وقد عانت عقوداً طويلة، من كونها حدثاً طارئاً علي جغرافية الوطن العربي وتاريخه.صحافة إسرائيل التقطت المغزي الاستراتيجي الخطير للمبادرة العربية، اعتبرت أنها تقلب هزيمة إسرائيل في حرب تموز الماضي ضد لبنان إلي انتصار. إنها حقاً الهدية المجانية التي يقدمها أرباب النظام العربي الحاكم للمنهزم كيما يفرض وجوده، (المشروع) هذه المرة، علي مرتكبي (جريمة الانتصار)!العجيب، بل المضحك المبكي، أن أرباب هذا النظام، الفريد في تراث السياسة الكونية، بدلاً من استثمار النصر اللبناني في إنهاض نظرية الأمن القومي، وتفعيل خطط أخري قائمة علي رصيد النصر وأمثولته – وكان من المفترض أن يكون موضوع مؤتمر القمة الأخير – فإن الزعماء قلبوا رمزية المعركة، بحجة التهمة المذهبية؛ وانصاعوا للأمر الأمريكي بتشكيل محور المعتدلين، كيما يتكون اصطفاف شرق أوسطي – عربي صهيوني -، وهو الأول من نوعه، ضداً علي ثقافة الممانعة وتحشيداتها الشعبية، وسحقاً لانتصاراتها الراهنة والموعودة.الساحة اللبنانية ُتُظهر ملامح المعركة الجديدة. وفيها سيتقرر إن كان تفعيل الجامعة منتجاً للتطبيع أو للممانعة. لكن قارة العرب والإسلام هي المدعوة كلها لمنع ولادة إسرائيل (الشرعية)…9