سليم عزوز
أتابع هذه الأيام تصريحات بعض مقدمي البرامج في التلفزيون المصري من ‘الوافدين’ فأشعر بسعادة بالغة، لهذا الفائض من المشاعر الوطنية النبيلة، على النحو الذي يجعلنا نشعر بعظيم الامتنان لثورتنا المجيدة، لأنها فجرت هذه الطاقات الوطنية بما يكفي لإغراق دول الجوار.. يكفي أنهم قبلوا العمل بدون أجر، وتنازلوا عن ملايين الجنيهات حباً في مصر.’الوافدون’ اصطلاح للعاملين في مبني التلفزيون المصري، يصفون به الذين يعملون في المبني من الخارج، وهو نوع من التحزب القبلي المرفوض، فلا مانع عندي من ان يجلب القوم مقدمي برامج من غير العاملين في المبني، شريطة أن يكون الاختيار للأفضل، وان كان الحاصل هو أن اجتباء هؤلاء يكون إما بتوصية أمنية، أو بعلاقات شخصية، أو بمثابة مكافأة نهاية الخدمة في البلاط (لميس الحديدي نموذجاً) وهي كانت المسؤولة الإعلامية عن حملة الرئيس المخلوع، في الانتخابات الرئاسية الماضية، ولأنها قدم شؤم عليه، فلم يكمل دورته وغادر.
لميس الحديدي تقول الآن انها تؤيد عمرو موسى الأمين العام لجامعة الدول العربية، رئيساً للبلاد، فقرأت الفاتحة على روحه، وكنت قد عقدت العزم على تأييده لأنه من القلائل الذين يعجبون بكتاباتي، وأشاد بي على رؤوس الأشهاد وبدون سابق معرفة، وهو من اقترح على رئيس تحرير جريدة ‘الأحرار’ القاهرية في سنة 1999 أن اكتب عموداً يومياً، وعندما تدخل النظام البائد، ومنعني من القراءة والكتابة، والسير على رصيف أي صحيفة، أرسل أكثر من رسول يطلب مقابلتي، ليقف مني على حقيقة الموقف، لعله يستطيع أن يوقف هذا الاضطهاد، وكان رأيه الذي نقله لي الزميل عصام كامل، انه خسارة ألا اكتب في مصر، ولم أستجب للطلب.. حالة من الغُشم الصعيدي مستعصية على العلاج، لكن عذري أن الإنسان لا يخلق نفسه.
سيهب متربص الآن، ويعلن أن أحكامي عاطفية، وأنني كنت انتوي الوقوف مع مرشح للرئاسة بناء على صوت العاطفة لا العقل، وأبادر فأقول: نعم أنا عاطفي، ولدرجة انه عندما ألقى الرئيس المخلوع خطابه الثاني في ظل الثورة، وطلب ان نمهله لنهاية دورته في ايلول/سبتمبر المقبل لأنه يريد أن يدفن في مصر، أربك خطابه عاطفتي الجياشة، وبعد هذا أعد لي الشيخ طارق يوسف إمام مسجد ‘أولي الألباب’ في ‘نيويورك’ في اتصال هاتفي حجاباً معتبراً وواقياً من أحكام العاطفة، يتمثل في استحضار مفاسد الظالمين وجرائمهم. ومن حسن الحظ أن موقعة ‘الجمل’ كانت بعد ساعات فبددت تأثير خطابه، إذ تم اقتحام ‘ ميدان التحرير’ بالخيل، والبغال، والحمير، وبالبلطجية، وبضباط مباحث امن الدولة، ورابط القناصة على اعلى مبنى قريب، وكان يوماً من أيام الله.
في هذا اليوم كان هناك دور رائد للشيخ يوسف القرضاوي عندما أطق عبر قناة ‘ الجزيرة’ فتوي مفادها أن الذهاب إلى الميدان فرض للقادر عليه، للشد من عزيمة الثوار، وكانت ‘الجزيرة’ مشكورة تبث خطابه بشكل مستمر، وتوافد الناس على الميدان، ليبددوا الوحشة التي انتشرت في منطقة وسط القاهرة، بعد أن سيطر عليها السفلة بسيوفهم ومنعوا الطعام والأدوية عن الثائرين، ليقتلوهم بحصار الجوع.. وعندما جاء القرضاوي بعد ليلقي خطبة الجمعة في الميدان، قال حدثاء الأسنان، سفهاء الأحلام، انه جاء ليركب الثورة.
غزوة الصناديقحسنا لن أؤيد عمرو موسى في الانتخابات الرئاسية القادمة، وعذري انني مللت من الوقوف مع (الخسرانة)، وقد قالت لميس الحديدي انها ستؤيده، ومن قبل أيدت مبارك، فجرى له ما جرى. وعلى ذكر الملل من هذه المواقف، فيوم السبت الماضي وقفت لمدة ساعتين في طابور طويل عريض من اجل أن أدلي بصوتي وأقول (لا) على التعديلات الدستورية في يوم الاستفتاء، فإذا بمن قالوا (لا) يهزمون هزيمة ساحقة، في موقعة أطلق عليها الشيخ محمد حسين يعقوب ‘غزوة الصناديق’، وسط صيحات التكبير والتهليل التي انطلقت من سامعيه.
ولأن الأعصاب مشدودة في هذه الأيام، ولم يعد أي منا لديه القدرة على تحمل الآخر فقد اعتبر الذين قالوا (لا) أن هذا الشيخ، ومن خلال هذا الفيديو الذي انتشر في ‘الفيس بوك’ انتشار النار في الهشيم كان كاشفاً عن المؤامرة التي يخطط لها هؤلاء الجهلاء لركوب الثورة.
عشرات البرامج التلفزيونية كانت تحض الناس حضاً على ان يقولوا (لا) وبرنامج بقناة ‘ الجزيرة’ نسي مقدمه أنها قناة الرأي والرأي الآخر، فتحول إلى برنامج تعبئة لحض الناس على ان يقولوا (لا)، ومع ذلك فازت (نعم) .. وقد كان الشحن الديني على الجانبين، فبعض غلاة المسيحيين قالوا إن (لا) تستدعي وضع دستور جديد، بما يتسني إلغاء المادة الثانية التي تنص على أن ‘الإسلام هو الدين الرسمي للدولة، وأن مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع’، والجماعات الدينية رفعت شعار ‘نعم لله ورسوله ومن اجل الحفاظ على المادة الثانية’، واستغل الإخوان المسلمون المتعجلون، لانتخابات مجلسي الشعب والشوري، السلفيين بحدتهم في هذه المعركة، مع انه وبعيدا عن هذا الشحن، فان حضور الحركة السلفية للمشهد السياسي خصم من شعبية الإخوان. تشاهدون الشيخ محمد حسين يعقوب عبر قناة ‘الناس’ بخطابه الحاد، حتى يكاد يخرج يده من الشاشة ليصفع تارك الصلاة على قفاه.. وقد أبدى الرجل، على تشدده، مرونة عندما ظهر عبر الفضائية سالفة الذكر، وقال انه عندما تحدث عن ‘غزوة الصناديق’ ومن لم تعجبه نتيجة الاستفتاء فليترك البلد إلى أمريكا أو كندا.. كان يمزح.
عن نفسي استمعت للرجل وهو يزف البشرى للمسلمين عبر احدى القنوات بفوز (نعم) وكنت أتبسم ضاحكاً، وأتباعه يهتفون: ‘الله اكبر’، على نحو ظننت فيه أننا في قريش، مع أن كلا من ( نعم) أو (لا) موقف سياسي في الأصل، له وجاهته، فلا ( نعم) هي أمر الله و(لا) هي حكم الشيطان.
لكن غيري لم يتعامل مع ما قاله الشيخ يعقوب في إطاره، فتحول موقع ‘الفيس بوك’ إلى ساحة حرب.. وهناك من أخذتهم الجلالة فقالوا ان حكم مبارك أفضل من حكم هؤلاء. مع أن الشيطان نفسه لو حكم سيكون أرحم بنا من مبارك وعائلته، لكننا لا نستحضر أعمال الظالمين.
الشيخ محمد حسين يعقوب ذكر عبر قناة ‘الناس’ أنه كان يمزح عندما قال ان الذين لم يعجبهم حكم الأغلبية عليهم ترك البلد، فلم يكن جاداً بالتالي وهو يتعامل مع الذين قالوا (لا) على أنهم وافدون على مصر، لكن لميس الحديدي وافدة على التلفزيون.
العصبية القبليةلست مع الذين يتحدثون داخل مبنى التلفزيون المصري بمنطق العصبية القبلية في تقسيم من يعملون فيه وفق قاعدة ‘الوافدين’، و’أصحاب البلد’، شريطة أن يتم اختيار الكفاءات، وليس أهل الثقة، لأن سياسة التعيين داخل (ماسبيرو) كانت تتم في معظمها بالوساطة والمحسوبية، فجلب كفاءات من الخارج ليس مشكلة، لكن المشكلة هو ما وقف عليه القاصي والداني من تفاوت الأجور بين المستورد والمحلي.
وهذا ما تم تفجيره في حالة محمود سعد مقدم برنامج ‘مصر النهارده’، الذي وجد في الثورة فرصة للقيام بدور الزعيم السياسي، وهو على ثقة من انه إذا فشلت فان صديقه انس الفقي لن يمانع في عودته مرة أخرى، وكان قد توقف مع بدايتها، وعندما نجحت وعاد إلى المبنى، كان في حلقة مع عبد اللطيف المناوي لا نعرف فيها الضيف من المذيع، وتكلم عن الوزير وكان قد أقيل، والذي فاجأه بمداخلة هاتفية كان سعد فيها من الرافضين، وقام بالمن عليه بعطاء النظام البائد الذي يمنحه تسعة ملايين جنيه في السنة. وهو راتب مهول للغاية، وأسقط في يده.
لقد ارتبك محمود سعد وهو يقول انه يتقاضى أجره من الشركة المنتجة، ورد انس الفقي في ‘وصلة ردح معتبرة’ بأن الشركة المنتجة هي ‘صوت القاهرة’ المملوكة للتلفزيون، وقال سعد ان هذا المرتب من نسبته في الإعلانات، ولا يعلم أن هذا الاعتراف يسقط عضويته في نقابة الصحافيين، التي يشترط قانونها ألا يعمل الصحافي في الإعلانات جلباً، أو تحصيلاً، ولا يحصل منها على أي نسبة.
لا بأس، فيُعذر المرء بجهله، ففي اليوم التالي كان هذا الراتب الذي يتقاضاه صاحبنا هو حديث الناس في عموم القطر المصري، فبحث عن طريقة أخرى ليتجاوز بها محنته، فاستقال من البرنامج، وظهر عبر برنامج آخر هو ‘العاشرة مساء’ وقال انه استقال لأنهم طلبوا منه أن يجري حواراً مع رئيس الحكومة الفريق احمد شفيق، وأنهم ضغطوا عليه.. ولم يقل من الذي ضغط، وكيف ضغط، وهل كان الضغط باليد أم بالإصبع السبابة؟ ومثلي وباعتباري لست من الثوار لا أرى، ولأسباب مهنية، في حوار أحمد شفيق مما يخل بواجبات الوطنية، على الرغم من أنني كنت من الذين انتقدوه منذ أن كان وزيراً للطيران، لأنه سمح بوجود مكتب للأمن الإسرائيلي في مطار القاهرة، من دون ان يعلن عن ذلك، وهو المصيدة التي تنتظر أهلنا من عرب 48 حين مغادرتهم القاهرة، على النحو الذي جرى مع الزميلة صابرين دياب، والأديبة أنوار سرحان في وقت لاحق.
محمود سعد كان قد حاور علاء مبارك النجل الأكبر للرئيس المخلوع، بالطبع قبل أن يصبح والده في خبر كان، ولم ير أن هذا يتناقض مع الوطنية السمحة.
في مداخلة هاتفية قال الفريق شفيق انه لم يضغط على سعد من اجل ان يحاوره، وأن المشكلة انه قرر تخفيض راتبه من (11) مليوناً الى (750) ألف جنيه سنوياً.. 9 ملايين ام 11 مليوناً؟!.. لم نعرف، ولم يتم تصحيح المعلومة.
وفي اليوم التالي تجلت الروح الوطنية بشكل غير مسبوق فقد أعلن المذيع الوطني خيري رمضان انه سيعمل بدون اجر نظراً لظروف التلفزيون، وسارعت لميس الحديدي وصرحت بأنها متنازلة عن راتبها نظراً للضائقة المالية التي يمر بها اتحاد الإذاعة والتلفزيون، ومن اجل مصر.. الاثنان حشرا مصر في الموضوع.
مع أن الذين شنعوا على الثورة المصرية، وشهروا بالثوار خدمة للنظام البائد كان ينبغي الاستغناء عن خدماتهم، لدوافع وطنية ومهنية، فقد كانوا يمارسون التضليل الإعلامي ونشر الأكاذيب!. ومنذ ثلاثة أيام أعلن خيري رمضان انه اتخذ قراره بمغادرة برنامج (مصر النهارده) وقد علق تنفيذ قراره بالمغادرة لان ‘استمراره في البرنامج حالياً ما هو إلا واجب يؤديه بحق التلفزيون المصري في ظل الأحداث الطارئة التي تمر بها مصر’، وليذكرني بذلك إلى إشارة لميس الحديدي وهي تتخذ قرار التخلي المؤقت عن أجرها بالتلفزيون إلى العشرة التي بينها وبينه على مدى خمس سنوات، وعلى نحو يوحي كما لو كان التلفزيون المصري هو الأخ الذكر على نصف (دستة) بنات وقد مات في حادث توك توك!. ارحل يا خيري ودعك من الواجب الوطني تجاه التلفزيون، ويا حبذا لو أخذت في يدك لميس وتامر ابن أبيه، فقد رحل النظام الذي فرضكم على المشاهدين.
صحافي من مصر[email protected]