في التشابه والاختلاف

حجم الخط
0

عزت القمحاوي من ينظر إلى ساحة الحرية في صنعاء، يتذكر بالضرورة ميدان التحرير بالقاهرة. ومن يرى صورة الجامع العُمري في درعا، لا يتذكر إلا الجامع الأزهر عندما داسته خيول بونابرت.

يتناقل الثوار أساليب الحشد فالمقاومة والبقاء. تنظيم اللجان، نصب الخيام، كتابة الشعارات، الهتاف والغناء. ولا يعني هذا غياب الوجه المحلي لكل ثورة، طبقا لفروق طفيفة بين شعوب يوحدها الدين واللغة والحظ العكر الذي أوقعها جميعا في زعماء ملهمين بطريقة واحدة. الثورة تجري التونسيون ألهموا العرب لحظة البدء، وألهموهم وسائل الكر والفر، أساليب مراوغة الشرطة، وسائل الوقاية من الغازات السامة وإسعاف المصابين. الكوكا كولا، الشيطان الأعظم بالنسبة لمناضلي اليسار، صارت ترياقا ضد سموم القادة الملهمين، تغسل الوجوه لتعادل مفعول الغاز. وللمفارقة؛ فالقنابل التي تقاومها الكولا مصنوعة هي الأخرى في الولايات المتحدة. حروفUSA مطبوعة بلون أزرق بارد يبقى واضحا على صفيح القنبلة بعد الإطلاق. لم يفلت الملهمون السفهاء ولا الثوار من مس الأمركة، في لحظات احتدام المواجهة بين الليل والنهار. قلة الراحة، إلهام تونسي آخر. لم تهدأ ثورة تونس، عاشت للكر والفر حتى لحظة فرار الديكتاتور. بدأت الثورة بالنار في جسد البوعزيزي، وظلت مستعرة. الثورة في ليبيا هي الأخرى لن تستريح؛ لأنها ثورة على ثورة. الثائر الحقيقي يطارد ثائرا مزيفا، والشعب الواقعي يطارد شبح رئيس مع شبح شعب من المرتزقة، رئيس غير موجود عمليا (لو كان رئيسا للوح باستقالته في وجه الشعب) لكن أعماله تدل عليه مثلما تدل على الآلهة والشياطين أعمالهم. رحلة طويلة للقذافي من البادية إلى أنفاق العزيزية، أربعون عاما من الجري في كل اتجاه، ولا يمكن لثورة أن تستقر وهي تطارد ثورة تتحرك!

الثورة السورية لن تعرف ميدانا هي الأخرى، ليس لأن بشار شبح كالقذافي؛ بل لأن الشعب غير موجود أو هكذا يحب الرئيس لأنه اعتاد أن يتأمل المنظومات السياسية الكبرى ويهدي بها الحائرين في اجتماعات القمة.

الشاب المتأمل في سياسة العالم بحكمة الشيوخ لا وقت لديه لينفقه في النظر إلى الأرض. لا الأرض الواقعة في نطاق احتلاله ولا الشقفة التي تحتلها إسرائيل، ولا يلفت نظره الشعب الأسير لديه أو لدى إسرائيل. الشعب غير موجود في أي مكان؛ فلماذا سيتواجد في ميدان؟!

الثورة تقيمعلى عكس الثورات الراكضة، ستجد الثورة المقيمة نفسها في مجال الإلهام المصري. ثورة اليمن هي الأكثر شبها بالثورة المصرية. تشكيل لجان النظام والإعاشة والطبابة والإعلام، كتابة الشعارات، جلب الخيام، قبل أن يصبح الميدان مكانا للاحتفالات الغنائية والخطابة وإلقاء الشعر، وما يجره العيش الطويل من باعة جائلين جاءوا يسترزقون من الثورة، ويريدهم الثوار ليس فقط من أجل شراء ما يحتاجون لعيشهم، وإنما لبث مظاهر الحياة الطبيعية، ليبعثوا برسالة الصبر إلى الديكتاتور: ‘مش هنمشي، انت تمشي’. الثائر في الثورة المهرولة مجرد هدف يتحرك تحت مرمى نيران القناصة وهراوات الجنود، الثائر وحيد مهما اتسع الحشد ومهما اقترب الجسد من الأجساد الأخرى فهو سر مغلق على صاحبه، وحياته وموته قدر شخصي، يرى القهر كما لو كان استهدافا شخصيا.

في الثورة المقيمة الثائر بشر؛ ذات لها سماتها التي تختلف وتتفق مع ذوات الآخرين، الدفاع عن أرض محددة يخلق التضامن، يتوحد شعب الميدان في كيان واحد. الميدان مدرسة للتعايش والقبول بالآخر، يردد الملحدون فيه اسم الله ويُسقط المتدينون فيه حرمة الغناء. يصبح الكل في واحد حتى تنجح الثورة ويفرق استفتاء الدستور شمل الثائرين، ويعودون أشتاتا: نعم للمؤمنين ولا يصوت بها الكافرون!

شهداء العلن والسرالاستلهام لا يعني التطابق الكامل، وكما توجد فروق في الحياة يوجد مثلها في الموت. في ساحة الحرية باليمن، تلتهم الكاميرا جثامين الشهداء، عيون مفتوحة على ألم لحظة الموت، عيون وجدت من يغمضها. ودائما الدم ينبىء عن مكان رصاصة أو طعنة غدر. الجثامين الليبية معروضة هي الأخرى، ربما لأنها أكثر من أن تختفي.

في ميدان التحرير بالقاهرة يقع الشهيد بجوارك، ويُسحب من الموقع من دون أن تعرف إن كانت رصاصة قد اخترقت صدره أم هي حالة إغماء بسيطة. الشهيد في الثورة المصرية خبر ينشر لاحقا. لا يحب المصريون استعراض الجثامين حتى لو سقطت في سبيل الوطن. الجثمان الذي تعفن على سرير الحكم وحده ظل يستعرض نفسه، مذكرا المصريين بالضربة الجوية الأولى التي تمددت على أيدي مزوري التاريخ لتبتلع نصر اكتوبر تشرين 1973. ثوار التحرير كانوا يطعمون الكاميرا وجوه أسراهم من البلطجية، بدلا من الجثامين العزيزة. السوريون كذلك لا يستعرضون الشهداء، لكنها ليست إرادة الثوار هذه المرة، هي إرادة حكم العائلة التي تقول للشيء كن فيكون، وإرادتها ألا يكون الشعب أو شهيده مرئيا. عندما أصر المشيعون على وجود الشهيد وخرجوا لتوديعه، أطلقوا النار على موكب الوداع. لا اعتراف بالمودع ولا بالوديعة العائدة إلى أمها الأرض.

هل تفعل العائلة ذلك لأنها تعتقد أن الجثمان الذي لم يصور لم يمت؟ هل هو الخجل من عدم الدقة في التصويب التي جعلت رصاصها يضل الطريق فيتجه إلى درعا بدلا من الجولان؟!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية