الناصرة- “القدس العربي”:
ضمن تحذيراته من استمرار الصراع دون تسوية، يؤكد جنرال إسرائيلي بالاحتياط من أن رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو ورئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب، سيحققان الحلم الفلسطيني بأيديهما مشددا على أن الشرعية الدولية مفاعيلها حاسمة.
في كتاب جديد بعنوان “كل حدود إسرائيل” يستعرض الباحث شاؤول أرئيلي (جنرال بالاحتياط والخبير الأول في مجال الحدود والخرائط) تاريخ الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي ويخلص للاستنتاج أن “صفقة القرن” وبخلاف ظاهرها تنطوي على تهديدات استراتيجية بالنسبة لإسرائيل.
ويوضح أرئيلي أن نتنياهو وحكومته وكل معسكر الرافضين لتسوية سياسية مع الفلسطينيين قام بتبني ترامب الذي يجسد المساس بشرعية القرارات الدولية. وقال إنه بعد الاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على القدس وهضبة الجولان بشكل متناقض مع المواثيق الدولية والقرارات الأممية فإن عيون نتنياهو وشركائه تتطلع لـ”صفقة القرن “.
صفقة القرن
ويرى أن حكومة الاحتلال سترى برفض الفلسطينيين لـ”صفقة القرن ” فرصة لضم أحادي للمستوطنات في الضفة الغربية خلافا لمذكرة الضمانات الأمريكية التي قدمتها الولايات المتحدة لمنظمة التحرير الفلسطينية عام 1991 وبالأساس خلافا لقرار الأمم المتحدة 1234 من 2016 الذي أكد على أن المستوطنات غير شرعية، وهو قرار أيده 14 عضوا في مجلس الأمن وسط امتناع أمريكي عن التصويت. وبخلاف التيار المركزي في إسرائيل، يرى أرئيلي أن خطوة كهذه تشكل تعبيرا جديدا عن استخفاف إسرائيل بالمجتمع الدولي ولاعتمادها الحصري على إدارة ترامب الجمهوري التي تنزع للقوة بشكل غير مسبوق. لافتا إلى أن نتنياهو يرى بدعم ترامب فرصة لتوسيع السيادة الإسرائيلية خلف الخط الأخضر وفي القدس رغم أن تاريخ الصراع المستمر منذ قرن يدلل على مدى قوة وتأثير الشرعية الدولية على حدود إسرائيل المعترف بها وعلى تقاسم البلاد.
وفي استعراضه للمسيرة التاريخية يقول الباحث الإسرائيلي إن الصهيونية اعتبرت صك الانتداب في عام 1922 كمصادقة على بناء بيت وطني لليهود في فلسطين، حتى وإن كان وعد بلفور والكتاب الأبيض الأول الصادر عن تشرشل نصّا على ما هو مختلف بوضوح. بالمقابل فإن الفلسطينيين الذين شكلوا 90% من سكان البلاد رفضوا وعد بلفور وصك الانتداب، وطالبوا بإقامة دولة لهم على كل البلاد وهذا ما رفضته بريطانيا والأمم المتحدة.
فكرة التقسيم
ويشير إلى أن الثورة الفلسطينية عام 1936 والميزان الديموغرافي الذي مال لصالح العرب بوضوح والتطورات السياسية في الشرق الأوسط وفي أوروبا، كل ذلك دفع لولادة لجنة بيل عام 1937 ومقترحا بإقامة دولة يهودية على 17% فقط من البلاد.
وقال إن قيادة الحركة الصهيونية برئاسة وايزمن وبن غوريون تبنت فكرة التقسيم، لكن الوكالة اليهودية طرحت خطة تقسيم تضاعف مساحة الدولة اليهودية لـ 34% من البلاد، وهذه أيضا رفضها العرب بالكامل.
كما يستذكر أرئيلي أن الصهيونية رحبت جدا بقرار التقسيم في 1947 الذي خصص 55% من البلاد للدولة اليهودية رغم أن اليهود شكلوا ثلث السكان فقط. ويتابع: “واصل العرب رفضهم التقسيم وأعلن المفتي الحسيني أن أمة تطمح بالحياة لا تسلم بتقسيم وطنها”.
كما يستذكر أن الفلسطينيين من خلال جمال الحسيني ممثل اللجنة العربية العليا في مجلس الأمن، اعترفوا بأنهم بادروا لحرب 1948 معللا ذلك برفض تقسيم بلادهم الصغيرة، وفي نهايتها تحول الشعب الفلسطيني للاجئين وغابوا عن الرأي العام السياسي حول مستقبلهم وانتقل تمثيلهم للعرب، وبادرت إسرائيل لتوسيع مساحتها لـ 78% من البلاد والمجتمع الدولي اعترف بهذه الحدود كخطوط وقف إطلاق نار.
ويتابع الباحث الإسرائيلي التوقف عند محطات مركزية في الصراع ويقول إن حرب 1967 ولدّت القرار الأممي 242 ( أرض مقابل سلام) والذي اعترف فعليا بحدود إسرائيل من 1967 لكن الأمم المتحدة واصلت تجاهلها للفلسطينيين الذين رفضوا الاعتراف بإسرائيل.
خطوات أحادية بلا اعتراف
ويضيف: “فقط قرار منظمة التحرير بالاعتراف بالقرار الأممي 242 في 1988 دفع عام 2012 لقرارات أممية بالاعتراف بفلسطين كدولة في حدود عام 67، أي على 22% من فلسطين الانتدابية. معتبرا أنه منذ 1967 تتفوق إسرائيل عسكريا على الفلسطينيين ودول عربية مجاورة، لكنها لم تحظ باعتراف دولي بأي واحدة من خطواتها الأحادية لتوسيع حدودها- ضم القدس والجولان.
وضمن تأكيده على أهمية الشرعية الدولية يقول الباحث الإسرائيلي إن حدود إسرائيل مع مصر والأردن اللتين تبنتا القرار 242 واعترفتا بها تم تحديدها باتفاقي سلام وفقا للحدود الانتدابية للبلاد.
ويشير إلى أن إسرائيل انسحبت من جنوب لبنان حسب قرار الأمم المتحدة 425 من 1978، ومن قطاع غزة انسحبت بشكل أحادي للخط الأخضر. ويتابع: “هذه المحطات التاريخية في القرن الفائت تدلل على أن طرفي الصراع دخلاه وكل منهما يدعي أن البلاد كافتها له فيما وقف المجمع الدولي بشكل عام خلف الصهيونية. وتشكل وعي في العالم بأن هذا صراع بين حركتين وطنيتين ولا يمكن تسوية مطالبهما الشرعية إلا بطريقة التقسيم. لكن رفض الفلسطينيين المتواصل الاعتراف بحق اليهود في دولة داخل البلاد وقبول القرارات الأممية قلص تدريجيا المساحة المخصصة للدولة الفلسطينية من 70% في لجنة بيل إلى 22% عام 1988، كما اعترف الرئيس عباس بقوله في حديث صحافي عام 2008 إنه تم تفويت فرصة تقاسم البلاد في 1947 وقبلها تقسيم لجنة بيل، ولذا لا نريد إضاعة فرصة تقسيم بين 48 و 67 وهو يشمل فقط 22% من فلسطين الانتدابية “.
بالمقابل يقول أرئيلي إن الحركة الصهيونية التي تعاونت مع المجتمع الدولي وقبلت بقراراته ضاعفت مساحة الدولة اليهودية من 17% إلى 78% من البلاد معتبرا أن الاستنتاج واضح: الجانب الملتزم بالقرارات الأممية حظي بنهاية المطاف بالحصة الأكبر من البلاد”.
سكرة القوة
وفي الوضع الراهن اليوم، يعتبر الباحث الإسرائيلي أن ” سكرة القوة ” المصابة بها حكومة نتنياهو المدعومة من قبل إدارة ترامب لا تتيح لها أن تفوّت هذه الخلاصة التاريخية. ويضيف: “وزير التعليم نفتالي بينيت الذي طرح خطته لضم الضفة الغربية عام 2012 تعامل باستخفاف واستعلائية لموقف المجتمع الدولي بقوله: العالم لن يعترف بسيادتنا هناك كما لم يعترف بسيادتنا في حائط المبكى وبحي راموت وغيلا في القدس وكذلك بالسيادة في الجولان. لا بأس فالعالم سيتعود مع الأيام”.
ويقول أرئيلي إن كثيرين من أعضاء الإئتلاف الحاكم في إسرائيل الراغبين بضم الضفة الغربية يكثرون في السنوات الأخيرة من اقتباس بعض ما قاله بن غوريون عام 1955 في “يوم الاستقلال ” بأن مستقبلنا غير مرتبط بما يقوله الأغيار بل يبما يفعله اليهود”. موضحا أن هؤلاء يتجاهلون بالمقابل موقف بن غوريون في معظم الحالات حول أهمية ووزن المجتمع الدولي كما جاء في خطابه عام 1956 “ستكون هذه غلطة مضللة الاعتقاد بأن الأمم المتحدة غير مهمة لا قيمة لها فهذه المنبر الأعلى للبشرية في أيامنا ولا يجوز الاستخفاف بقيمتها الكبيرة جدا”.
كما يقول إن قادة حكومة إسرائيل اليوم يتجاهلون أيضا استيقاظ بن غوريون بعد حرب العدوان الثلاثي عام 1956 من حلم إسرائيل الكبرى الممتدة على نصف الأردن والجولان وسيناء وجنوب لبنان.
القوة لا تكفي لحل قضايا تاريخية
ويتابع: “تم استبدال هذا الطموح بعد الانسحاب من سيناء بضغط الدول العظمى عام 1956 بخلاصة جديدة كما قال بن غوريون في حديث مع هآرتس في أكتوبر 1959: “من يعتقد اليوم أنه يمكن حل قضايا تاريخية بين شعوب فقط بالقوة العسكرية لا يعرف في أي عالم نحن نعيش. كل سؤال محلي يصبح دوليا اليوم ولذا فإن علاقاتنا مع شعوب العالم لا تقل أهمية من قوتنا العسكرية التي ينبغي أن نرعاها كي نردع هجمات علينا والانتصار بحال اضطررنا للقتال”.
الباحث الإسرائيلي أرئيلي الذي يكثر من محاضرات وأحاديث صحافية بهذا المضمار يخلص للقول في كتابه إنه إذا لم تتحرر إسرائيل من وهم الضم ولا تلغي معارضتها لدولة فلسطينية بجوارها، فإن المجتمع الدولي سيقف لجانب الفلسطينيين عندما يغيرون موقفهم ويسرعون بالمطالبة بحقوق مساواة في دولة واحدة.
ويضيف: “سيكون محزنا الاكتشاف أنه بعد قرن بقليل فإن الطموح الفلسطيني بدولة عربية واحدة بين البحر الأبيض وبين نهر الأردن مع أقلية يهودية آخذ عددها بالانحسار يتحقق على يد حكومة إسرائيل ذاتها”.
