القاهرة ـ «القدس العربي» في اللحظة التي وئد فيها الربيع العربي في معظم العواصم التي ولد بها، قبل ان يأتي ثماره، ولد في غزة في طرفة عين، رحـــــلت كل ازهار الــــتاريخ مولية وجهها نحو اشرف خلق الله، لأن اوكسجين الارض لوث تحت وطأة الخيانات والعمولات في القصور العربية.. باتت غزة رغم كيد الخونة وسماسرة الموائد «رئة» العالم الوحيدة القادرة على ضخ هواء الكرامة في الجثث التي تعاني من خلل جيني باتساع الخارطة العربية.
نتنياهو لم يبتسم منذ بدء الحرب رغم جرائمه، ورغم ذلك يزعم عواجيز الفرح في الصحف والفضائيات المصرية ان غـــــزة هزمت. وزيــــر دفاع العدو يجري مذعـــــوراً كدجاج مقبل على الذبح، وعجـــــائز الفضائيات اللواتي يستهلكن اطناناً من المساحيق بوسعها ان تطعم قرى جائعة في الصعيد والدلتا، يزعــــمن كذباً وبهـــتاناً ان غزة ضاعت للابد.. يجهشون بالبكاء على الاطفال الجرحى والنساء اللواتي يلتحفن السماء، وهم لازالوا يغلقون المعابر ويمنعون وصول الادوية والاغذية لشركائهم في اللغه والدين.
ولأن العواصم العربية تستنشق هواءً ملوثاً منذ زمن كامب ديفيد وشقيقاتها، كان لابد ان يدفع القدر بالمدينة الاكثر كثافة في العالم لتقوم بدور المرشد الروحي لشعوب لازالت في طور التكوين بعد ان خرجت عن مسارها.. ولان الهزيمة باتت خطاباً يومياً في الوعي العربي الجمعي، كان لابد ان تقوم غزة ببطونها الخاوية وأسرها الفقيرة إلا من العزة، لتدافع عن شرف الخريطة المستباحة، بعد ان دخل العرب والمسلمين في»حمية» ذهنية.. فلا الماضي يحضهم على الغيرة، بينما المستقبل لا يتسع سوى لمعاركهم الصغيرة. وفي صحف امس الجمعة 29 اغسطس/آب تكاثرت المعارك ومعظمها على جثث الأطفال القتلى والشهداء الذي اضاءوا في رحلتهم المباركة ما بين السماء والارض وبددوا الوحشة التي في صدور العالمين، وان كانت بعض الاصوات لازالت تعزف بعض الاصوات النشاز التي تزعم ان المقاومة خرجت مهزومة من المعركة، فيما احتدمت المعارك الصحافية والتقارير التي تشير لغضب شعبي وتحذر من ثورة جياع قادمة بسبب ارتفاع الاسعار والى التفاصيل:
الفلسطينيون أبدعوا
في الحرب كما لم يبدع شعب آخر
نبدأ الرحلة مع السعادة الغامرة التي انتابت عددا من الاوفياء على انتصار غزة، ومن بينهم فهمي هويدي في «الشروق»: «الصمود الذي عبر عنه المقاتلون على الجبهة كان له صداه في المفاوضات التي جرت في القاهرة، التي تمت برعاية مصرية حقا، لكنها تجاوزت أفق المبادرة المصرية التي أعلنت في 14 يوليو/تموز الماضي. ذلك أن المبادرة كانت تحركت في حدود تفاهمات 2012، ولم تقدم شيئا يذكر إلى المقاومة، وإنما كبلتها في بعض المواضع، إلى جانب لغة الحياد التي اتسمت بها، حيث تعاملت مع الطرفين على قدم المساواة، واعتبرت ما يصدر من كليهما «أعمالا عدائية» ضد الطرف الآخر، من دون تفرقة بين المحتل القاتل، وصاحب الحق القتيل. فقد نصت مثلا على وقف «الأعمال العدائية» من جانب الفلسطينيين جوا وبحر وبرا وتحت الأرض، مع التأكيد على وقف إطلاق الصواريخ بمختلف أنواعها. وهو نص يكاد يشل حركة المقاومة ويمنعها من حفر الأنفاق التي كانت احد إبداعات المقاومة التي ظهرت في الحرب الأخيرة. كما دعت المبادرة إلى فتح المعابر وتسهيل حركة عبور الأشخاص والبضائع «في ضوء استقرار الأوضاع الأمنية على الأرض». ومقتضى هذا الشرط الأخير ألا تفتح المعابر على الإطلاق، لأن تقدير استقرار الأوضاع الأمنية متروك لإسرائيل». ويرى هويدي ان «المراوغات الإسرائيلية لم تتوقف خلال المفاوضات، حيث ظل الإسرائيليون حريصين على ألا تحقق المقاومة أي إنجاز على أي صعيد. إلا أن إصرار الوفد الفلسطيني على مطالبه وتمسكه بالاقتراب قدر الإمكان من هدف فك الحصار وتحقيق الإعمار والتخفيف من معاناة وعذابات سكان القطاع، وفي الوقت ذاته استعداد فصائل المقاومة للاستمرار في الحرب إلى أجل أطول لم تألفه إسرائيل، هذه العوامل كان لها دورها في إخراج الاتفاق بالصورة التي أعلنت في بيان وزير الخارجية المصرية من حق القطاع وأهله أن يستشعروا ثقة واعتزازا».
الانتصار يجب ألا يلهينا
عن ملاحقة إسرائيل دولياً
سؤال يردده البعض من بينهم عمرو حمزاوي في «الشروق» الذي يعلن عن تضامنه مع الفلسطينيين، لكنه يرى انه «في ضوء المتداول إعلاميا عن تفاصيل «الهدنة الدائمة»، وباستثناء تمكين الصيادين الفلسطينيين من مزاولة عملهم في حدود 6 أميال بحرية عوضا عن قاعدة الـ3 أميال التي أجبرهم عليها الاحتلال الإسرائيلي منذ سنوات، أحيلت كل القضايا المرتبطة بإنهاء حصار قطاع غزة وفتح معابره وبتسهيل حركة الناس والبضائع المختلفة منه وإليه، وبإجراءات الدعم المادي والإنساني إلى مفاوضات لاحقة. يعني ذلك، وبموضوعية ومن دون تقليل غير عادل من دور المقاومة أو استخفاف بصمود أهل غزة، كما يشير الكاتب خلال أيام العدوان الخمسين، أن على حركة حماس وبقية فصائل المقاومة أن تعترف بوضوح بأن أهدافها المعلنة ــ وهي الأهداف المشروعة للشعب الفلسطيني وآمال المتضامنين معه ــ لم تترجم بعد إلى تغييرات حقيقية على الأرض وأن تدرك سريعا احتياجها الى شراكة مع الأطراف الفلسطينية الأخرى لممارسة الضغط الفعال على إسرائيل لانتزاع رفع الحصار عن غزة ووقف الإجرام الاستيطاني في الضفة والقدس، وإنفاذ حق تقرير المصير، بل إن على المقاومة وكل الأطراف الفلسطينية، وعلى الرغم من الكارثة الإنسانية التي ألحقتها آلة القتل الإسرائيلية بأهل غزة، الذين استشهد منهم أكثر من 2000، وأصيب منهم الآلاف من الأطفال والنساء والرجال، وعلى الرغم من الدمار الرهيب الذي أصاب المقومات المادية للحياة في القطاع، توخي أقصى درجات الحذر قبل الموافقة على اعتماد مصطلح «إعادة إعمار غزة» كمرادف لتلقي المساعدات الإنسانية والمادية، لما قد يحمله من تنازل ضمني عن تحميل الاحتلال الإسرائيلي المسؤولية الدولية الكاملة عن العدوان وتداعياته، وقبل المشاركة في «مؤتمرات لإعادة الإعمار» قد تجبر الفلسطينيين على التنازل عملا عن الحق في الملاحقة الجنائية لمجرمي الحرب الإسرائيليين وتقديمهم للعدالة الدولية».
قصر الرئاسة يذوق الظلام
ونترك غزة وأهلها مؤقتاً ونتوجه نحو قصر الرئاسة، حيث طلب الرئيس السيسي قطع التيار الكهربائي عن محل اقامته والعهدة في اسباب ذلك على الراوي المتيم بالسيسي سليمان جودة في «المصري اليوم»: «أمس الأول الخميس، طلب الرئيس من وزارة الكهرباء قطع التيار عن بيته، شأنه شأن أي بيت آخر في البلد، ولم يملك وزير الكهرباء الدكتور محمد شاكر إلا أن ينفذ الأمر، وإلا أن يستجيب للطلب، وأصبح بيت الرئيس خاضعاً لقاعدة تخفيف الأحمال التي تتبعها الوزارة منذ بدء الأزمة مع جميع المواطنين. ويتوقع جودة أن يتذكر قارئ هذه السطور أنه قد طالب رأس الدولة بأن يطلب إخضاع بيته، ومعه مكتبه الرئاسي، للقاعدة ذاتها التي يخضع لها الجميع، ولابد أن القارئ الكريم يذكر أني قلت إن هذا لو حدث فسوف تكون تلك هي بداية حل الأزمة التي يعاني منها كل مصري، والتي وصلت ذروتها الاثنين الماضي. وكان الهدف من اقتراح الكاتب أنه مهما قيل للرجل المسؤول عن الدولة إن الكهرباء تقطع، وإنها تأتي ساعة، وتذهب ساعة، وإن مواطنيه يعيشون حياة قاسية، فلن يتصور حجم المشكلة على حقيقتها، مهما قيل له من محيطيه، ومن تقارير مكتبه، إلا إذا واجه هو المشكلة حية كما هي بجميع أبعادها.. وعندها سوف يعاني كما أعاني أنا، وتعاني أنت، وسوف تكون هذه هي نقطة البدء نحو إيجاد حل سريع للمشكلة لكن لماذا ذلك؟ يجيب: لأن هناك فارقاً كبيراً، بين أن تعاني أنت، كمواطن عادي، من مشكلة، ثم تتألم منها، ولا تملك لها حلاً، وبين أن يعاني منها الرئيس، فيتألم هو الآخر، غير أن ألمه هو سوف يختلف لأنه سيدفعه دفعاً إلى البحث عن حل، وسوف يجعله لا يغمض له جفن».
هل يرق قلب السيسي للفلاحين؟
ونبقى مع الرئيس وقلبه الطيب لحد طلبه ان تقطع الكهرباء عن قصره، فها هو حمدي رزق في «المصري اليوم» يناشده حماية الفلاحين: «طالب من الله، ولا يكتر على الله، يهدي السيسي إلى قرار رئاسي عاجل بإعفاء الفلاحين المدينين لبنك التنمية والائتمان الزراعي. بحسب إحصائيات البنك هناك 41 ألف فلاح لا تزيد مديونيتهم عن عشرة آلاف جنيه (أصل الدين بدون المهمش والمجنب)، منهم من في السجون ومنهم من ينتظر. يضيف رزق: سيادة الرئيس صدقت قولاً، هذا الشعب لم يجد من يحنو عليه، أنت القلب الكبير، فلتحنُ على الفلاحين الذين خرجوا عن بكرة أبيهم على جسور الترع يكلفونك بإنصاف المظلومين، كن لهم سندًا وعضدًا، أهلك وناسك، هذا البنك المرابي يتاجر في أقوات الغلابة، يفكرك بالبنك الدولي، هذا البنك يذل أنفاس الفلاحين المفلسين ويتابع مناشداته: سيادة الرئيس هذا طلب فلاح ابن فلاح، الفلاحة مناحة كما تعرف سيادتكم، وأبدا ليس كما قال عبدالوهاب، محلاها عيشة الفلاح، يقيناً كان يتحدث عن فلاح لا أعرفه، الفلاح «أبو جلابية زرقاء» يستصرخكم، فوائد بنك التنمية حشت وسط الظهور المحنية على الفأس شتاء وصيفا. وعلى حد رأي الكاتب: الفلاحون حائرون يتساءلون في جنون، كل رئيس يأتي يصرح بالعفو، ولا يعفو البنك، كل رئيس يعد والبنك يتوعد، يتوحش، أصل الدين على الفلاحين نحو 800 مليون جنيه، بلغت بالفوائد أربعة مليارات، لو الفلاحين جميعا باعوا العفش والجاموسة وفوقهم العيال في السوق ما وفوا أصل الدين، أما عن الفوائد فلا تسألوا عن مليارات إن تبد لكم تسؤكم، فوائد البنك قطعت الحليبة والرايبة. سيادة الرئيس لا أطلب منكم الكثير، وطلبه قبلي كثير، أقل القليل إعفاء الفلاحين من الديون تحت العشرة آلاف، أبو ألف وأبو خمسة وأبو عشرة، وإسقاط الفوائد وجدولة ما زاد عن ذلك، إعفاء حقيقي، إعفاء رئاسي، لا رياء فيه ولا مصلحة».
من كان يصدق أن هؤلاء الفقراء
سيهزمون أعتى قوة في العالم؟
والحديث موصول عن غزة وانتصارتها وها هو الشحات شتا في جريدة «الشعب» يتكفل بالمهمة: «من كان يصدق ان غزة الصغرى ستهزم اسرائيل الكبرى، التي هزمت كل الجيوش العربية في حرب عام 1948 واغتصبت اغلب الاراضي الفلسطينية مثل القدس الغربية وحيفا وعكا وتل ربيع، واحتلت من مصر مدينة ام الرشراش واحتلت من السعودية جزيرة صنافير وجزيرة تيران. يضيف الكاتب، من كان يتوقع في يوم من الايام ان غزة الصغرى ستهزم اسرائيل الكبرى التي هزمت الجيش المصري واحتلت سيناء وغزة خلال ساعات في حرب 1956. من كان يتخيل ان غزة الصغرى ستهزم اسرائيل الكبرى التي هزمت كل الجيوش العربية في حرب عام 1967، حيث هزمت الجيش المصري واحتلت سيناء وصولا الى قناة السويس، وهزمت الجيش السوري واحتلت هضبة الجولان وهزمت الجيش الاردني واحتلت مساحات كبيرة من الاردن، الى جانب احتلالها لكل الاراضي الفلسطينية. كما احتلت اسرائيل غزة بعد هزيمة الجيش المصري فيها خلال ساعة واحدة في حرب 1967. من كان يتوقع ان غزة الصغرى ستهزم اسرائيل الكبرى التي هزمت الجيش المصري في حرب عام 1973 واحتلت السويس والاسماعيلية، اضافة الى سيناء، ولولا استسلام السادات لأمريكا واسرائيل لاستطاعت اسرائيل احتلال القاهرة، كما هزمت الجيش السوري في حرب عام 1973 واحتلت القنيطرة، اضافة الى الجولان، ولولا تدخل الجيش العراقي للدفاع عن سوريا لاحتلت اسرائيل دمشق يضيف الكاتب: من كان يحلم ان غزة الصغرى ستهزم اسرائيل الكبرى التي احتلت لبنان وصولا للعاصمة بيروت عام 1982. من كان يتوقع ان اسرائيل ذات الذراع الطويلة التي ضربت تونس في بلاد المغرب العربي وضربت السودان وضربت المفاعل النووي العراقي ستهزمها غزة الصغرى. وكما يؤكد الكاتب انها ارادة الله الذي يقول في كتابه الكريم وكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة باذن الله».
لهذه الأسباب سقطت ثورة يناير
بمرور الوقت تزايد عدد الاصوات التي تعترف بأن ثورة يناير/كانون الثاني سقطت ويعزز من آراء هؤلاء ان نظام مبارك واعوانه عادوا لصدارة المشهد، فلنقرأ رأي السعيد الخميسي في جريدة «الشعب»: «إن أول سبب لانهيار وفشل ثورة يناير هو نزول كل القوى الثورية من على جبل الثورة والانشغال بجمع وتحصيل المكاسب والغنائم السياسية. ويستشهد الكاتب بقول المعصوم صلى الله عليه وسلم للرماة يوم غزوة أحد «إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا مكانكم هذا حتى أرسل إليكم، وإن رأيتمونا هزمنا القوم ووطأناهم فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم». لكن الرماة لما رأوا الغنائم نسوا وصية الرسول الكريم لهم ونزلوا من على رأس الجبل ونادوا ياقوم: الغنيمة.. الغنيمة.. فكانت الهزيمة. رغم أن قائد سلاح الرماة عبد الله بن جبير حذرهم من ذلك فلم ينتهوا ولم يسمعوا. لقد أتت الهزيمة من داخل النفوس الضعيفة التي نظرت تحت قدميها فقط، ولم تنظر إلى الأفق البعيد، حيث العدو يتربص وينتهز الفرصة الثمينة للانقضاض ليفترس رقبة خصمه ويضعها بين أنيابه ومخالبه، وساعتها فلن يفيد صراخ الضحية لأن الأمر قد قضي. ومن اسباب سقوط ثورة يناير ايضاً وفق رأي الكاتب عدم وجود قيادة موحدة لها تلتف حولها الثورة. إن ثورة يناير حقا لم يكن لها رأس يديرها ويحركها ويحدد مراحلها ووسائل تحقيق هذه المراحل والأهداف. فتركت الثورة في عرض الشوارع والميادين يعبث بها العابثون ويتآمر ضدها المتآمرون على حين غفلة من أهلها. والأدهى والأمر من ذلك أن الثوار أنفسهم تركوا خصمهم الحقيقي المتمثل في نظام الطاغية مبارك وراحوا يكيلون الاتهامات لبعضهم بعضا. ويضيف الخميس سببا أخلاقيا مهما ساهم في سرعة إسقاط الثورة ألا وهو عدم التجرد وإخلاص النية لوجه الله ثم لهذا الوطن، فكان البحث عن الشهرة والوجاهة و»الشو» الإعلامي».
وجه الشبه بين الانقلاب والاحتلال
لكن هل هناك وجه شبه بين الانقلاب والاحتلال.. ابراهيم جعوار يقرب الصورة من خلال «الحريه والعداله»: «الانقلاب والاحتلال ملة وعقيدة فكرية واحدة، وجهان لعملة واحدة تصل لدرجة التطابق والتماثل..كلاهما عسكري بزي مدني يأكلان في جدار الأوطان. الاحتلال يغتصب الوطن والأرض. والانقلاب يغتصب السلطة والشرعية والإرادة والكرامة،
يخطف السياسة والسياسيين.. يحتكر مجال العمل العام والعمل السياسي. ويرى جعوار ان كلاهما ضد الإنسان والإنسانية، ضد القيم والمبادئ والأخلاق. ووفقاً للكاتب كلا الاحتلال والانقلاب يصبّ في خانة واحدة: اغتيال الإنسان وإبطال مفعول الإنسانية في الشعوب وحكم أقلية ترتكز على قوة عسكرية غاشمة بشعار فرق تسد، وكلاهما يجمل وجهه بعملاء وجواسيس وفاسدين بزي مدني، ويستخدمان ميزان القوة والقهر والبطش والطغيان.. وكلاهما يغلق الطرق والميادين ويقيم السدود والحواجز ويغلق المعابر والمنافذ فيجعل معبر التحرير كمعبر رفح وكرم أبو سالم وغيرها موصدا إلا بتصريح. وكلاهما يعتمد في بقائه على قتل الشعوب واستباحة الأرواح. وكلاهما يحول البلاد إلى سجــــن كبير. كلاهما يقاومه الشرفاء والمخلصون لاسيما أبناء التيار الإسلامي، وفي القلب منه الإخوان المسلمون، كما انهما يعاونان المجرمين والفاسدين والخائنين والخائبين والناهبين وعلماء الزور وكلاهما مقاومته حق ومعاونته باطل والساكت عنهما مناف، كما ان الانقلاب والاحتلال ينتظرهما مصير محتوم ونهاية أكيدة إلى زوال وفناء».
النبيل الذي رحل مقهوراً.. وداعاً
والى مرثية في الراحل احمد سيف الاسلام، احد ابرز المدافعين عن البسطاء والثوار، الذي توفي مؤخراً يكتبها جمال سلطان رئيس تحرير «المصريون»: «فقدنا رمزا آخر من اليسار المصري «النبيل»، حيث توفي المناضل الكبير الأستاذ أحمد سيف الإسلام، مؤسس مركز هشام مبارك لحقوق الإنسان، وأحد أقطاب العمل الحقوقي النبلاء في مصر، لأن كثيرا مما أنشئ تحت لافتة مراكز لحقوق الإنسان كان مجرد دكاكين للارتزاق، وأغلب من عمل بتلك الدكاكين كانوا يساريين «مناضلين سابقين»، وأحيانا كان المركز/الدكان عائليا يعمل فيه الأب والأم والأنجال. أحمد سيف لم يكن من هذا الصنف، كان صافيا ونقيا في نضاله، وتقلبت به الأنظمة والتحديات منذ أول اعتقال له في الحركة الطلابية مطلع السبعينات، حتى آخر اعتقال له في بدايات أحداث ثورة يناير/كانون الثاني. وتنوعت صيغ نضاله، ولكن صلابته بقيت على عهدها، ونبله لم يعلوه الصدأ، رغم رقة طبعه ورهافة حسه، ودفع الثمن هو وأسرته. وحتى توفاه الله كان ثابتا على مبادئه الإنسانية، وفي رسالة اعتذار أخيرة ـ قبل وفاته ـ لابنه السجين السياسي علاء عبد الفتاح قال: «أنا آسف أني ورثتك الزنازين التي دخلتها قبلك، لم أنجح في توريثك مجتمعا يحافظ على كرامة الإنسان، وأتمنى أن تورث حفيدي مجتمعا أفضل مما ورثتك إياه». يضيف سلطان: كانت قضيته الأساسية طوال السنوات الأخيرة الدفاع عن المعتقلين من كل التيارات، ومناهضة التعذيب لأي مواطن، سياسيا أو غير سياسي، أيا كان انتماؤه كان يبحث عن «وطن بلا تعذيب»، وكان رحيله في الوقت الذي يسجن فيه ابنه وتسجن ابنته ـ ظلما ـ على خلفية التظاهر من أجل الحرية والعدالة، ورفضا لقوانين الظلم، مؤلما لكل من عرفه، وعرف تاريخه ونضاله ومعدنه الذهبي، رحمه الله».
المجد للمقاومة والعار على إسرائيل
ونبقى مع غزة وانتصاراتها وها هو عبد الله الأشعل مساعد وزير الخارجية الاسبق يغرد في «المصريون»: «راهنت إسرائيل على تخويف الشعب، فإذا الشعب يصر على أن يموت في أرضه ولم يفر منها، ولم يكن معبر رفح وإغلاقه سببا واهيا لمنع احتلال غزة لسيناء، وإنما ضرب الفلسطينيون للمرة الألف مثلا بأنهم يحفظون سيناء وليسوا هم الذين يتربصون بها، كما ردد المرجفون. سقط رهان الإعلام المصري وبعض السياسيين، وبلغ السقوط مبلغه من الذين أيدوا إسرائيل. سقط الرهان العربي على المقاومة وسقوطها وضعفها وهشاشتها، فقد هزمت المقاومة الجيش الذي قهر الجيوش العربية الكبيرة التي سجلت في التاريخ الهزائم والانكسار، من دون أن يكون في المقاومة جنرالات الحرب الوهمية.. يضيف الاشعل: سقط رهان الغرب على إسرائيل، ولذلك سيكون لانتصار غزة ما بعده، كما سقط رهان الصهاينة العرب وعجائز المسلمين على انتصار إسرائيل وإعادة احتلال غزة وتسليمها إلى عملائهم. أعادت المقاومة الاعتبار لثورات الربيع العربي التي أحبطها عملاء إسرائيل وخدم واشنطن بثورة مضادة يرتبط مصيرها بمصير إسرائيل.. لقد سقط رهان اليهود على جيش الإبادة الذي قامت دولتهم على جانبيه، وكلما أمعن هذا الجيش في أعمال الإبادة، يقول الكاتب: كان ذلك ضمانة نفسية لمواطني إسرائيل، واليوم تهتز قوة هذا الجيش مرة أخرى، كانت الأولى في حرب التحرير في أكتوبر/تشرين الاول، حيث لقنه أسود أكتوبر درسا دفع إسرائيل إلى التآمر على هذا الجيش في كامب ديفيد، وكانت المرة الثانية عندما طردت المقاومة اللبنانية إسرائيل من جنــوب لبنان عام 2000، ثم كانت المرة الثالثة عندما أدخلت المقاومة اللبنانية عام 2006 معادلات جديدة مع إسرائيل، ولذلك راهنت إسرائيل على الصداقات العربية وانشغال المقاومة اللبنانية في الساحة السورية بمخطط حلفاء إسرائيل من العرب، وقد أكد رئيس إسرائيل السابق أن معركة غزة تخوضها إسرائيل لأول مرة بالتعاون مع حلفائها العرب».
رغيف الحكومة يحتاج لعدسة مكبرة لرؤيته
والى المعارك الصحافيه نتجه وهذه المره يطلقها اكرم القصاص في «اليوم السابع» حول رغيف الخبز الجديد: «شاهدت مع كثيرين صورة الرغيف العملاق الذي ظهر مع وزير التموين خالد حنفي، وهو رغيف ضخم الجثة عريض عميق مبتسم يكفي الفرد ويفيض عليه، وهو الرغيف الذي أعلن عنه الوزير وقال إنه سيكون نموذج الرغيف التاريخي ضمن ما يسمى منظومة الخبز، هذا الرغيف الفرعوني الذي ظهر في صورة «سيلفي» مع الوزير، قطره يقترب من النصف متر، وله هيئة غذائية، وطلة مستوية.
عندما شاهدت الرغيف قلت خيرا، وشعرت «ببهجة» أننا سنشهد منظومة خبز بهذه الضخامة، توفر الدعم، وتغذي الناس وتعالج الخلل، وتفاءلت خيرا، لكن على مستوى آخر إذا راقبت مئات الأفران البلدية، التي سمح لها بإنتاج الرغيف الطباقي أو المميز، فئة «الربع جنيه والنصف جنيه» تكتشف أنها لا تخضع لأي نوع من رقابة الوزير. ولهذا خفضت من طرف واحد حجم الرغيف بدرجة جعلته يقترب من الاختفاء، ويصعب رؤيته بالعين المجردة، ويمكن وضعه في جيب الساعة أو الجيب الصغير يضيف القصاص: لأن هذه الأفران لا تخشى الرقابة أو الحساب، وتنتج الرغيف متناهي الصغر، وإذا كان وزير التموين عاجزا عن مراقبة الأفران التي تنتج الرغيف من الدقيق الحر، وإذا كانت هذه الأفران تتخيل أنها حرة في إنتاج الرغيف بأي حجم، من الصعب تماما الاطمئنان إلى المنظومة الفرعونية التي يتصور معها السيد الوزير، إلا إذا كان الوزير يريد تشجيع الناس للحصول على «رغيفه السيلفي الفرعوني»، لكن المشكلة أن هذا الرغيف ليس موجودا إلا في الصور ويحتاج لحضور الوزير شخصيا.
ويتساءل الكاتب:إذا كان السيد الوزير ترك الأفران الخاصة تتحكم في حجم وشكل الرغيف وتسرقه، فهل يمكن أن يثق المواطن في صحة وجود الرغيف الفضائي السيلفي الذي يروجه وزير التموين، هو يرى المنظومة خالية من الرقابة، ومن يضمن نجاح منظومة الوزير في غياب منظومة الرقابة؟ يضيف اكرم: الهدف الظاهر من منح تراخيص لأفران تنتج العيش أبو ربع أو نصف جنيه، هو تخفيف الضغط عن منظومة الدعم، وغياب الرقابة جعل الأفران تنتج عيشا لا يرى بالعين، وبالقانون تستحق هذه الأفران الغلق والعقاب، ولا يعني اقتصاد السوق أن نترك الأفران الخاصة تسرق العيش وتنتج أرغفة متناهية الصغير، والأفران الفينو والبلدي الحر تخفض الرغيف من دون أن يظهر مفتش تموين يوحد ربه يقول لهؤلاء الناس عيب، والنتيجة عيش يحتاج إلى عدسات مكبرة».
حتى في زمن السيسي غزة بالقلب
وعلى الرغم مما يرى الكثيرون بأن اهتمام مصر بالقضة الفلسطينية تراجع عن ذي قبل إلا ان رئيس تحرير «الاهرام» محمد عبد الهادي علام يرى عكس ذلك: «قضية الشعب الفلسطيني مازالت محور اهتمام الدولة المصرية، رغم الأجواء المضطربة التي سادت العلاقة مع حركة حماس المسيطرة على قطاع غزة، وأن الخلاف مع أحد الفصائل الفلسطينية لا يعني على الإطلاق التنازل عن ثوابت مصرية راسخة، أولها التمسك بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني وعدم التنازل عن حقوقه في إقامة دولة مستقلة ذات سيادة تعيش في سلام إلى جوار إسرائيل. فمصر على مدى تاريخ الصراع تدعم الشعب الفلسطيني ولا تدعم فصيلا أو حركة أو منظمة. وقد كان المسؤولون المصريون، كما يشير علام، عند قدر المسؤولية القومية في مفاوضات القاهرة ولم يتركوا للجانب الإسرائيلي فرصا للمراوغة في الوقف غير المشروط لإطلاق النار بين الجانبين، وفتح المعابر وإنهاء المعاناة الراهنة التي تفاقمت بعد التدمير الواسع للبنية الأساسية في القطاع، وهو الموقف الذي أثنت عليه حركة حماس والجهاد الإسلامي في البيانات التي صدرت عقب الإعلان عن الهدنة الدائمة. وبحسب رئيس تحرير «الاهرام» فقد كان الرئيس السيسي واضحا في أكثر من موضع عندما تحدث عن ضرورة بدء عملية سياسية للتوصل إلى حل نهائي للقضية، وتأكيده أن مسألة التفاوض على «تهدئة» كلما تصاعدت المواجهات بين إسرائيل والفلسطينيين ليست مجدية ولا طائل من ورائها وتزيد من معاناة الشعب الفلسطيني. كما كان التعامل «الهادئ» مع الانتقادات التي ملأت فضائيات وصحفا مناوئة للمواقف المصرية دليلا جديدا على أن مصر الدولة الأكبر في المنطقة تملك زمام القيادة ولا تعير الصخب والأصوات الملوثة بأموال المصالح الخاصة والمغرضة اهتماما وهو في حد ذاته برهان على أن الدولة المصرية عادت إلى ممارسة دورها القيادي في حمل أثقال القضايا العربية».
حسام عبد البصير