تَفْكِيــر السِّياسَــة و»تَخْلِيقُهــا»

حجم الخط
3

في الوقت الذي يَحْرِصِ السَّياسِيُّ على تبرير إخْفاقاتِه، ليس بنقدها، والاعتراف بما يمكن أن يكونَ ارْتَكَبَهُ من أخطاء وفَظَاعَاتٍ، أو باسْتِفْرادِه باتِّخاذ القرار، دون الإنصات لغيره ممن هُم شُركَاء في التَّخْطِيط، وفي تدبير الشَّأْن العام، والنظر لأهمِّيَة الفضاء العام، باعتباره شريكاً في هذا القرار، بما يقترحُه من أفكار، أو ما يصدر عنه من احْتِجاجاتٍ، ورفْض، يعمل المثقف، على مُراجَعَة آرائِه، ومواقِفَه، ويحرص على اختبارِ ما صَدَر عنه من أفكار، في ضَوْء ما يمكن أن يكون وَصَل إليه من مُعطيات وحقائِق جديدة، لم يكن تعرَّف عليها من قبل، أو كانت غائبةً عنه، وبما قد يُبْدِيه من قُدْرَة على الإنْصَات للرأي الآخر، مهما كانت طبيعتُه.
وهذا، في ظَنِّي، فَرْقٌ مُهِمّ، وكبير بين الاثنين. فإذا كان السِّياسِيّ، لا يعترف بِمَواطِن الخَلَل في برنامجه، وفي طبيعة ما يَصْدُرُ عنه من سياساتٍ، ومن توَجُّهات سياسية وفكرية، ومن اختيارات اقتصادية، قد تكون خارِجَةً عن إرادتِه، ويعمل، بنوع من المُراوَغَةِ، وذَرِّ الرَّماد في العُيون، كما يُقال، على وضع العربة أمام الحِصان، فالمثقف، وأعني، هنا، المثقف الجذري، اليَقِظ، الذي يحتكم للعقل والمنطق، ويحتكم للحُجَّة والبُرهان، أو للمعرفة، بالأحرى، لا للأيديولوجيا التي غالباً ما تقُودُه، وليس هو من يقودُها، هو من يكون مفتوحاً على العلوم والمعارف، وعلى كل ما يجري، من مفاهيم ومُقارباتٍ، في حقول المعرفة المختلفة، ما يجعله قابلاً لتجديد فكره ونظره، وتَحْييِن معطياته وأدَواتِه، التي قد تكون صالحةً لمقاربات دون أخرى، ولأوضاع دون غيرها.
فالفكر النقديّ، هو فكر بلا أبواب ولا نوافذ، فكرٌ يقبل بالحوار والنقد والإنصات، كما يقبل بالاختلاف. وهو فكر يعترف باختلالاته، أو بخطإِ، أو نسبيةِ ما يقوله ويكتبُه، ولا يعتبر نفسَه سَماءً أخرى، لا حقيقةَ تُضاهيها، أو هي مصدر الحقيقة دون غيرها. وفي هذه المسافة بالذَّات، تكمن الهُوَّة التي تفصل بين الاثنين، بين فكر تقوده الأيديولوجيا، والمصالح الآنِيَة، الضَّيِّقَة والمُغْلَقَة، وفكر تقودُه المعرفة، ويقودُه النقد الذي هو حَجَر الزاوية في بناء أُسُسِ هذه المعرفة، التي هي خلاف الفكر التَّضْلِيلي، الذي يقوم على التَّمْويه والتَّعْوِيم، وقلب المُعطيات والحقائق، أو طَمْسِها كُلِّياً.
المثقف، يبقى، في هذه المُعادلة التي نحرص على مقاربتها هنا، هو الخيار، أو البديل الذي يمكنه أن يُعيد ترتيب الأوراق، ليس وفق قواعد لَعِبِ السِّياسِيّ، بل وفق قوانين المعرفة، التي هي قوانين لا تخون العقل، أو تعمل على تضليله، بقدر ما تعمل على الإنصات لِما يبلُغُه من حقائق، وما قد يكون وضع يَدَهُ عليه من نتائج، انطلاقاً من فرضياتٍ، كانت بالنسبة له هي نقطة انطلاق بحثه، ولحظة القلق التي، بدونها، لا يمكن للمعرفة أن «تستقيم» أو تسير في طريق العقل، الذي لا يَخْلُوَ حتْماً من المُنْعطفاتِ، كما لا يخلو من مَطَبَّات البحث والتَّنْقِيب.
طبيعة السِّياسِيّ، وطبيعة عمله، تفرض عليه التَّحالُف مع الشيطان لتمرير مواقفه، أو برامجه، أو الوصول لمواقع السلطة والقرار، وهذا ما نجده يَحْدُث في أكثر من مكان في العالم العربي بشكل خاص، وهو ما يجعل من الأفق الفكري لمثل هذه السِّياسات، أو التَّحالُفات، أفقاً مُغْلَقاً، أو هو أفق بسقف مغلق، لا سماء تُرى فوقَه، بعكس المثقف الذي يبقى حُرّاً في التأسيس لفكره، ولمشروعاته النظرية. ينتقدُ غيرَه، كما قد ينتقد نفسَه، ويُعيد فَحْص واختبار ما كتبه أو قالَه، لا تُقَيِّدُه حساباتٌ غير حِسابات المعرفة، التي تبقى هي الضوء الذي لا يعرف السِّياسِيّ أنَّها، إذا ما دَخَلَتِ السِّياسَةَ، غَيَّرَتْ مجراها، وأعادتْ «تخليقها»، أو تفكيرها، بمعنى، جعلها فكراً، يقوم على الإبداع، والابتكار، وتجديد الرُّؤى والمواقف، وتَحْيِين المقاربات والمفاهيم، وفق ما تقتضيه طبيعة المعطيات التي تظهر على السطح.
شاعر من المغرب

صــلاح بوســريف

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية