تشهد المنطقة العربية تطورات سياسية وأمنية واقتصادية مصيرية، في محاولة لرسم معالمها وخريطة كياناتها من جديد، وفي هذه المرحلة كما في كل مرحلة، تتزايد التساؤلات حول دور التيارات والأحزاب اليسارية العربية أمام ما يجري، وهل ما زال لهذه القوى والتيارات دور فاعل أو تأثير واقعي على مسار التطورات وخاصة بعد أن هبت رياح الثورات الشعبية لتسقط رأس أنظمة وما زالت تقارع لإسقاط أخرى؟ تلك التساؤلات توجهت بها “القدس العربي” إلى الأمين العام للحزب الشيوعي اللبناني حنا غريب، وفي ما يلي نص الحوار:
*ما هو موقفكم من الحراك الشعبي العربي منذ 2011 من أجل التغيير والتخلص من نظم الفساد والنهب والاستبداد؟
**شهد ويشهد العالم العربي انتفاضات شعبية عارمة تحت شعار واضح “الشعب يريد إسقاط النظام” وتمكنت الشعوب العربية في انتفاضاتها الأولى من إسقاط رأس النظام في كل بلد، لكنها لم تتمكن من إسقاط بنية النظام وهيكليته.
* ما هو السبب؟
**أولا أن اليسار العربي تحديدا لم يكن جاهزا ولا مستشرفا هذه الثورات، بل تفاجأ بها، وتمكنت الأنظمة في هذه البلدان بدعم من الولايات المتحدة الأمريكية والغرب من الالتفاف على هذه الانتفاضات وإجهاض حراكها ومنعتها من تحقيق أهدافها بسبب ضعف التنظيم والقيادة وبالتالي حصل التراجع .
لكن هذا لا يلغي حقيقة هذه الانتفاضات، بأن هناك الملايين من الشعوب العربية نزلت إلى الشوارع والساحات احتجاجا على الأوضاع التي تعيشها وترفض النهب والإفقار والفساد والاستبداد، وبالتالي هذه ليست مؤامرة كما وصفها البعض، هذه انتفاضات شعبية رفعت شعارات وعناوين وطنية واضحة ومحقة، رفضت الاستسلام للعدو الصهيوني وانتفضت لكرامتها الوطنية والقومية فكانت مع المقاومة وترفض العدوان على شعب فلسطين، وتطالب بوقف نهب ثرواتها من قبل الإمبريالية الأمريكية والشركات الدولية المتعددة الجنسيات وترفض وجود أساطيلها وقواعدها العسكرية المحتشدة في المنطقة من أجل السيطرة وحماية مصالحها وحماية الأنظمة الرجعية العميلة لها التي توظف ثروات شعوبنا العربية ليس في سبيل تنمية مجتمعاتها وتقدمها وليس في سبيل دعم الشعب الفلسطيني ومقاومته، بل خدمة لأوصيائها الغربيين .
ولا بد من القول إنه رغم كل هذه الثروات الهائلة، فإن شعوبنا العربية تعيش حال الفقر والحرمان وليست لديها القدرة على تأمين الطبابة ولقمة العيش وفرص العمل للشباب ولا تستطيع تأمين أبسط حقوقها، وبالتالي كانت القضية بالنسبة لها في هذه الانتفاضات قضية تحرر وطني بكل مضامينها السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
اليوم، نحن نشهد نمطا جديدا من الثورات والانتفاضات، تتميز عما سبقها من خلال ما يجري في السودان والجزائر. وما يميّز هذا النمط هو دور القوى اليسارية البارز فيها، وجذرية الشعارات وهو ما يبشر بالخير. فعلى سبيل المثال نرى قيادة إعلان قوى الحرية والتغيير في السودان، لا تكتفي بإسقاط البشير، بل تستمر بمطالبة المجلس العسكري بتسليم السلطة لإقامة دولة مدنية ديمقراطية، وهي مستمرة في حراكها في الشارع لتجذير هذه الثورة، مستفيدة مما حصل في مصر وفي تونس. هذه دروس تعلمت منها الشعوب وقوى اليسار حيث ان انتفاضاتها السابقة وجهت رسالة إلى هذه القوى، بان تتحمل مسؤولياتها وان هذه الشعوب حاضرة وجاهزة. وها هي القوى الثورية الملتصقة بقضايا شعبها تستجيب وتستفيد من الدرس وتؤكد التزامها. يبقى الآن خطر التآمر على الثورات الشعبية وعلى دور القوى اليسارية فيها تحديدا لمنع مسيرة الثورة من تحقيق أهدافها لتجييرها باتجاه آخر يخدم القوى الليبرالية، ولعل ما يحصل من تدخل خارجي ومن دعم مالي من قبل السعودية والإمارات، ومصر، كما يجري في السودان، يصب في هذا الاتجاه .
*هل نحن أمام جرعة جديدة من الثورات الشعبية بعد الانفجار الشعبي في الجزائر والسودان وبدأ يلوح في لبنان؟
** يعيش لبنان والمنطقة موجات متلاحقة من الحراكات الشعبية، وهي تتخذ أشكالا متنوعة من الإضرابات والتظاهرات وصولا إلى الثورات ودعوات التغيير لإسقاط الأنظمة، فلكل بلد أوضاعه وظروفه الخاصة رغم ما يجمعها من مصير واحد ومن قضايا مشتركة. يكفي القول إنها تتعرض جميعها للعدوان والهيمنة جراء المشروع الأمريكي المتمثل بالشرق الأوسط الجديد وأدواته في الكيان الصهيوني والأنظمة الرجعية العربية.
ان هذه السياسة العدوانية الأمريكية ليست بجديدة، انما الجديد فيها انها تتوسع وتزداد وحشية وتعتمد على شن الحروب في محاولة للهروب من تفاقم أزمة الرأسمالية التي تفجرت عام 2008 كما توسلت من أجل ذلك على السياسات النيوليبرالية تحت شعار الانفتاح الاقتصادي وحرّية الأسواق، والخصخصة. فالمشروع الأمريكي ليس عسكريا فقط، فهو يملك أذرعا اقتصادية ومالية، كالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي وهما أدوات السيطرة على اقتصاديات الدول لا سيما التابعة.
لقد انصاعت لهذه السياسات معظم الأنظمة العربية، بما فيها الممانعة. فضربت كل الحقوق والمكتسبات الاجتماعية المعيشية والاقتصادية والقطاع العام كما ضربت وظيفة الدولة التي تحوّلت إلى مجرد شركة خاصة وانقضّت على حقوق العمال والمزارعين وصغار الكسبة ويجب الاعتراف بأن الحركات النقابية الملتحقة بالأنظمة القائمة لم تحرك ساكنا، ومن تحرّك منها جرت مواجهته بقمع لا مثيل له من قبل أجهزة السلطة والقوى النقابية “الرسمية” التي وقفت ضد التحركات الشعبية وعملت على ضرب وحدتها (كما جرى مثلا في لبنان بشكل خاص). وهذا ما سهّل للسياسات النيوليبرالية دفع شعوبنا العربية نحو المزيد من التشظّي والإفقار، الأمر الذي شكّل أحد الأسباب الرئيسية لتفجّر الانتفاضات الشعبية العربية.
لقد أعطت هذه الانتفاضات مضمونا واسعا لشعار “لا صوت يعلو فوق صوت المعركة” فأكدت أن المعركة كي تنجح يجب ان تكون وطنية وشاملة وفي كل المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية. فلا يمكن مواجهة الامبريالية الأمريكية والغربية مواجهة جذرية بأنظمة رأسمالية تابعة لها واستبدادية.
لذلك نحن في كل هذا المسار التاريخي وصلنا إلى ما وصلنا إليه، قيادات أنظمة رجعية مكشوفة تتآمر على شعوبها وعلى القضية الفلسطينية وتعمل ليل نهار للتطبيع مع العدو الصهيوني وتنفيذ صفقة القرن كما يحصل اليوم في مؤتمر البحرين. وقيادات أنظمة تقودها البرجوازية الصغيرة وصلت إلى السلطة وفشلت بتحقيق الشعارات التي رفعتها باستعادة فلسطين والاستقلال الوطني الناجز والوحدة والحرية .
*ما هي مهمة اليسار الآن؟
**أولى مهمات اليسار العمل لبناء وتنظيم مقاومة عربية شاملة للتحرر الوطني يلعب فيها هذا اليسار دورا قياديا بارزا ومنفتحا من موقعه على كل القوى المقاومة وهي مهمة راهنة استنادا إلى انتفاضات شعوبنا العربية وثوراتها من أجل إقامة أنظمة وطنية ديمقراطية، مقاومة تتوحد فيها الطاقات حول مركزية القضية الفلسطينية، لوضع حد نهائي للاحتلال الصهيوني، وتصفية الوجود العسكري الإمبريالي في المنطقة العربية. مقاومة تواجه المواقف الرجعية العربية وتعتمد كل أشكال النضال السياسي والاقتصادي والاجتماعي والعسكري والثقافي، حتى تحرير كامل التراب الفلسطيني والعربي واستعادة حقوق الشعب الفلسطيني كاملة وتحرير الأسرى والمعتقلين. مقاومة تشمل كل الجبهات العربية ومن شأنها أن تؤسس لمشروع فلسطيني وعربي وطني وديمقراطي بعد أن أسقط العدو الصهيوني كل الاتفاقيات .
مقاومة تعتمد على تحرير الثروات العربية ووضعها في خدمة برنامجها التنموي لمصلحة شعوبنا العربية التي من مرتكزاتها الأولى تأمين التكامل الاقتصادي – الاجتماعي بين البلدان العربية، وتعزيز القطاع العام وتطوير الخدمات الأساسية التي يقدمها، وتقوية القطاع الصناعي وتوسيعه وتطويره، وإجراء إصلاح زراعي شامل وحقيقي.
مقاومة لتأمين الحقوق الأساسية للعمال والفئات الشعبية والكادحين (حق العمل، السلّم المتحرك للأجور، الضمانات الاجتماعية والصحية، السكن، التعليم).
مقاومة تؤكد على دور الشباب في عملية الإنتاج والتغيير الديمقراطي، وحقهم في المشاركة في صنع القرار، وإلغاء جميع أشكال التمييز ضد المرأة، والتركيز على صوغ قوانين مدنية للأحوال الشخصية.
إن العمل لبناء هذه المقاومة هو مشروع نضالي نقيض في طبيعته لمشروع الشرق الأوسط الجديد الهادف إلى تقسيم المنطقة العربية إلى دويلات طائفية ومذهبية وإثنية.
وحتى يتحقق ذلك هناك شروط: تبدأ في إنضاج الظروف المؤاتيةٌ لبناء اليسار العربيّ كمشروع بديل جذري يشكل خيارا انقاذيا مستقلا قبل كل شيء فيطرح هو على الآخرين ان يختاروا بين مشروعه وسائر المشاريع بدل ان يفرض عليه دوما الاختيار بين هذا أو ذاك من المشاريع. يسار منفتح، على كل أشكال التعاون والتنسيق مع كل القوى المقاومة الأخرى، أي أن يكون يساراً ذو هوية واضحة ونقية متمسك بقيَمه في تصدّيه للإمبريالية والصهيونية، وفي نضاله من أجل فك التبعية الاقتصادية والعسكرية والسياسية، وفياً للديمقراطية، وللنضال من أجل العلمانية، فلا ديمقراطية بدون علمانية وهما شرطان متلازمان لقيام دول عربية علمانية مقاومة، وان يكون واضحا في رفضه قيام أنظمة على أساس ديني وطائفي وإثني تبرر للكيان الصهيوني “دولته” العنصرية. وأن يكون في طليعة النضال ضد الاستغلال، ومن أجل مصالح الجماهير الكادحة الآنية في تحسين شروط عيشها، وفي خوض معركته ضد أنظمة القمع والاستبداد، وبدون أي اعتماد على الامبريالية الأقرب إلى التعامل والتحالف مع هذه الأنظمة. يبقى على التقدميين واليساريين أن يثبتوا للجماهير ان مقاومتهم ضد العدو تتجاوز تحرير الأرض إلى تحرير الإنسان من الاستغلال الطبقي والاجتماعي. فمعارك حزبنا ضد النظام السياسي الطائفي التابع لشبكة العلاقات الرأسمالية المعولمة، هي جزء من المواجهة ضد المشاريع الامبريالية الهادفة لتقسيم المنطقة طائفيا ومذهبيا. بمثل هذه الرؤية يمكن لليسار ان يعالج أزمته بالتصاقه أكثر فأكثر مع قضايا الناس وان يثبت حضوره في كل المعارك مهما كانت امكانياته متواضعة، فتجربة حزبنا بالمقاومة بدأت منذ ثلاثينيات القرن الماضي وكانت بإمكانيات متواضعة لكنها راكمت وتطورت من الحرس الشعبي إلى قوات الأنصار إلى جبهة المقاومة الوطنية “جمول” واستمرت بعدها. فمثلا خلال حرب تموز عام 2006 قاوم رفاقنا العدوان الصهيوني على لبنان بإمكانيات متواضعة واستشهد بعضهم، فضعف الإمكانيات يجب ان لا يمنع من اتخاذ الموقف وترجمته قدر المستطاع.
واليسار في العالم حاضر أيضا في قلب المعركة ضد الغطرسة الأمريكية، كما في كوبا وفنزويلا ونيكاراغوا وكذلك في تجربة الحزب الشيوعي الصيني ونضالات الأحزاب الشيوعية والحركة العمالية التي تتحرك في الشارع للدفاع عن الحقوق، ولا بد لليسار ان يرى مصلحته بتظهير هويته ومشروعه كي يستفيد من الصراع الدائر على المستوى الدولي من أجل قيام نظام عالمي جديد متعدد القطبية .
*شعارات وتصريحات كثيرة أطلقت بأن العرب في عصر الانتصارات وأن المشروع الأمريكي الإسرائيلي هزم في العراق وسوريا ولبنان، لكن الواضح أن هذا المشروع ما زال يحقق انتصارات ويتقدم بخطوات؟
**ليس صحيحا القول إن المشروع الأمريكي – الصهيوني هزم أو انتصر في العراق وسوريا ولبنان. لقد تعرّض لضربات كبرى وتراجع لكنه لم يهزم وهو يهدد بشن الحروب عبر حشد قواته وأساطيله كما يعمل لإدخال المنطقة في حرب استنزاف طويلة الأمد. فمثلا في لبنان رغم أننا تمكنا من تحرير أرضنا من الاحتلال الصهيوني، ما زالت شبعا وتلال كفرشوبا والقسم اللبناني من بلدة الغجر تحت الاحتلال، ورغم أننا تمكنا من هزيمة المجموعات الإرهابية، إلا ان العدو الصهيوني ما زال يشكل خطرا على لبنان، وما زلنا نعيش تحت ضغط انعكاسات المشروع الأمريكي في المنطقة على لبنان. يكفي التوقف عند الضغوط الأمريكية في موضوع النازحين السوريين وموضوع توطين اللاجئين الفلسطينيين والنفط والغاز وموضوع المقاومة والضغط لسحب سلاحها فضلا عن عدم استكمال مهام التحرر الوطني وبناء الدولة العلمانية الديمقراطية المقاومة، فالمعركة لا تزال مفتوحة والأمور تقاس بخواتمها.
*هذه المهام مسؤولية من؟
** هي مسؤولية القوى اليسارية والوطنية والديمقراطية، كي تعمل بجدية وفعالية من أجل التغيير الديمقراطي، وبناء دولة ديمقراطية علمانية وعصرية .
ان دماء الشهداء، الذين سقطوا من أجل تحرير الأرض انما سقطوا من أجل قيامة وطن يليق بتضحياتهم وليس من أجل تأبيد أنظمة سياسية تابعة زرعت لحماية الكيان الصهيوني وقمع شعوبها وجرى تنصيب سلطات فاسدة على رأسها فنهبت البلاد والعباد ورسخت وترسخ الانقسامات الطائفية والمذهبية والتخلف الاجتماعي كي تعيد إنتاج سلطتها من جديد.
*كيف تخاطبون قطاع الشباب وكيف يتم العمل معهم؟
** نحن نعتبر أن قطاع الشباب والطلاب هو القطاع الحيوي الذي يمثل مستقبل الحزب ومن يكسب الشباب يكسب مستقبل الوطن وعلينا واجب الاستماع لهم ورعايتهم والاهتمام بهم واعطائهم كل الفرص المتاحة كي يتمكنوا من خوض تجربتهم الخاصة، لسنا من دعاة صراع الأجيال. فعلى الشباب من جهتهم أيضا أن يحترموا تجارب من سبقهم على درب النضال. أن خلق أجواء صحية في التنظيم الحزبي هي من أولى أشكال الدعم المطلوبة للشباب كي يتشجعوا للانخراط في العمل النقابي والديمقراطي العام وفي التنظيم الحزبي. نحن نعترف بوجود اشكالية في علاقة الحزب مع الشباب والطلاب وهي تظهر في مشاركتهم الواسعة في تظاهرات الحزب والحراكات الشعبية والتي لا تترجم بذات النسبة في الدخول إلى التنظيم الحزبي.
*كيف يتم العمل لرفع مستوى الوعي لدى القطاعات الشعبية بالمخاطر التي تتعرض لها المنطقة العربية؟
**نحن نعمل من أجل ذلك في إطار الحراك الشعبي للإنقاذ، وهو إطار تنسيقي لقوى سياسية يسارية وعلمانية ونقابية ومدنية، فالندوات وتأسيس اللجان النقابية في كل القطاعات والمؤسسات، وتأسيس اللجان الشعبية في القرى والأحياء الشعبية التي لا توجد فيها نقابات وتنظيم الاعتصامات والتظاهرات التي حصلت في الشارع، كلها أشكال من العمل النضالي لرفع مستوى الوعي إضافة إلى التثقيف الفكري من خلال المدرسة الحزبية وحلقات النقاش. فعندما نقاوم الاحتلال والعدوان ونتحرك ضد سياسة الفساد السياسي ونظامه الاقتصادي والطائفي من أجل توفير فرص العمل وتأمين الصحة والتعليم والسكن وإبقاء الشباب في وطنهم ومنع هجرتهم إلى الخارج فهو فعل نضالي يومي لرفع مستوى الوعي.
*هل تتوقعون حربا في الخليج العربي، أو في جنوب لبنان؟
**كل الضغوط والتهديدات قائمة الآن وبأشكال مختلفة، السياسية والعسكرية والاقتصادية، وكل الاحتمالات واردة بما يؤمن المزيد من الابتزاز الأمريكي لدول الخليج للاستمرار في بيع أسلحته وبقاء قواعده العسكرية بحجة حماية هذه الأنظمة واستخدام الأخيرة ضد إيران واستنزافها في حرب مع دول الخليج فتضرب بذلك عصفورين بحجر واحد. ومن قال إن المشروع الأمريكي في تفتيت المنطقة إلى دويلات وإمارات متناحرة لا يشمل دول الخليج؟ فالولايات المتحدة الأمريكية لا يهمها من دول الخليج سوى نهب ثروتها النفطية والسيطرة على المرافق الاستراتيجية وطرق النقل، فالحرب قد تأخذ أشكالا من الصدامات المذهبية الداخلية في إطار مشاريع التفتيت وليس بالضرورة ان تأخذ الحرب شكل العدوان المباشر.
*هل لدى العرب القدرة على رفض صفقة القرن بعد عقود من التنازلات والرهانات على الموقف الأمريكي؟
**نعم وأكبر دليل على ذلك هو هذه المواجهة المفتوحة ضده، وهذه الضربات التي يتعرض لها. يبقى ان نجاح المواجهة مرهون ببلورة مشروع نقيض له على المستوى القومي وعلى صعيد كل بلد عربي وهو ما سميناه مشروع المقاومة العربية الشاملة بكل مضامينها والذي تشكل فيه القضية الفلسطينية النقطة المركزية وحجر الأساس، ولذلك شروط لا بد من العمل عليها وفي مقدمها الوضع الفلسطيني الداخلي. ففي ظل الانقسام الفلسطيني تصبح المهمة أصعب، فالوحدة الوطنية الفلسطينية أكثر من ضرورة في هذه المواجهة التي يجب ان تكون على أسس واضحة وتقوم على تغليب خيار المقاومة على خيار السلطة المفترض ان تكون في خدمة المقاومة، ومن هذا المنطلق كان الإعلان المشترك بين الحزب والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين حول مشروع المقاومة العربية الشاملة بالمفهوم الذي سبق وتوقفنا عنده.