المدن الصغرى أو حواضر أفريقيا المهملة والمنسية

عبد الله مولود
حجم الخط
0

نواكشوط-“القدس العربي”: دق البنك العالمي في تقريره السنوي الخاص بالوسط الحضري ناقوس الخطر إزاء الإهمال الذي تتعرض له الحواضر الأفريقية الصغرى من جميع النواحي الخاصة بتوفير الخدمات والحظوة في الاستثمارات وفي توزيع الخدمات الأساسية.

وإذا كانت مشكلات المدن الصغرى متشابهة مع أخواتها الحواضر الكبرى، فإن تطورها له قصة أخرى عرضها البنك العالمي في تقريره الخاص بالوسط الحضري الذي أصدره للتو وخصصه لحالة المدن في منطقة أفريقيا ما وراء الصحراء.

ويأتي ذلك بينما لاحظ التقرير، أن عدد السكان الحضريين في منطقة أفريقيا ما وراء الصحراء يتجه نحو الزيادة بالضعف منذ أواسط تسعينيات القرن الماضي؛ فقد وصل إلى 400 مليون عام 2013.

ويؤكد الخبراء معدو التقرير أنه منذ عام 2000 يلاحظ أن نسبة 40 في المئة من مجموع سكان المنطقة يعيشون في المدن مقابل نسبة 31 في المئة تعيش في القرى.

وبينما تحظى المدن العملاقة بالعناية الكبرى نجد أن المدن الثانوية منسية مع أنها المحركات الحقيقية للنمو الحضري.

ويؤكد التقرير أن الفضل في النمو الحضري يعود للمدن الصغرى، حيث ظل النمو الحضري في الكبرى متباطئا، عكس ما هو واقع في المدن الصغرى حيث شهد زيادة ملحوظة خلال السنوات العشرين الأخيرة. وأوضح التقرير أن المدن التي يصل عدد سكانها إلى أكثر من مليون شخص تؤوي نسبة 34 في المئة من السكان الحضريين، بينما تؤوي المدن الثانوية التي يتراوح عدد سكانها بين 250 ألفا ومليون شخص نسبة 14 في المئة.

وتؤكد الإحصائيات أن 51 في المئة من السكان الأفارقة الحضريين يعيشون في المدن التي يقل عدد سكانها عن 250 ألف ساكن.

والسبب في توجه سكان الأرياف إلى هذه المدن هو البحث عن الخدمات الأساسية فيها وخاصة التعليم.

والواقع أن الفقر داخل المدن لا يمس سوى نسبة 22 في المئة من السكان الحضريين مقابل 47 في المئة من سكان الأرياف.

وتحتضن المدن الكبرى ثلث الناتج الداخلي الخام للقارة الأفريقية كلها. ويبلغ الناتج الداخلي الخام للساكن الحضري في أفريقيا 1000 دولار. غير أنه بالنظر لتطور ديموغرافي متساو (40 في المئة للساكنة الجهوية) فإن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تظهر ناتجا داخليا خاما للساكن الواحد قدره 1800 دولار بينما يبلغ الناتج نفسه 3600 دولار للساكن الواحد في دول القارة الآسيوية.

والغريب أن تطوير البنى التحتية في المدن الأفريقية لم يأخذ بعين الاعتبار معدلات تجمع السكان؛ فإذا كان 40 ألف أفريقي قد أنجبوا لأضواء المدن فإنه علينا ألا ننسى أن 60 في المئة من السكان الحضريين في منطقة أفريقيا ما وراء الصحراء يعيشون في الأحياء العشوائية وأن الحاصلين منهم على الماء الشروب لا يتجاوز نسبة 25 في المئة فقط.

وما يؤكد ضعف جاذبية المدن الأفريقية، أن نسبة المواليد ترتبط أكثر بالنمو الديموغرافي لا بالهجرة نحو المدن.

وتعتبر المشاكل التي تواجهها المدن الصغرى أكبر من التي تواجهها المدن الكبرى، لأن حجم المدن الكبرى يحد من تكاليف توفير الخدمات الأساسية بينما يشكل حجم الصغرى عائقا أمام تعميم الخدمات.

وتعتبر تكلفة البنى التحتية بالنسبة لكل ساكن (خدمات بينها الطرق وتوفير الماء الشروب والكهرباء والتعليم والصحة) أكبر بكثير منها في المدن الكبرى.

وإضافة لهذه الفوارق، فإن المدن الصغرى تواجه مشاكل مرتبطة بالتسيير العقاري؛ فتسيير فضاءات السكن تتطلب وجود مؤسسات قادرة على تحرير واستصلاح مساحات خاصة بالتخطيط والتطوير الحضري، ومثل هذه المؤسسات قليل جدا وخاصة في الأنظمة غير الممركزة.

وتتكدس في هذه المؤسسات تحت نظام موحد، مجموعة المسؤوليات المتعلقة بتوفير الخدمات الأساسية التي ما تزال حتى الآن مفرقة بين عدة مستويات إدارية.

وإضافة لذلك فإن المدن الصغرى تجد صعوبات في تجميع التمويلات والكفاءات وتوفير الخدمات الأساسية، وهي أمور مهمة لكن جدوائيتها الاقتصادية غير مضمونة الظهور لأسباب تتعلق بتحديد الأولويات. وتواجه المدن الأفريقية الصغرى مشكلة التواصل أيضا فهي مقطوعة عن بعضها كما أن حجم ساكنتها ليس كبيرا؛ فهي عبارة عن أحياء مجمعة بدلا من أن تكون تجمعا منسقا من أجل أفضل اندماج.

ويؤدي هذا النقص الهيكلي لارتفاع كلفة توفير الخدمات الأساسية كما أنه يحد من فرص التشغيل ويؤثر سلبا على ميزانيات الأسر.

وهكذا تشهد نسبة 55 في المئة من المصاريف العائلية للمنازل الحضرية في منطقة أفريقيا ما وراء الصحراء، ارتفاعا عن مثيلتها التي لها الدخل الفردي نفسه الداخلي الخام في بلدان أخرى.

ومما سجله التقرير أن نسبة 50 في المئة من التنقلات تتم على الأقدام في مدن باماكو وداكار ودوالا ونيامي.

وتطرح الملكية العقارية مشكلة كبرى داخل المدن الأفريقية الصغرى حيث أن المملوك من الأراضي بصورة رسمية لا يتجاوز 10في المئة.

وأوصى التقرير مسؤولي المدن الأفريقية الصغرى بالبحث عن حل يضمن الانتقال من الاستغلال الزراعي نحو الاستغلال غير الزراعي، وهو ما من شأنه أن يخلق قيمة مضافة.

 ولاحظ التقرير حضورا ضعيفا للمدن الأفريقية الصغرى في الفضاء الحضري الأفريقي وهو أمر ناجم عن ضعف النشاط الصناعي في أفريقيا؛ فغالبية النشاطات الصناعية والتصنيعية مجمعة في المدن الكبرى مثل نشاطات الأقمشة والملابس، وهي ذات انعكاس ضعيف على الناتج الداخلي الخام للبلدان الأفريقية.

وخلص التقرير إلى توصية مفادها أن العمل يجب أن يتوجه في المدى الطويل نحو تحقيق ثلاثة أهداف هي إعادة توجيه الإنتاج، والحد من التبعية السلبية للخارج مع التركيز على الاستثمارات العمومية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية