المُلصَق

حجم الخط
0

المُلصَق

المتوكل طهالمُلصَقكُلّما سِرتُ ألقاهُ، مُتَّزِناً في هدوءٍ جَليلٍ، كأنَّ الفراشاتِ مَرَّت علي شفتيهِ؛ فانفرَجَتْ بابتسامَتِها، أو أَلقَتْ الشمسُ ثوباً خَفيفاً علي وجههِ فانتَشي، وقد أَنضَجَ الّلوزُ نوّارَهُ في شبابيكِ عَيْنيهِ..فاتسَعَت للسواد.هنا أجلَسوهُ علي حائطٍ في الطريقِ، وَخَطّوا علي صَدرهِ آيةً للعزاءِ، وكان علي كلِّ بابٍ، وجذعٍ، وجامعِ حُزنٍ، ونافذةٍ أغلقوها، وقنطَرةٍ للعباد. ألقاهُ في كلِّ دربٍ أَمامي، كما كان قبلَ قليلٍ بهيئتهِ، مثلَ تمثالِ ضوءٍ، تَزّيا بصورتهِ فوقَ جدرانِ كلِّ سَبيلٍ، وعامودِ نورٍ، فكان علي كلِّ زاويةٍ مثلَما جَمَّدَتهُ ملامِحُه مُلْصَقاً فوق هذا الجماد.وصِرتُ إذا سِرتُ يَضحكُ لي! ربمــــــا قد تهيَّأَ لي، غَيرَ أنّي أري بَرَداً قد يسيلُ علي جَمرةٍ في الوهاد.تَفرّستُ فيه إلي أنْ تَيَقّنتُ أنَّ هذا القَتيلَ يُضاحِكُني، فابتَسَمتُ له كي أرُدَّ التحيَّةَ. ثُمَّ أراني أراهُ هنا وهناك، وفي كلِّ خَطْوٍ، فأضحَكُ، حتي تأكدتُ أنَّ الذينَ رأوني يَظنّونَ أنّي اختَبَلتُ..ولم يعلموا أنَّ إشراقتي لصديقي، الذي لستُ أدري إذا كانَ ماتَ شهيداً، أو رُبّما راح في عَتمَةِ الاقتتالِ المُريبِ، أو بالرصاصِ الذي خانَ أهلَ السلامِ، وأطلقَ في الناسِ جوعَ الجراد.وصِرتُ أخافُ علي صاحبي من لهيبِ الغزالةِ، أو أنْ يذوّبَهُ الماءُ إنْ زَخَّ من عاصفاتِ القَتاد.وحِرْتُ، كيف سأحميهِ من زَمنٍ سوف يُبْهِتُ حُمْرَتَهُ، إنهُ صاحبي ! ثُمَّ من حَقِّهِ ألاّ تُقلِّبهُ النَّاغِرِيَّةُ أو يَلْفَحُ الوجهَ ريحٌ، وتُلقيهِ في حاوياتِ القمامةِ بعضُ الأياد.حِرْتُ وأدركتُ أنَّ صَديقي الذي لا ينامُ، ويَحرسُ في الليلِ كلَّ المدينةِ، سوف يهجُرنا عاجلاً كان، أو بعدَ حينٍ، ولن يصمدَ الدّهرَ هذا المِداد!غير أنّي، وفي حيرتي،كلَّ صُبْحٍ، أري طِفلةً في الطِريقِ تُلوِّحُ، أو وَجهَ طِفلٍ يُضاحِكُ حائطَ مَدرسةٍ، والحَقائبُ في سِرّها رَسَمتْ خارطةً للبلاد.شاعر وكاتب من فلسطينQSH0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية