شهدت العاصمة البريطانية، لندن يوم السبت 25 أيار/مايو الماضي فعاليات جائزة لندن للأفلام السينمائية الدولية، وقد حصد المخرج العراقي قتيبة الجنابي بفيلمه “قصص العابرين” جائزة أفضل فيلم روائي تجريبي دولي، وقد تنافست مجموعة من الأفلام من مختلف دول العالم على جائزة الفيلم الروائي التجريبي التي تمنح عادة للإنتاج الأفضل على مدار سنة كاملة.
فيلم “قصص العابرين” يمكن أن يدخل في تبويبات عدة، فعلى صعيد الإنتاج هو من أفلام الإنتاج المستقل، اعتمد فيه صانع الفيلم، قتيبة الجنابي على مادة أولية كان قد عمل عليها طوال عمره الفني الممتد قرابة 40 عاما. وفنيا يعد من أفلام الدوكيودراما، وهو المنهج القائم على خلط الدرامي بالتسجيلي ليقدم لنا عملا ينقل رؤيا صانع الفيلم للعالم. كما أن الفيلم متكئ بصورة شبه كاملة على سيرة كاتب ومخرج الفيلم قتيبة الجنابي، وبذلك يمكننا اعتبار”قصص العابرين” من أفلام البيوغرافيا أو السيرة الذاتية.
وبما أن الفيلم يحكي جانبا من سيرة كاتبه ومخرجه، فلا بد في البدء من التعريف بصانع الفيلم بشكل أكثر تفصيلا، فهو مخرج ومنتج ومصور سينمائي عراقي يعيش في بريطانيا. وُلِدَ في بغداد، وغادرها وهو في السابعة عشرة من عمره، قبل إشتعال النيران الكبيرة في الوطن، غادر الجنابي وطنه وهو لا يحمل معه سوى حقيبة صغيرة فيها متعلقاته القليلة، بينما كان يعلق في رقبته كاميرا فوتوغرافية اعتبرها منذ ذلك الحين جزءا لا يتجزأ من كينونته.
وصل إلى المجر ليكمل دراسته في الموضوع الذي شغف به، إذ التحق بأكاديمية للدراما والسينما في بودابست، ليُصبح مصوراً سينمائياً محترفا. وربما كان من حسن حظه أنه تتلمذ على يد فنانين مجريين مهمين تركوا بصمتهم في تشكيل شخصيته الفنية لاحقا، فقد درس على يد المصور السينمائي المجري/العالمي الأشهر لايوس كولتاي، الذي تم ترشيحه لجائزة الأوسكار والذي يعد أحد رموز المدرسة المجريةّ في الإضاءة والتصوير والإخراج. وعند تخرج الجنابي من الأكاديمية أصبح مؤهلا للعمل في صناعة الأفلام، لذا عمل في قطاع السينما كما عمل في التلفزيون المجري، ثم أكمل رحلته الأكاديمية ليحصل على درجة الدكتوراه في جامعة يوتفوس لوراند في موضوع عِلم الجمال مناقشا في رسالته موضوع تاريخ السينما العربية. لينتقل بعدها إلى العاصمة البريطانية لندن للعمل كمصور سينمائي في مختلف الأفلام، كما أنتج وأخرجَ عدة برامج لقناة “ام بي سي” وأنتج وأخرج أفلاماً قصيرة ووثائقية مميزة. لينتقل بعد كل هذه الرحلة الفنية إلى كتابة السيناريو وإنتاج الأفلام الروائية.
فيلم “قصص العابرين” الذي فاز بالجائزة الأولى في مهرجان لندن كان الحلقة الوسطى من ثلاثية دوكيودرامية عمل ويعمل عليها قتيبة الجنابي لتقديم سيرته، إذ كتب وأخرج الجزء الأول منها وهو فيلمه الروائي الطويل الأول “الرحيل من بغداد” عام 2010 والذي فاز عنه حينها بجائزة السينما المستقلة البريطانية ”The British Independent Film” كما فاز بعدد من الجوائز في مهرجانات أخرى مثل جائزة مهرجان الخليج السينمائي وجائزة مهرجان موناكو السينمائي.
وجاءت الحلقة الثانية في ثلاثية سيرته السينمائية في “قصص العابرين” وهو إنتاج 2018 بينما ستكون الحلقة الثالثة فيلمه المقبل “رجل الخشب” الذي نوه عنه بقوله إنه في طور الإنتاج الآن.
يحكي “قصص العابرين” حكاية المنافي أو الشتات “الدايسبورا العراقية” التي تنوعت أسبابها السياسية والاجتماعية والاقتصادية لتصب في نتيجة واحدة هي الاغتراب في منافي الأرض المختلفة، ولأن الجنابي قادم من مدرسة التصوير الفوتوغرافي والسينمائي إلى الإخراج وكتابة السيناريو، لذلك يمكننا الإشارة إلى دور الصورة الواضح في أعماله السينمائية وبشكل خاص في فيلمه الأخير الذي بدا وكأنه يوميات بصرية شخصية تستعرض حكايا وذكريات وأمكنة وهواجس مر بها المؤلف/المخرج.
كما جاء الصوت المصاحب لشريط الفيلم الذي نفذه الجنابي بنفسه وبلكنته وبكل ما أراد ان يحمله من حمولات فنية لكلمات الحوار الأحادي “المونودراما” للشخصية الساردة، لتصبح النتيجة سيرة ذاتية سينمائية تنقلنا إلى عوالم الجنابي الداخلية وكوابيسه المرعبة. فمنذ طفولة صبي هو أبن لأحد جنرالات العراق المميزين، الذي يتم اعتقاله في ليلة ليلاء لا يفهم الطفل كنه ما يحصل لكنه يستشعر الرعب الحاصل نتيجة هجوم الانقلابيين على بيت الأسرة وتكسير الأثاث واختفاء الأب، الذي لا يلبث ان تعلم العائلة بعد ذلك بأيام انه قد أعدم على يد من خطفوه، لتصبح كوابيس الحياة مرتبطة بشكل لا فكاك منه مع صوت الراديو ونشرات أخباره ومارشاته العسكرية التي تمثل إعلانا لانقلاب جديد.
كما استعمل أعماله السابقة كمادة خام ليروي عبرها سيرته الفنية أو المراحل التي مر بها ورحلة نضوجه الفني، وقد قسم فيلمه “قصص العابرين” إلى أقسام ربما ارتبط بعضها بقصص أعماله السابقة، فجاءت أقسامه كما يلي؛ “الحجرة، حياة ساكنة، الشتاء، مغادرة بغداد، القطار، الجندي، القاتم”.
يتنقل قتيبة في فيلمه الأخير بين ثلاث مراحل بوضوح، الأولى إنطلاق رحلة الهروب من بغداد، وهو الشاب البالغ من العمر 17 عاما، الهارب من أتون جحيم سيفتح شدقيه على البلد، فيحمل كاميرته وبضع أفلام ومجموعة صور لتكون زوادته في مغتربه ملفوفة بحنينه ولوعته المرسومة على شكل صورة الأب الذي غيب. أما المرحلة الثانية فصورها ببراعة لتنقل لنا صورها وكلمات الجنابي المصاحبة للشريط السينمائي وحشة ليالي العيش في صقيع المنافي وبرودتها وآلامها عبر الاشتغال على صور محطات القطارات والانتظار والشقق الباردة التي يطرد منها المهاجر لأتفه الأسباب. لينتقل إلى المرحلة الثالثة وهي محاولة العودة إلى الوطن المختلف الذي عانى كل الويلات، ومحاولة دفن كل المخاوف عبر التمثيل الرمزي لدفن جهاز المذياع.
ويبقى الجو الكابوسي القاتم مسيطرا على الفيلم نتيجة إحساسه المفزع بلوعة الغربة وضغط المنفى ومحاولة العودة إلى وطن اختفى ولم يعد له وجود، إذ ان الوطن المتخيل في ذهن الجنابي هو عبارة عن وطن رسمته النوستالجيا ولن يستطيع العودة له مرة أخرى بعد كل الخراب الذي حل به. فهل يستطيع الفنان ان يستقر في مكان ما من هذا العالم الواسع ويتفرغ لخلق إبداعه بعيدا عن المكان الأول؟ أم أنه سيواصل البحث في كل الأمكنة عن الوطن المفقود؟ يجيب قتيبة الجنابي على هذا السؤال قائلا؛ “سيبقى المهاجر حاملاً حلمه وهمه على ظهره باحثاً عن وطن فقده في لحظة عابرة من الزمن، وسيكون ذلك الوطن المفقود بالنسبة له بمثابة البوصلة التي ترشده إلى كل الأمكنة، حتى أكثرها بعدا”.