في أول كانون الأول/ ديسمبر من عام 1947 عقد مجلس النواب السوري جلسته السابعة، وفي رأس جدول الأعمال كان بحث قضية فلسطين إزاء التطورات الأخيرة، ويعني بها قرار هيئة الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين بين العرب واليهود. تحدث كثير من النواب في هذه الجلسة، وكنت واحداً منهم، في خطابات دعوا بها إلى عدم قبول ذلك القرار والعمل لمنع تطبيقه من قبل الدول العربية بأجمعها، وهي الدول الممثلة بالجامعة العربية. وأعلن رئيس المجلس أنه تلقى كتاباً موقعاً من ثلاثين نائباً يقولون فيه إنهم يتقدمون على وزارة الدفاع الوطني طالبين اعتبارهم متطوعين من أجل الدفاع عن فلسطين. وقد كان اسمي بين هؤلاء.
كان بين الموقعين عدد من الجادين حقاً في تطوعهم، ولكن البقية كانوا ممن لا يتصور أحد أو يتصورون هم، ولعوامل متعددة، انضمامهم إلى المجاهدين في ما تطوعوا له. وهذا ما حققته الأيام المقبلة عندما تشكل جيش الإنقاذ. فمن بين الثلاثين الذين أعلنوا تطوعهم في تلك الجلسة لم يلتحق بهذا الجيش عندما بدأ عملياته إلا ثلاثة نواب، اثنان شاركا بأعماله منذ اليوم الأول والثالث لحق بهما بعد أيام إلى ساحة القتال.
أول المتطوعين الثلاثة كان أكرم الحوراني. التحق أكرم بفوج اليرموك الثاني منذ بداية تأليفه، في أول شهر كانون الثاني/ يناير أو قبلها بأيام، على رأس مجموعة من أنصاره وأعضاء حزبه العربي الاشتراكي الذي انضم فيما بعد إلى حزب البعث فأصبح اسمه حزب البعث العربي الاشتراكي. كانت هذه المجموعة، التي تتكون من أبناء حماة، مواطني أكرم، تؤلف نواة الفوج بكثرة عددها وبالتفافها حول زعيمها الحوراني. ولا ننس أن قائد الفوج، أديب الشيشكلي، كان من أبناء حماة، وإن لم يكن مدنياً متطوعاً كالآخرين، بل كان ضابطاً عاملاً في الجيش السوري أفرز لهذه المهمة النضالية التي تصطبغ بالصبغة الشعبية.
كنت أنا المتطوع الثاني بين النواب الثلاثة الذين أشرت إليهم في ما سبق. انتسبت إلى الفوج في الثالث أو الرابع من شهر كانون الثاني/ يناير. انتسبت إليه منفرداً، من دون حاشية أو أنصار. بل إني آثرت ألا يعلم غير القليل بهجري مقعدي النيابي وانضمامي إلى الرفاق المتأهبين لدخول الأراضي الفلسطينية في الأيام القليلة المقبلة.
أما زميلنا المتطوع الثالث فكان غالب عياشي، نائب مدينة إدلب. لحق بنا هذا الزميل إلى مناطق توزعنا في الجليل الأعلى بعد أيام أو أسابيع قليلة، على رأس مجموعة من أبناء إدلب، ممتلئين حماسة، وقد أبلوا بلاء حسناً في ما ندبوا إليه من أعمال في المدة التي باشر فيها الفوج نشاطه القتالي (…)
سرنا الليل لنخترق الحدود من منطقة «عيتا الشعب». النظام فقد بسبب البغال اللعينة التي لم تستطع النهوض بأحمالها فانغرست أقدامها في أوحال الطريق وغرست معها الرجال. وكان الخوف من المجهول الذي استولى على نفوس كثيرين من أفراد القيادة يزيد في الفوضى. وتقدمنا أنا والأستاذ أحمد حسين [المصري، زعيم حزب «مصر الفتاة» آنذاك] في ظلام الليل، تقدمنا الفرقة بكاملها نبحث عن الرؤساء لنبلغهم بما يجري، فسرنا في طريق وعر لم نكن نفكر بأن هناك مثله في الكون. حدثت نفسي بأن هذه هي المغامرات التي يجب أن تخاض. قبل الآن لم تكن مغامراتنا تتعدى نظرة إلى فتاة ونظرة منها. أما هذا الطريق الوعر الشائك، وهو ليس طريقاً بل منحدرات كالتي نراها في الأحلام والتي نشعر برجفة لمجرد التفكير بالنزول فيها، والمشي فيها بعينين تائهتين خائفتين، فهي المغامرات الحقة.
وصلنا إلى قرية فسوطة في الساعة الثانية عشرة من ليلتنا هذه سابقين الجميع من أفراد فئتنا، فئة القيادة. وقد قابلنا أهل فسوطة خير استقبال، وقام أبو إبراهيم قائد السرية الثالثة خير قيام بتدبير الأمور وهو الخبير بهذه البلاد، بلاده.
وهكذا دخلنا أرض فلسطين على خير حال، فعسى أن تكون فاتحة العمل المجيد الذي سنبدأه.
خلال حوار صحافي يعود إلى مطلع تسعينيات القرن الماضي، وتعقيباً على تجربة تطوّعه ضمن جيش الإنقاذ في فلسطين، 1948، قال الدكتور (1918 ـ 2006)، الطبيب والسياسيّ والكاتب والروائي والقاصّ السوري الكبير: «أتاح لي تطوعي بهذه الحملة تجربة فذة ومعرفة غنية سواء من الناحية الشخصية أو الناحية العامة. لقد اكتشفت من خلال الفترة التي قضيتها في فلسطين وفي ميدان المعارك، إذا صح لي أن أسميه هكذا، أشياء كثيرة عن سير أمورنا، وعن خصائص شعوبنا، وعن أقدار رجالنا. ومن المؤسف أن تجربتي قد تكشفت لي عما خيّب أمل الشاب المثالي الذي كنته».
هذه خلاصة يصعب أن تفاجىء الكثيرين، بل لعلها تبدو منطقية تماماً بالقياس إلى مآلات النكبة، ليس على صعيد الويلات التي حاقت بالفلسطينيين أنفسهم، فحسب؛ بل كذلك بسلسلة الخيانات التي ارتكبتها الأنظمة العربية بحقّ المتطوعين العرب، من الأسلحة الفاسدة، إلى الانسحابات التي تركتهم مكشوفين تماماً أمام العصابات الصهيونية. لكنّ تجربة العجيلي في فلسطين، بوصفه الأديب والمثقف وابن البيئة الفراتية، عضو البرلمان السوري الأصغر سنّاً، والوزير لاحقاً؛ كانت بالغة الخصوصية، وصنعت سابقة لامعة على الصعيد العربي، لعلها لا تذكّر إلا بمثقفي العالم وفنّانيه الذين تطوعوا للقتال إلى جانب الجمهوريين خلال الحرب الأهلية الإسبانية، قبل النكبة بأعوام قليلة.
ولد العجيلي في مدينة الرقة، وسيرته تشير إلى رغبة مبكرة في السياسة (فكّر بالترشح للمجلس النيابي وهو في سنّ السادسة عشرة!)؛ وفي الكفاح المسلّح (منذ سنة 1936، حاول التطوّع للقتال في فلسطين)؛ وفي الأدب بالطبع، والقصة القصيرة بصفة خاصة. وهكذا، ترجم طموحه السياسي إلى عضوية مجلس النواب، سنة 1947، وتولى وزارات الثقافة والإعلام والخارجية، سنة 1962؛ وحارب، بالفعل، في فلسطين؛ وأصدر 13 مجموعة قصصية، وثماني روايات، وقرابة 21 عملاً بين مقالة ومسرح ومقامات وأدب رحلات، فضلاً عن مجموعة شعرية واحدة.
رحل العجيلي دون أن يكون معارضاً صريحاً للنظام السوري، لكنّ كتاباته كانت تشي بالكثير الذي يندرج في باب الاحتجاج العميق على الأوضاع المزرية التي انتهت إليها حياة السوريين في عهود حزب البعث. وذات يوم نزلت مجلة «العربي»، الشهرية الكويتية، إلى المكتبات والأكشاك السورية وقد اقتطعت منها الرقابة ثلاث صفحات؛ وكان الأمر نادراً تماماً، لأنّ المجلة لم تكن سياسية، ولا يُعرف عنها نشر موادّ تغضب الأنظمة العربية. فهرس العدد كان يشير إلى أنّ الصفحات المقتطَعة هي مقال للعجيلي، عن… كيفية شراء كيلوغرام من البندورة، بواسطة رافعة (ونش) ضخمة! وأمّا خلفية المقال فهي أنّ سورية كانت، يومذاك، تعيش أزمة تموينية خانقة، تقتضي الاصطفاف ساعات عديدة في طوابير طويلة، من أجل ربطة خبز أو كيلوغرام من البندورة أو البطاطا أو البصل، أو علبة يتيمة من المحارم الورقية. ومن هنا فضيلة الـ»ونش» في مقال العجيلي!
٭ مقاطع من فصل طويل بعنوان «في أرض فلسطين»، نُشر لاحقاً ضمن الجزء الثاني من كتاب «ذكريات أيام السياسة»، رياض الريس للكتب والنشر، بيروت 2002.
عبد السلام العجيلي