عمان – «القدس العربي»: مسألة اثبات إدعاءات التعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة في أماكن التوقيف المؤقت المنتشرة في الاردن ما زالت صعبة ومعقدة وتستلزم اتخاذ إجراءات فورية لتمكين الضحية من التوثيق مع ضمان احالة المسؤولين عن تلك التجاوزات الى القضاء المختص، حسب ما قالت رئيس وحدة العدالة الجنائية نسرين زريقات.
بالنسبة للمحامية الحقوقية الزريقات التي تحدثت مفصلا لـ«القدس العربي» بالرغم من إجراء التعديلات التشريعية إلا ان مسألة اثبات واقعة التعذيب يصعب توفرها لعدة اسباب، منها إطالة مدة التوقيف بموجب قرارات التوقيف الإداري ووجود مذكرات توقيف جاهزة وموقعة مسبقا من الحكام الإداريين في المراكز والادارات الأمنية لتمديد احتجاز الأشخاص أكثر من 24 ساعة بحجة التحقيق ودون التقيد بنصوص قانون منع الجرائم، وإختفاء آثار العنف الجسدي لطول مدة التوقيف.
إضافة لذلك استحالة وجود شهود أو تقارير طبية شرعية نتيجة لفقدان الإتصال بالعالم الخارجي والسرية التي ترافق مرحلة التحقيق الإبتدائي، وصعوبة معرفة الضحايا لشخصية الجناة من أفراد الضبطية العدلية، مبينة ان من يمارس الإكراه لا يتولى ضبط الإفادة وبالتالي تعتبر تلك الإفادة قانونية ودليلا قاطعا بعد سماع أقوال منظم الضبط بان الشخص أداها بطوعه مع انه قد تعرض للإكراه البدني أو النفسي.
وزادت زريقات:غياب الرقابة القضائية الفعالة على أماكن التوقيف يساهم الى حد كبير في تعريض المحتجزين الى سوء المعاملة والإكراه البدني والنفسي كما انه وان توفرت تلك الرقابة فان استمرار تقديم مرتكبي جرائم التعذيب الى محكمة الشرطة من شأنه الحيلولة دون تمكن الضحية من مواجهة من قام بتعذيبه، ولو تم تقديمهم الى المحاكم النظامية المستقلة ستكون أحكامها أكثر حيادة وفاعلية.
وحسب تقرير «المركز الوطني لحقوق الإنسان» حول أوضاع مراكز التوقيف لعام 2013 استقبل المركز ادعاءات بارتكاب جرائم التعذيب وغيرها من ضروب سوء المعاملة بحق المواطنين من قبل منتسبي بعض الإدارات والمراكز الأمنية بلغت 77 شكوى وتم حفظ 13 منها بناء على طلب المشتكي واغلاق 15 لعدم ثبوت الإنتهاك. وما تزال 48 شكوى قيد المتابعة في حين احيلت واحدة الى محكمة الشرطة ولا تزال قضية أحد المواطنين الذي توفي في عام 2013 في إحدى نظارات الإدارات الأمنية منظورة من قبل تلك المحكمة.
وبين التقرير ان الموقوفين أشاروا الى صور تعذيب مختلفة وقعت عليهم من ضرب على جميع أجزاء الجسم باللكم والصفع والركل والرفس باستخدام الأيدي أو العصي، السوط، الفلقة، الشبح، أو الحرق وتهديد الضحية (الموقوف) بأحد الأقارب بالقيام بحبسه من أجل ارغامه على الإعتراف خاصة في ادارة البحث الجنائي ومكافحة المخدرات والتزييف.
الناطق الإعلامي لمديرية الأمن العام الرائد عامر السرطاوي نفى في حديثه لـ «القدس العربي» ما جاء في التقرير مبينا «ان هناك حالات انتهاك فردية وقعت على بعض النزلاء في المراكز الأمنية أثناء التحقيق معهم من قبل بعض رجال الأمن العام لكنها محدودة وتم تحويلها الى القضاء للحكم فيها» مضيفا انه لم تصل شكاوى كثيرة من النزلاء بوجود انتهاكات جسدية.
وأضاف بان هناك محامين يتابعون القضايا في محكمة الشرطة المحكمة النظامية التي تقدم اليها الشكاوى بحق رجال الأمن العام، موضحا بانها أصدرت قرارات بحالات فردية على رجال الأمن وحكمت على بعضهم بالسجن. وفيما يتعلق بفترة التحقيق مع الموقوف أشار الى ان أغلب الموقوفين ينظر بقضاياهم خلال 24 ساعة، وهناك بعض القضايا الخطرة يصعب التحقيق فيها نظرا لضيق الوقت خاصة في القضايا الكبرى كالجنايات مما يدفع المراكز الأمنية الى مخاطبة الحاكم الإداري أو المدعي العام لتمديد الوقت ليتسنى النظر في القضية وعدم إضاعة حقوق الناس وظلمهم خاصة في جرائم القتل.
وأكد ان زيادة مدة التحقيق مع الموقوف تكون بقرار من الجهة القضائية وحتى واضعي التقرير ومنهم المحامون لا يستطيعون الطعن فيه لانه قرار قانوني.
المحامية زريقات أشارت الى أنها وفريقها رصدوا خلال زيارتهم لمراكز التوقيف انتهاكات وتجاوزات على حقوق المحتجزين منها النقص الحاد في وجبات الطعام المقدمة لهم والفراش والأغطية نتيجة للإكتظاط في تلك الأماكن وفقدان المحتجز الإتصال بالعالم الخارجي وصعوبة استقبال الزوار من أفراد اسرته وحرمانه أحيانا من قبل بعض الإدارات الأمنية من اجراء الإتصال الهاتفي باسرته لاعلامها عن مكان وجوده بحجة سرية التحقيق. إضافة الى الاحتفاظ بالموقوف لمدة طويلة تزيد عن اسبوعين بموجب مذكرة صادرة عن الحاكم الإداري في زنزانة الحجز الانفرادي التي قد تخلو من المرفق الصحي مثلما تنعدم فيها الإضاءة الطبيعية والتهوية الصحية.
وأوضح السرطاوي ان «مراكز التوقيف كانت تعاني في الماضي من مشاكل في البنية التحتية لكن قمنا بصيانتها وإعادة تأهيلها وتحديثها وزرعنا كاميرات عدة في المراكز لرصد وتوثيق أي انتهاك أو تجاوز يحصل خلال إقامة الموقوف». وفيما يخص طعام الموقوف قال «ان ما يأكله رجال الأمن العام يأكله الموقوف حيث تخصص له ثلاث وجبات ويستطيع شراء الأكل من الخارج اذا لم يرغب بطعام المركز الأمني».
وأضاف ان مياه الشرب موجودة وموفرة للموقوف والإتهامات الموجهة للمديرية غير صحيحة مضيفا «ان أي موقوف يستطيع التواصل مع اهله ويسمح له بالإتصال إلا اذا اقتضى سير التحقيق عدم اتصاله بإهله خاصة في بعض القضايا الخطيرة».
وأما عن عدم وجود السجلات الطبية لكل موقوف فقال انها تحتاج لفحوصات طبية طويلة أكثر من 24 ساعة لذلك من الصعب وجودها، مضيفا انه يتمنى ان يعدل القانون بحيث تتم زيادة فترة التحقيق أكثر من 24 لأخذ وقت كاف في التحقيق.
عالم الاجتماع الدكتور حسين محادين قال «ان أي انتهاك يقع على الفرد يشكل تشظيا على شخصيته خاصة اذا كان صاحب رأي وفكر» مضيفا ان الحقائق التاريخية تشير الى ان الإنسان يمكن ان يصطدم مع النص القانوني في المجتمع ما دام صاحب رأي وموقف.
وأشار الى ان المبرر لذلك ان القانون أصم وجامد ولا يطور الا للإحتياجات مبينا ان الانتهاكات اللفظية والجسدية يرفضها المجتمع وتمثل سلوكا مخالفا للفطرة البشرية.
الناشطة الحقوقية في «مركز العدل للمساعدة القانونية» هديل عبد العزيز أكدت على ان الإحتفاظ بالموقوف أكثر من 24 ساعة في مراكز التوقيف يشكل جرما قانونيا وتعتبر اجراءات التحقيق باطلة بالرغم من ان المراكز تستغل صلاحيات الحاكم الإداري في هذا الجانب لتكون اجراءاتها قانونية.
وفيما يتعلق بعدم تمكين الموقوف من الإستعانة بمحام في مراكز التوقيف أشارت الى ان 99 في المئة من القضايا لا يوجد فيها محام ما يدفع بعض رجال الأمن العام الى إرتكاب الانتهاكات بحق الموقوفين وهدر حقوقهم وسمعة الأمن العام ومجريات العدالة بشكل غير قانوني مشكلا مخالفة صريحة لقانون العقوبات.
وأضافت بان وجود محام في قضايا الموقوفين يحمي الفرد من التعرض للتعذيب ويحمي مؤسسة الأمن العام من أي ادعاءات مبينة بان التعديل الأخير على قانون نقابة المحامين شكل خطوة ايجابية في مثول المحامي في قضايا الموقوفين امام المراكز الأمنية. وأما عن محاكمة بعض رجال الأمن العام في محكمة الشرطة في حال وقع أي انتهاك على الموقوف فالأصل ان يحاكم أمام المحاكم النظامية حتى لا يفلت من العقاب باعتبار محكمة الشرطة تابعة لمديرية الأمن العام.
وكانت الحقوقية زريقات دعت الى «زيادة جهود الرقابة والمحاسبة من قبل مديرية الأمن العام للحد من تجاوزات منتسبي بعض الإدارات الأمنية وملاحقة مرتكبي جرائم التعذيب وتقديمهم الى محكمة الشرطة وتعزيز ثقافة منع التعذيب الى جانب الاجراءات القانونية ورفع مظلة الحاكم الاداري عن اجراءات التحقيق التي تقوم بها الشرطة بشكل يضمن عدم الإستمرار في حجز الأشخاص للتحقيق معهم لمدة طويلة. وتعديل قانون العقوبات بشكل يجعل مسؤولي مراكز الإصلاح والتأهيل أو مراكز الاحتجاز مسؤولة عن سلامة المحتجزين في حال عدم التمكن من الاستدلال على الشخص مرتكب الجريمة، وحصر اختصاص النظر في جرائم التعذيب بالمحاكم النظامية عوضا عن المحاكم الخاصة التي لا تتوافر فيها ضمانات المحاكمة العادلة بموجب المعايير الدولية».
وزادت انه «لا بد من الاحتفاظ بسجلات دقيقة في أماكن الإحتجاز لتشمل تسجيل وقت القاء القبض ومكانه وتحديد هوية الموظفين والمكان الفعلي للإحتجاز والحالة الصحية عند وصوله والفحوص الطبية التي اجريت له واتخاذ الإجراءات التي من شلأنها فصل المحتجزين في مرفق الإحتجاز السابق للمحاكمة عن المحققين، بحيث لا يخضع لاشرافهم لأكثر من الوقت الذي يقضي به القانون للحصول على اذن قضائي بالاحتجاز السابق للمحاكمة وتوفير أماكن توقيف للنساء والأحداث في المديريات التي تخلو منها، واجراء أعمال الصيانة وتوفير النظافة والغذاء والفرش المناسب في النظارات التي تعاني من المشاكل وتفعيل آلية التفتيش على أماكن التوقيف من قبل السلطة القضائية».
وأوضحت انه لا بد من الغاء قانون منع الجرائم ولحين ذلك يجب احترام القرارات القضائية والأحكام النهائية بالبراءة أو عدم المسؤولية والإلتزام بها واتباع مبدأ ملاءمة الإجراء الضبطي والخطورة الجرمية عند فرض الإقامة الجبرية. مشيرة الى انه ينبغي على الحكام الاداريين الالتزام بالاجراءات الواجب اتباعها بموجب المادة (4) من قانون منع الجرائم عند اللجوء الى إصدار مذكرة القبض وسماع أقوال الأشخاص ومن ثم إصدار مذكرات التوقيف الإداري.
إسلام أبو زهري