لندن ـ «القدس العربي»: نقلت حركة الحوثيين معركتها من صعدة في شمال اليمن، الى العاصمة صنعاء على أمل النجاح في إزاحة نظام الرئيس عبدربه منصور هادي، وهو على ما يبدو ما تطمح لتحقيقه من خلال اتباع سياسة العصيان المدني والتظاهرات اليومية، بالطريقة نفسها التي قام فيها متظاهرو الثورة اليمنية الأخيرة بالتخلص من نظام علي عبدالله صالح. وتستغل حركة الحوثيين التي بدأت مواجهتها مع الدولة عسكريا عام 2004 الغضب الشعبي على سياسات حكومة هادي من ناحية رفع الدعم عن المواد النفطية «الجرعة».
وتظل الظروف التي وصلت فيها جموع الحوثيين لصنعاء وتظاهراتهم مختلفة ومثيرة للشكوك عن تلك التي خرجت في عام 2011 مطالبة برحيل الرئيس صالح، فالظرف المحلي والإقليمي تغير من ناحية نجاح الأنظمة الإقليمية المحافظة في التغلب على آثار «الربيع العربي» سواء في مصر أو ليبيا، والحرب التي تخوضها دول في منطقة الخليج على الإسلام السياسي، والتطورات الأخيرة في العراق وسوريا وظهور ما أطلق عليها الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش). ومع ذلك يظل ما يجري في اليمن مهما لأمن الخليج، فهو يعتبر أكثر دول شبه الجزيرة العربية من ناحية الكثافة السكانية وهو الأفقر من ناحية المصادر، وعاصمته مهددة بعد عقد أو أكثر من فقدان مصادرها المائية. ويقع اليمن على مضيق باب المندب المعبر الإستراتيجي لمعظم النفط الخليجي حيث تحولت المنطقة حوله لحوض قرصنة، وقرب اليمن من أفريقيا يعني استمرار تدفق المهاجرين غير الشرعيين. ولهذه الأسباب يجب النظر للتطورات الأخيرة فيه ونقل الحوثيين المعركة للعاصمة بنوع من الإهتمام.
ففي الوقت الذي يقلل فيه البعض من قدرة الحوثيين على إشعال الحراك الشعبي، ويعتبرونهم جزءا من حرب دائمة تطبع التاريخ اليمني الحديث، إلا ان التغيرات التي ذكرناها وتخلي السعودية عن دعم حلفائها القبليين بسبب روابطهم بالإسلاميين من «حزب الإصلاح» المحسوب على حركة الإخوان المسلمين، يمكن أن يكون عاملا محفزا لحركة الحوثيين التي لا تزال تقاتل في الجوف وعمران وتتظاهر في صنعاء. ولطالما ظل اليمن حديقة السعودية الخلفية ولهذا تركزت سياسة الرياض التقليدية على جعل اليمن ضعيفا لدرجة لا ينهار فيها، وقويا لدرجة لا يصبح فيها قوة تهدد مصالحها. لم تتردد السعودية عندما أخترق مقاتلون حوثيون الحدود مع السعودية، لم تتردد في الرد عليهم وقصفهم بالطائرات. وحتى وصول الحوثيين وهم أقلية داخل الأقلية الزيدية لصنعاء ظلوا واحدة من المشاكل الكثيرة التي يواجهها اليمن ومنها مشكلة الجنوب الحانق على الوحدة التي لم تحقق له الكثيرـ والقاعدة التي يتعاون اليمن مع الولايات المتحدة والدول الإقليمية لملاحقتها. ويعتبر تنظيم «القاعدة» في شبه الجزيرة العربية من المنظور الأمريكي من أخطر التنظيمات (حتى ظهور داعش) مما جعل اليمن مركز حرب أوباما على الإرهاب وأخيرا مشكلة الحوثيين الذين تركزت نشاطاتهم في الشمال.
ويمكن النظر للتطور الجديد في العاصمة باعتباره واحدا من التحولات التي تمر بها الحركة، فهي تشبه في تحولاتها ما جرى على حركة طالبان الأفغانية التي خرجت نهاية القرن الماضي من عباءة المدارس الدينية وقادها الطلاب. فقد نشأت حركة الحوثيين من نشاطات حسين بدر الدين الحوثي وهو عالم ديني وانتقلت مستفيدة من مشاكل وسياسات الرئيس السابق صالح لتصبح حركة مسلحة تلعب على مظلومية الأقلية الزيدية وتطالب بحكم ذاتي في منطقة صعدة. وهناك من يتهم صالح باستخدامه التمرد الحوثي كورقة من أوراق نجاته وبقائه في السلطة أو رقصه فوق بيت الثعابين كما قال لصحيفة «نيويورك تايمز». وظلت الحركة تقاتل في معقلها صعدة وما حولها منذ عام 2004 في جــولات عسكـــرية متواصلة حتى الثورة والتـــغيرات التي أخرجت صالح من السلطة.
وتتهم الحركة بارتباطاتها الخارجية وبتأثرها بالفكر الشيعي الإمامي والثورة الإسلامية الإيرانية، ومن هنا نفهم اتهامات الرئيس هادي لإيران بالتدخل في الشؤون الداخلية لبلاده. وهي الإتهامات نفسها التي ساقها صالح أثناء حكم محمود أحمدي نجاد، وساقتها قوى إقليمية ومحلية عن دعم عسكري وأيديولوجي للحوثيين في اليمن. وتنفي إيران هذه الإتهامات لكن معارضي الحركة يرون فيها جزءا من محاولات إيران بناء محور نفوذ في جنوب الجزيرة يتعامد مع محور طهران- بغداد- دمشق- بيروت. وتوحي هذه الإتهامات ضمنا أن حركة الحوثيين تعمل على إعادة الحكم الإمامي الذي قضى عليه الجمهوريون في الستينيات من القرن الماضي. وعلى العموم تظل المسألة «الطائفية» في اليمن أخف منها في دول أخرى مثل العراق ولبنان وسوريا، بسبب التقارب بين المذهب الزيدي والسنة اليمنيين الذين يتبعون المذهب الشافعي، ونظرا لتسنن عدد من أبناء الطائفة أنفسهم، فالخلافات المذهبية تظل قليلة ومسألة الإمامة لا تلعب دورا مهما في الخلاف. ويعتبر السنة أعلاما مثل الإمام الشوكاني الذي تأثر بابن تيمية وابن حزم الأندلسي من المرجعيات الحديثية والتفسيرية المهمة. ولكن الإتهامات بدور إيراني وبتأثير للفكر الإمامي على حركة الحوثيين تجعل من الحديث عن الطائفية أمرا مهما وتلعب في توسيع الشقة داخل المجتمع اليمني.
الصراع الحالي هو في طبيعته سياسي على السلطة، وهو تعبير عن الطريقة التي تظهر فيه قوى، عندما تضعف الدولة أو تتفكك وتنهار كما يجري حاليا في العراق وسوريا وليبيا، تتصارع على هوية البلد مستخدمة شعارات دينية وترتكز على الهوية القبلية أكثر من الإتكاء على الهوية القومية. وفي اليمن رغم الوحدة بين الجنوب والشمال والإنتخابات الديمقراطية والأحزاب ظلت السياسة مرتبطة بالقبيلة وقدرة الزعيم على المناورة في حقل ألغام المصالح القبلية وعلاقة المركز بالتجمعات القبلية التي من السهل أن تغير ولاءها وتستخدم أساليب مختلفة للضغط على الحكومة لتحقيق مطالبها.
واللافت للإنتباه أن الحوثية في مظهرها الأول كانت مشروعا هدف منه صالح في التسعينيات من القرن الماضي تشكيل قوة عسكرية لتدافع عن الحدود اليمنية ضد ما كان يراه التطرف الديني القادم من السعودية، لكن مؤسس الحوثية وزعيمها الروحي كانت لديه خطة أخرى، فحسين بدرالدين الحوثي المتأثر بالثورة الإيرانية وتعاليم الإمام الخميني حول المدارس الدينية لمراكز لتخريج المتحمسين الدينيين، وترافق هذا مع صعود الأقليات الشيعية في لبنان والعراق. ومن هنا استفاد الحوثيون من التطورات الخارجية – على صعيد الطائفة، ومن الداخلية أي علاقتها شدا وجذبا مع صالح فتحسن علاقات هذا الأخير مع السعوديين وتوقيعه اتفاقا مع الرياض عام 2000 عنى أنه لم يعد بحاجة للقوى الحوثية كورقة للمساومة.
وفي هذا الوقت بدأ الحوثيون في صعدة سلسلة من الحروب مع الحكومة المركزية، لكن حتى في هذه المواجهات لم يكن صالح راغبا بالقضاء على الحركة وقد توفرت له القوة العسكرية وقوة الدولة. وبحسب بعض النظريات كان يريد الحفاظ عليها كورقة للمساومة في المعركة الداخلية للطبيعة القبلية التي أشرنا إليها. ولا يستبعد أن يكون لصالح دور في وصول القوى الحوثية لصنعاء، فهو لا يزال يؤثرعلى السياسة في اليمن من مجمعه الخاص، ومع أنه لم يعد يملك آليات السلطة والحكم إلا أنه يتصرف بصفته شيخ قبيلة يتزاحم الناس على بابه لحل مشاكلهم. وفي تقرير لصحيفة «نيويورك تايمز» تحدثت فيه عن تأثير صالح في الحياة السياسية اليمنية وتحالفه مع الحوثيين وأرجعته لكراهيته لحزب الإصلاح. وعلقت الصحيفة أن صالح يكره الطرفين ولكن تحالفه مع الحوثيين مصلحي لأنه يكره الرئيس هادي.
لعل أهم نجاحات الحركة منذ الثورة عام 2011 هي قدرتها على المزاوجة بين العمل العسكري والمدني، وبراعتها في انتهاز الفرص. فقد دعمت ثورة عام 2011 وخرجت مع الثوار وحصلت نتيجة لهذا على صعدة التي اتخذتها كنقطة إنطلاق لتوسيع مراكز نفوذها.
رغم ان الحركة لم تكن قوية بالدرجة التي تجعلها قادرة على تحقيق انتصارات بنهاية عام 2012 إلا أنها ومنذ نهاية العام الماضي أظهرت قدرات قتالية عالية عندما زحف مقاتلوها مدججين بأسلحة جديدة لم تكن بحوزتهم نحو دماج، ومن ثم هزموا تجمعا قبليا من حاشد، ووصلوا عمران القريبة من العاصمة. وتزاوجت الإنتصارات العسكرية مع نشاط مدني في العاصمة حيث قدمت الحركة نفسها هنا كحركة فعل مدني. واليوم يقوم ناشطوها بالهتاف ضد هادي مع أعداء الأمس أي مؤيدي الرئيس السابق صالح.
وبرغم شعاراتها المدنية إلا أن مشروع الحوثية لا ينفصم في جوهره عن المصلحة الطائفية التي تصالحت مع القوى القبلية لتشن حربا لحماية مصالحها الضيقة.
إبراهيم درويش