هل فكرت يوماً في مستقبلك وما أنت فاعل فيه وبه، وماذا ستفقد مقابل الحصول على مبتغاك؟ أم أن أفكارك دوماً قصيرة المدى تنحصر في ما تناله، ولا تتطرق لما تفقده؟ قد يظن أحدهم أنه يتوخي الحذر، وأن حياته كلها مكاسب لا تعرف الخسارة لها سبيلاً. عفواً، لسوف أزف إليك الخبرالصادم: أنت مخطئ، والفقد أصبح إجباريا لدرجة أنك لا تلحظه، وهو الضريبة التي تدفعها مقابل الاستمتاع بحياة تظن أنك تنال فيها كل شيء، على الرغم من أنك تفقد فيها تدريجياً أجزاء من جسدك، وصحتك، وأخلاقياتك، وكذلك حريتك. مثال بسيط، أنظر لشكل قدمك وقارنه بقدم الإنسان في سالف الزمان، ثم قارنه بشكل قدم الإنسان الأول، وأخيراً بقدم جدك. المشاهدة: ستجد أن أصابع قدمك أصغر، ولسوف يتضاءل حجم أصابع أقدام الأجيال القادمة جيلاً تلو الآخر إلى أن تختفي تماماً، وهذا ليس بكلام مرسل؛ لقد أثبتت ذلك الدراسات العلمية المستفيضة. وبالقياس، يلاحظ اختفاء شعر جسد الرجال، وتواري قوتهم الجسدية، عدا قلة منهم، على عكس ما كان عليه الوضع في الماضي. أضف إلى ذلك، ازدادت حالات قصر النظر، وتوارت في المقابل حالات النظر الحاد، وكذلك، الاستبصار والفراسة. والتعليق الحاضر الصحيح على تلك الظواهر هو: إما أن المرء لم يعد في حاجة إلى ما تم فقده، أو صار ليس في حاجة إلى استخدام ما نقص منه من أجزاء.
ومن ناحية أخرى، نلاحظ أنه من أصعب التجارب التي قد يمر بها أي إنسان هي الخضوع لعملية «تجريد»، وقد يكون التجريد من الاختصاصات، أو الصلاحيات، أو السلطات، وغيرها من العديد من الأشياء المادية، أو المعنوية التي يمكن أن يتجرد منها الإنسان. وبالطبع، كل عملية «تجريد» يكون لها سبب محدد يتم الاستناد إليه لاقناع الفرد، ولو حتى صورياً لماذا تم تجريده. إلا أن الأصعب من كل هذا، هو خضوع العالم لعملية تجريد مستمر لحرمانه من إنسانيته وكيانه شيئاً فشيئاً، ويأتي هذا التجريد في شكل ثورة عارمة، تشتعل حدتها يوماً تلو الآخر لخلق كون جديد بنواميس لا يمكن تبرير جدواها من عدمه. إنها الثورة الرقمية التي يرفل العالم في خيراتها، ليقاسي لاحقاً من ويلاتها. والعجيب، أنها تلك الثورة نفسها التي تساعد في الفقد المتسارع لأجزاء جسد الإنسان، وتهدد كيانه، كضريبة آنية للتمتع بملذات الحياة الرقمية السهلة.
في إحدى مناقشاتي مع أحد الأصدقاء، أخبرني أنه لا يؤمن بنظرية المؤامرة، وأنه لا توجد مؤامرة على البشرية، ونحن نسير على دروب التطور الطبيعي للحياة والعلوم. وبالتأكيد، نفيت إيماني بنظرية المؤامرة، التي يحاول صديقي أن يظهر من حين لآخر إيماني بها، فأنا مثله أؤمن بأن ما يحدث لنا هو عواقب متراكمة لتطورات ناشئة، لكن أيضاً بالقليل من التفكير والتعقل يمكن اكتشاف أن منبع هذا «التطور» هو محاولات دؤوبة ممنهجة – تعزى إلى خطط طويلة الأمد – لإعادة هندسة الكون. ولكي تنجح هذه الخطة، يجب أن يفقد الإنسان أشياء عدة ويتجرد من أخرى، وعلى رأسها الخصوصية. وبما أن الطبيعة البشرية تميل إلى الحرص واكتناز كل ما هو ثمين، وجب تمييع ذلك ليكون من السهل بعدها السيطرة على الطباع البشرية. ولهذا، وجب اختفاء النقود، فيلاحظ في الوقت الحالي أن النقود السائلة (الكاش) أصبحت أقل تداولاً، خاصة في الدول المتقدمة، وعلى رأسها الدول الإسكندنافية. فقد تم إحلال النقود الملموسة بأخرى أسمية رقمية توضع في البنوك، ويتم تداولها عن طريق كروت الإئتمان، وتطبيقات الموبايل تحت شعار أن النقود تغرق العالم وتجعله أكثر فقراً، وأكثر خطورة. ويذكر الباحث الاقتصادي كينيث روجوف في كتابه «لعنة النقود» المنشورعام 2016 أن النقود في شكلها المادي هي أصل الشرور؛ حيث أنها تحض على الجريمة، والتهرب الضريبي، والفساد، والإرهاب، وتجارة المخدرات، والاتجار بالبشر، وجميع العمليات المشبوهة التي تجري في العالم الخلفي للاقتصاد العالمي. ومن ثم كان لابد من تقفي آثار النقود السائلة، ووضعها دوماً تحت رقابة مشددة.
تتصدر الدول الإسكندنافية، خاصة السويد استخدام النقود في شكل رقمي معمى. وقد قامت السويد بإجبار جميع الدور التي تشهد حركة بيع وشراء، أن تقبل نقودا رقمية، في شكل كروت إئتمان، و ما شابه ذلك.
وطبعاً، لم يكن كينيث روجوف هو أول من نادى بتداول النقود في شكل رقمي؛ حيث ترجع محاولات وقف التعامل بالنقود الملموسة إلى عام 1930 منذ استصدار ما يسمى بـ»عملات الدفع»، التي كانت تشبه لحد كبير كروت الفيزا؛ فهي عملات مخرومة لوضعها في ميدالية المفاتيح مثل أي مفتاح، ومصنوعة من مادة معدنية أو من السيلالويد ـ المادة التي سبقت استحداث البلاستيك. وتمنح هذه العملات للأشخاص الذين لديهم حسابات في الفنادق والمتاجر، إلى ما شابه ذلك، وتحتوي كل عملة اسم، وشعار، ورقم حساب الجهة التي استصدرتها. ولقد تطور الأمر إلى شكل أكثر مرونة تجسد في الشيكات السياحية عام 1934، إلى أن تطور الأمر أكثر واستحدث الشكل النهائي للماستر كارت عام 1969، الذي ـ بالتأكيد – كان يستخدم بشكل محدود محلياً في بداية الأمر، إلى أن تم قبوله عالمياً.
وتتصدر الدول الإسكندنافية، خاصة السويد استخدام النقود في شكل رقمي معمى. وقد قامت السويد بإجبار جميع الدور التي تشهد حركة بيع وشراء، أن تقبل نقودا رقمية، في شكل كروت إئتمان، و ما شابه ذلك. وعلى هذا، فإن استخدام النقود في شكل رقمي معمى قد تصاعد في السويد إلى 99% بالنسبة لحجم تعاملات الفرد الواحد، أي أن النقود اختفت تقريباً من السويد. أما في النرويج، فقد تصدرت جميع الصحف خلال شهر يونيو/حزيران من عام 2016 مقالات تحت عنوان «اضرموا النيران في جميع ما بحوزتكم من نقود ورقية»، وبالتأكيد، لاقت هذه الدعوة اعتراضات جمة. فقد تنبه البعض في هذه الشعوب المتقدمة لخطورة الوضع، وحتمية تهديده لأمن وسلامة وحرية الفرد. ومن الجدير بالذكر، أن سكان الولايات المتحدة والدول الأوروبية الأخرى لم ينخرطوا في هذا السباق المحموم للتخلص من النقود في شكلها الملموس، إلا إلى حد محسوب العواقب. لكن ما يثير الدهشة أن دولة مثل كينيا ألغت تقريباً التعامل بالنقود الملموسة، واستبدلتها بتطبيق موبايل. وبالنظر للصومال – وهي إحدى دول العالم الثالث، وتمر بظروف اقتصادية واجتماعية وسياسية شديدة السوء – فهي تقريباً قاربت اللحاق بكينيا.
ما يعني أن استخدام النقود الرقمية أو المعماة ليس بالأمان الكامل، بل إنه وسيلة لتتبع ليس فقط مقدار أموال المرء، بل تحركاته، وسلوكياته، وطريقة إنفاقه للمال خاصته، والسيطرة على حجم ما لديه من أموال لاستقطاع ما يمكن استقطاعه منها. باختصار، النقود الرقمية أو المعماة ما هي إلا وسيلة لتجريد المرء من كامل حريته، وبالتالي آدميته. ولمعرفة ما إذا كانت رقمنة النقود قد منعت جرائم السرقات، والاستيلاء، والسطو كما توقع روجوف، لسوف تندهش أنها جعلت هذه الجرائم تزدهر بشكل أكبر، لأنها فتحت الباب لاستحداث «الجرائم الشيك» White Collar Crimes التي ينظر إليها الآخرين بعين أكثر تسامحاً. لقد تم إجراء دراسات نفسية على قيمة الأموال في شكلها المادي والرقمي، وكانت النتيجة أن البشر بأكملهم يسهل عليهم استخدام النقود في شكلها الرقمي، ولا يشعرون بقيمتها لتجريدهم من لذة اقتنائها، ومن ثم يسهل عليهم صرفها. وعلى النقيض، إذا تواجدت النقود في شكل ملموس، يعمل مالكها على ترشيد إنفاقها، وتساوره دوماً شكوك بخطر صرفها كلها؛ لأن وجودها يمثل الأمان، والقدرة على الإنفاق في أي وقت وفي كل وقت، بدون التهديد بخطر الرفض، أو انقطاع شبكة الإنترنت في أي لحظة، وحتى عدم توافر شبكة إنترنت في مكان ما، ليحول ذلك بين القدرة على الإنفاق، الذي قد يكون بغرض التبضع لشراء مواد غذائية ضرورية.
أما من الناحية الأخلاقية، فقد أثبتت الدراسات أن الكثير يتساهلون مع الجرائم السيبرانية. ولإثبات ذلك، تم طرح تساؤل واحد على شرائح تعد بعشرات الآلاف، تم تقسيمها لقسمين متساويين، ويدور التساؤل حول استيلاء أحد الأوصياء على ميراث أحدهم. وطرح التساؤل نفسه لكن مع تغييره طفيفاً على الشريحة الأولى. فجاء السؤال في شكل أن الوصي استولى على حقيبة أموال لا يعلم أحد عن تواجدها، فرأت الأغلبية الساحقة أنه يجب عليه ردها. لكن بتغيير شكل الميراث المستولى عليه إلى حساب بنكي لا يعلم به أحد، أيد الغالبية العظمى – من أفراد الشريحة محل الدراسة – الاستيلاء عليه. ومن ثم، فإن رقمنة النقود وتعميتها سوف يؤدي إلى انهيار تدريجي للمنظومة الأخلاقية، لأن الطبيعة البشرية تسعى إلى إعلاء قيمة الأشياء المادية. فلو وضعت مثلاً قطعة نقود ، وكان بجوارها عبوة مياه غازية بقيمتها نفسها وتركت كليهما مثلاً في حديقة، سيتم أخذ عبوة المياه الغازية بدون الالتفات إلى قطعة النقود. بالفعل الأخلاق لا تتجزأ، لكن مع استحداث منظومات جديدة، يتم أيضاً استحداث منظومات أخلاقية لتتناسب معها.
وأعتقد أن النقود الرقمية المعماه Cryptocurrency كانت مجرد مثل واحد تم ضربه ليمس قضية الاختفاء والتجريد. فقبل أن يتبجح المرء بما يحظى به، وبإنجازاته يجب أن يعلم ما كان يملكه واختفى في المقابل. ولا تزال نيران الاختفاء مضطرمة لإحداث التجريد الكامل.
٭ أكاديمية مصرية