اكتشاف بقايا إحدى عشرة سفينة تعود للحقبة اليونانية في بحر مدينة صور اللبنانية

عبد معروف
حجم الخط
0

بيروت-“القدس العربي”: تشير كتب التاريخ إلى أن مدينة صور غرقت في مياه البحر في القرن الخامس بفعل الهزّات الأرضية، وحاول مئات الرحّالة العرب والأجانب دراسة بحرها، ونتيجة لعمليات الغوص والتنقيب المكثفة والدراسات التاريخية عثر على بقايا أبنية وسفن وموانئ وجدران وأعمدة. وأثبتت المكتشفات أن هناك مواقع للسفن القديمة الغارقة، بقي منها ياطرات رصاصية أو معدنية أو مراس حديد فقط. كما اكتشف معهد صيدون للغوص قواعد السفن القديمة لافتا إلى أنها عبارة عن أجران حجرية وحلقات دائرية من الصخر كانت تتموضع في قعر السفن القديمة بغية الحفاظ على توازنها، واعتبر اكتشافه انجازاً علمياً وتاريخياً، كما عثر على معادن ثمينة من ذهب وفضة من مخلّفات السفن الغارقة.

ومؤخرا اكتشف فريق الغواصين اللبنانيين بقايا لإحدى عشر سفينة تعود للحقبة اليونانية (حوالي 300 قبل الميلاد) غارقة في البحر على مقربة من بعضها جنوب صور وعلى عمق 35 مترا تحت سطح الماء.

وتحوي السفن التي وثّقها الفريق على كميات كبيرة من الحجارة والقُطع الفخارية، وكانت على الأرجح تشارك في حملة الإسكندر المقدوني الذي حاول جاهداً دخول صور الجزيرة عام 323 قبل الميلاد، عبر بناء طريق تمتد من الشاطئ إلى جدران المدينة إلا أنها قاومته.

وفي رأي فريق الغواصين أن السفن المكتشفة كانت تنقل الحجارة المطلوبة لإنشاء الطريق، لكنها ونظراً لثقل الحمولة لربما غرقت نتيجة أمواج بحرية عالية ورياح قوية.

وأكد نقيب الغواصين المحترفين في لبنان، محمد السارجي، أن اكتشاف إحدى عشر سفينة من الحقبة اليونانية في بحر صور تمّ من طريق الصدفة، مضيفا، كان الغطّاسون يمارسون هواية الغطس المعتادة فعثروا على كميات كبيرة من الحجارة، في منطقة يفترض أنها رملية وحسب، استغربوا هذا الأمر وعاينوا المكان عن كثب ليعثروا على بقايا أوانِ فخّارية ضخمة. وعلى مدى ثلاثة أشهر، توسعوا في البحث في المنطقة وعثروا على 11 موقعاً مشابهاً، تبيّن لهم بعد الاستعانة بخبراء الآثار، أنّ تلك الموجودات تعود لبقايا سفن قدّروا أنّ تاريخها يمتد إلى 300 سنة قبل الميلاد. أي ما يرجّح فرضيّة أن تكون تلك السفن يونانية، وقد شاركت في حملة الإسكندر المقدوني لاحتلال صور عام 322 قبل الميلاد. وأضاف أنّ المعلومات التاريخيّة عن تلك الحقبة تشير إلى أنّ الإسكندر المقدوني حاصر المدينة لشهور عدة، محاولاً اقتحامها بكل الطرق. لكنّه اصطدم بمواجهة شرسة من أبناء صور. فعمل على بناء طريق تمتد من الشاطئ وصولاً إلى جدران المدينة الجزيرة، وهذه السفن كانت تنقل الحجارة لإنشاء الطريق المطلوبة. وتابع أنّ علماء الآثار الذين استعانوا بهم رجّحوا أن تكون الصخور وبقايا الفخار المكسّر، محمّلة على متن مجموعة من السفن اليونانية في طريقها إلى مدينة صور، حيث تعرّضت إلى كارثة طبيعية، وغرقت نتيجة أمواج بحرية عالية ورياح قوية، أو بسبب مقاومة أهالي صور.

وشدد على أهمية هذا الاكتشاف، مطالباً مديرية الآثار في الحكومة اللبنانية ببدء العمل بالتنقيب والتوثيق لبقايا هذه السفن لكشف كنوز تعود لتلك الحقبة المهمة في تاريخ أعظم المدن الفينيقية.

وأكد أن نقابة الغوّاصين اللبنانية في صدد إعداد كتاب لرفعه إلى السلطات، لتبليغها بموقع الآثار المُكتشفة تمهيداً لنقلها، على أن يتم تسجيل هذا الاكتشاف باسم نقابة الغوّاصين لدى مديرية الآثار التابعة لوزارة الثقافة، مشددا على أهمية الاستفادة من هذه الآثار لكتابة تاريخ صور في تلك الحقبة، فضلاً عن عرضها في المتحف الوطني كي يشهد الجميع على عظمة المدينة.

وقال إن آثار صور الموجودة تحت الماء هي الأعظم على الاطلاق في كل المتوسط إلا أنها للأسف مهملة وأن أجزاء من الطريق البيزنطي المرصوف تحت الماء تتعرض للتخريب وباتت في خطر ويجب على المعنيين التحرك لوقف هذه المهزلة.

وأشار عالم الآثار والأستاذ الجامعي الدكتور جعفر فضل الله إلى أهمية اكتشاف الـ11 سفينة في بحر صور ورجح من خلال معاينة بقايا الفخار المكسر وحجم انتشارها في قعر البحر بأنها كانت على متن مجموعة من السفن اليونانية في طريقها إلى مدينة صور، حيث تعرضت إلى كارثة طبيعية مناخية أدت إلى انشطارها وغرقها بشكل سريع وتحطم كل حمولاتها لا سيما الكمية الهائلة من الفخار الممتلئ بالنبيذ الذي كان في مخازنها أسفل السفن.

أمّا مدير المواقع الأثريّة في جنوب لبنان، في المديرية العامة للآثار، الدكتور علي بدوي، فعلق قائلا، من المعروف أنّ منطقة صور تحتوي على آثار كثيرة وبقايا سفن ومعالم تاريخية مختلفة، وتابع، في السابق أجرت المديرية حفريات على بعد نحو خمسة كيلومترات من الشاطئ، وتم انتشال سفينة كانت محملة بتماثيل تعود إلى الحقبة الفينيقية. لكن الصور التي انتشرت عن هذه الاكتشافات والمعلومات التي تناقلتها الناس، تجعل المديرية تتحفّظ حول مدى صحة المسألة، خصوصاً أنّ المعلومات التي وردت تعوزها الدقّة العلميّة. مضيفا، ليس من السهل إطلاق الأحكام حول بقايا الصخور والأواني الفخارية وأنها تعود بالضرورة إلى سفن يونانية لتشييد الطريق إبّان حملة الإسكندر. والمعلومات التاريخيّة عن كيفية بناء الردم الذي قام به الاسكندر، والطرق التي أوصل من خلالها الأحجار لهذه الغاية، تتناقض مع التي تتناقلها كتب التاريخ عن تلك الحملة. وأضاف، هناك الكثير من المشاهدات التي يقوم بها الغطاسون في بحر صور، بعضها واعد والآخر عادي جدا، أمّا القول بوجود 11 سفينة يونانية فيحتاج إلى إجراءات كثيرة ومعقّدة، وكلفة ماديّة باهظة. لكن “المديرية” ستقوم بالإجراءات اللازمة للتحقّق من الأمر، ليبنى على الشيء مقتضاه.

وأوضح رئيس بلدية مدينة صور حسن دبّوق أن اكتشاف بقايا السفن الـ11 يحتاج إلى إثبات علمي لتأكيد ما إذا كانت شاركت في حملة الإسكندر المقدوني ضد المدينة. وأشار إلى أن بحر المدينة يحوي على آثار عديدة لسفن غارقة، لكن لا يُمكن تحديد هويتها إلا من خلال مراجع مختّصة كمديرية الآثار التابعة لوزارة الثقافة.

واعتبر مدير المركز اللبناني للغوص يوسف الجندي، أن بحر صور من أغنى البحار لافتا إلى أن على بعد أمتار من الشاطئ يمكن مشاهدة العديد من الأعمدة الفينيقية، وجرار البرونز التي كانت على متن السفن الفينيقية التي غرقت في حقب ما قبل الميلاد، كذلك يمكنك مشاهدة ممرات وطرق غمرتها المياه، وكأنك أمام مدينة ما زالت على قيد الحياة ولكن تحت الماء. كما يمكن للغطّاس أن يشاهد بعض بقايا المنازل التي كانت موجودة على طول الشاطئ، وبعض التماثيل. ويعتقد أن التحدي الأبرز الذي يواجه علماء الآثار في لبنان اليوم، يتمثّل بالعوائق الماديّة والطبيعيّة.

وتشير عالمة الآثار زينة حدّاد إلى الصعوبات التي تواجه عمليّات تنقيب الغطاسين والمؤرخين عن الآثار الغارقة في البحر، وفي مقدمتها الإمكانيات والظروف والأوضاع التي يمر بها لبنان، ورأت أن الجغرافيا اللبنانيّة الساحلية تتشكل من خلجان وجون التي ساهمت في إنشاء المرافئ للمدن القديمة في حين أن مركز لبنان الاستراتيجي الموجود بين 3 قارات العالم القديم ساهم في كونه محطة تجارية عالميّة أساسيّة. وكانت السفن تبحر عبر وجهتين في ما يشبه عمليّات الاستيراد والتصدير ما شكل حركة تجاريّة كبيرة، ما عرّض عدداً كبيراً منها للغرق، ورأت أن المياه اللبنانيّة اليوم مليئة بمقتنياتها القديمة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية