تناقلت الصحف ووسائل التواصل الاجتماعي والقنوات الفضائية خبر اعتراف السياسي البريطاني مايكل غوف بتعاطيه المخدرات في شبابه، واحتمال استبعاده عن منصب رئاسة الوزراء خلفا لتيريزا مي، بسبب ذلك الماضي، الذي يعتبره الكثيرون مشيناً، ولا يليق بسيرة ذاتية لرئيس وزراء قادم لبريطانيا العظمى، وخاصة أنه كان وزيراً سابقاً للعدل.
وجاء الخبر عنواناً عريضاً في معظم الصحف الأجنبية والعربية، حتى أن بعض الصحف كالعادة زادت «الطين بلة»، ولعبت على التركيبة النحوية للعنوان فجاء الخبر مضللاً وكأنه يوحي بأن غوف ما زال حتى يومنا هذا يتعاطى المخدرات.
الرجل، الذي لم يخجل من ماضيه، اعترف، حسب ما ورد في جريدة «الديلي ميل» البريطانية وبجرأة كبيرة بخطئه، هذا الذي ارتكبه في الماضي البعيد جدا، وهذا موقف لا بد من الثناء عليه، رغم اعتراضاتنا الكثيرة حول مواقفه السياسية.
إننا، وللأسف نكاد نجزم أننا لم نعتد على الشفافية والمصداقية، حين يتعلق الأمر بزلة في ماضي أو حاضر سياسيينا.
اعتدنا فقط على رؤية الصور اللماعة المرصعة، التي يحرصون على نقلها لنا، صور في معظمها خضعت لكثير من «الفوتوشوب» إلى حد أن بعضها بدى مضحكاً مقارنة بما هي عليه في الأصل.
لكن مايكل غوف لم يلمع ماضيه، ولم يخجل منه، على الرغم من الندم الشديد الذي عبر عنه قائلاً: «لقد تعاطيت المخدرات في عدة مناسبات اجتماعية منذ أكثر من 20 عامًا. في ذلك الوقت كنت صحافيًا شابًا. لقد كان ذلك خطأ فادحاً. حين أنظر إلى الماضي أتمنى لو أنني لم أفعل ذلك.
أعتقد أن جميع السياسيين كانت لهم حياة قبل السياسة. وبالتأكيد حين كنت أعمل كصحافي، لم أكن أتخيل أنني سأدخل يوماً السياسة أو الخدمة العامة».
غوف، الذي طعن زميله بوريس جونسون في ظهره في حملة انتخابات 2015 ، وهو واحد من أشد المحرضين على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، فاجأ الجمهور بتصريحه، الذي جاء في عز أزمة الصراع على خلافة تيريزا ماي.
قد تكون المرة الأولى، التي يستحق فيها الثناء، لأنه لم يختبئ من الماضي بهدف الحصول على كرسي، كما كان سيفعل المنافقون المتهافتون على المناصب في بلادنا.
ويبقى السؤال الكبير، هل سيطارده ماضيه ويقضي على مستقبله السياسي، رغم توبته وإدراكه للضرر، الذي يمكن أن تسببه المخدرات للآخرين، ورغم أسفه العميق على التصرفات التي قام بها في الماضي، كما عبّر في لحظة صدق مضيئة؟
هل سيغفر له الآخرون، كما يأمل ويطلعون على السجل الحالي الخاص به كسياسي، ويسألون أنفسهم: هل هذا الشخص الذي نراه أمامنا الآن مستعدٌ للقيادة بمعزل عما كان عليه في شبابه؟
لكن يبدو أن للماضي أنيابا حادة قد تخدش المستقبل وتسبب أثاراً لا تمحى.
وليس كل اعتراف بالخطأ فضيلة خصوصاً حين يتعلق الأمر بالأجندات السياسية.
أسطورة ستبقى طويلا
احتل خبر رحيل الرياضي والفنان والمقاتل عبد الباسط الساروت، الذي توفي منذ أيام متأثراً بجراحه أثناء قتاله جيش الأسد في محافظة حماه السورية مساحات واسعة من الصحف والقنوات العربية ووسائل التواصل الاجتماعي. وكل هذا مفهوم لسيرته البطولية الاستثنائية، والمثال الذي قدمه في نضاله وتضحياته، وهو ما زال في بداية حياته، فرسم إسطورته الخاصة التي ستبقى طويلا بعد رحيله المفجع.
ولكن لماذا اهتمت الصحف الغربية الكبرى أيضاً برحيل الساروت؟ فكتبت عنه، وسردت سيرته، ونشرت صوره، وهي قلما تفعل ذلك مع شأن «خارجي»، قد لا يهم قراءها كثيراً؟
لقد فعلت ذلك للأسباب نفسها. إنه ظاهرة، جسدت مسيرة الثورة السورية نفسها، بل أصبح أحد أيقوناتها، كما كتبت صحيفة «الغارديان»، وهي أعرق وأشهر الصحف البريطانية، وكذلك فعلت صحيفة «الاندبندنت»، و«نيويورك تايمز» الأمريكية الشهيرة.
واشتركت هذه الصحف، كما الصحف والقنوات ووسائل الاتصال الاجتماعي العربية، في تتبع مسيرة تحولات الساروات الشخصية، التي تختزل في جوهرها تحولات مجتمع وبلد دخلا مرحلة اختناق وانسداد طال أمدها بسبب الحكم المطلق، وقمعه الفريد، ومخابراته التي تحصي الأنفاس على شعبها، وفساده الذي زكم الأنفاس. وكان لا بد من الانفجار.
عرف الساروت بحسه العفوي البسيط أن لحظته قد حانت، وأن عليه أن يحسم أمره سريعاً. لم يتردد. وكان خياره واضحاً، انتقل من ساحة كرة القدم الصغيرة إلى الشوارع العريضة، الغاصة بأخوته في البؤس والشقاء، وهجر خشبتي المرمى الضيقتين إلى أرجاء الوطن الأربعة المفتوحة على الأفق الفسيح، أفق المستقبل المنتظر.
لكنه كان يعرف أن ذلك ليس كافياً. عليه الآن أن يستخدم حنجرته، كما كان يستخدم سابقاً قدميه وذراعيه في صد كرات الخصم. أطلق صوته الجميل، الذي فعل فعله في الجماهير المنتفضة من أجل ذلك الوطن الحبيب، ذي القلب الطيب، لكن النازف دائماً على يد القتلة.
لكن أن يكون «بلبل الثورة» وأيقونتها فقط لم يكونا كافيين له أيضاً. عليه الآن أن ينزف دمه قرباناً، وقد فعل.
كان في الثامنة عشرة من عمره. قُتِل والده وإخوته الأربعة. هاجر كل أصدقائه هرباً من براميل الأسد وإجرامه وأغلبيتهم شجعوه على مغادرة سوريا، ولكنه رفض أن يخرج من أرضه.
كان الدين للوطن يثقل قدميه. بقي هناك، فوق الأرض الملتهبة، هذا اللهب الذي صقل الساروت، وحوله إلى ما صار عليه، مثالا سيبقى حياً طويلا، يمشي على أرض الوطن الذي أراده نبيلاً، عادلاً، طيباً، حنونا، بلا جلادين، ومخابرات، وسجون فوق الأرض وتحتها.
خلق الساروت إسطورته الخاصة… ومضى مطمئناً أن حلمه المجهض سيبعث ثانية فوق الأرض التي أحبها… وأحبته.
كاتبة لبنانية