القاهرة ـ «القدس العربي»: هناك دوما فئة منتفعين تحت حكم الديكتاتوريات يرغبون في التقرب من السلطة على حساب الآخرين، ويسعون لإثبات ولائهم لها، أو تجنب بطشها على أقل تقدير، عبر التقرب لها ومحاولة إرضائها أو خدمتها، وقد يكون عبر التزلف والتملق وكذلك عبر استهداف كل من يناوئها أو يفكر خارج المنظومة التي أرستها، هذا ما تشهده مصر الآن في ظل حكم الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، حسب دراسة أعدتها «الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان» وهي منظمة حقوقية مستقلة.
وتتناول الدراسة، إعادة انتاج لظاهرة كانت منتشرة خلال حكم الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك، واختفت خلال ثورة يناير/ كانون الثاني، ثم عادت لتطل برأسها مرة أخرى، وبقوة عقب تولي السيسي لمقاليد الحكم، وهي ظاهرة المحتسبين، الذي باتوا شبه متفرغين لملاحقة أصحاب الرأي خاصة المنتقد أو المختلف بالبلاغات الكيدية. ووفق الدراسة، «طالت البلاغات الكيدية سياسيين وفنانين، ووصلت لاستهداف الجالية السورية، عبر بلاغ تقدم به أحد المحامين يطالب بفرض رقابة مالية على استثماراتهم، واتهامهم بتمويل الإرهاب».
وأشارت إلى أن «عددا من المحامين الذين اشتهروا بقضايا الحسبة، ونوعية البلاغات التي يستهدفون بها معارضي السلطة، أو فنانين لا علاقة لهم بالعمل العام، من أجل الشهرة».
أول الأسماء، محام يدعى أيمن محفوظ، الذي لم يكف عن تقديم البلاغات، بدءا من بلاغ ضد فنانة كانت تسجل رسالة صوتية لصديقتها ونشرتها على العام بالخطأ، في إشارة إلى الممثلة هالة صدقي، بخلاف ملاحقته للفنانين عمرو واكد وخالد أبو النجا.
إذ اتهم واكد بـ«ازدراء» الدين الإسلامي على إثر مطالبة الأخير بإلغاء عقوبة الإعدام، كما تقدم ببلاغ للنائب العام ضد أبو النجا قال فيه إن الأخير «يروج للمثلية الجنسية، بالإضافة لعقد اجتماع مع عمرو واكد فى الكونغرس الأمريكي، وذلك بدون صفة له للحديث باسم الشعب».
وأطلقت الدراسة على المحامي سمير صبري، اسم «أبو البلاغات»، وهو اللقب الذي أطلقه سمير صبري على نفسه على صفحته الرسمية وهو يستعرض البلاغات التي قدمها في 2015.
وأوردت الدراسة، نماذج من البلاغات، التي تقدم بها صبري، ومنها بلاغات ضد المخرج والنائب خالد يوسف لسحب عضويته، واتهامه بالتحرش، فضلاً عن بلاغات ضد الحركة السلفية، وأخرى ضد عبد المنعم أبو الفتوح، رئيس حزب مصر القوية والمرشح الرئاسي السابق، وبلغ الأمر أن تقدم صبري ببلاغ لحل المجلس القومي لحقوق الإنسان، حيث اتهم المجلس بإنه يهدر عقوبة القصاص.
هذا بخلاف بلاغاته ضد هشام جنينة، الرئيس السابق للجهاز المركزي للمحاسبات، والباحث الإسلامي، أحمد كمال أبو المجد حيث اتهمه بـ«التواصل مع جماعة الإخوان المحظورة»، كما تقدم ببلاغ ضد أسامة الغزالي حرب، رئيس لجنة العفو الرئاسي، على إثر قيام أحد المواقع المجهولة بنشر وثيقة مزيفة تم نسبها زورا إلى ويكيليكس، وورد فيها أن السفارة الأمريكية مولت عددا من النشطاء ورجال الدولة.
ونقلت الدراسة، اعتراف، صبري بإنه مناهض لحرية الرأي والتعبير، معللا ذلك بإنه يحاول حماية البلاد من الفوضى.
الفعل الفاضح
وتعد أهم البلاغات التي تقدم بها صبري، وأحالتها النيابة إلى القضاء، تلك التي استهدفت المحامي الحقوقي والمرشح الرئاسي السابق، خالد علي، التي عرفت إعلاميا بـ«الفعل الفاضح»، بعد أن ربح علي القضية التي كان رفعها، مع مجموعة من المحامين، لإثبات مصرية جزيرتي تيران وصنافير، والحيلولة دون التنازل عنهما إلى السعودية، وظل هذا البلاغ سيفا مسلطا على رقبة علي، حتى تم تحريك القضية وإصدار حكم ضده بالسجن ثلاثة أشهر مع إيقاف التنفيذ.
أما محمد أحمد سالم، فهو محام ذو باع طويل في البلاغات، متخصص في الأديان والسياسة والألبان وكرة القدم، طبقاً للدراسة.
طالت سياسيين وفنانين ووصلت لاستهداف الجالية السورية
ففي مجال كرة القدم، تقدم ببلاغ ضد رئيس مجلس إدارة النادي الأهلي، الكابتن محمود الخطيب، يتهمه بـ«الكسب غير المشروع وتلقي أموال من تركي آل شيخ رئيس هيئة الترفيه السعودية»
كما قدم بلاغا ضد شركة جهينة، متهما إياها ببيع لبن متعفن.
أما في مجال السياسة فلسالم صولات وجولات، وقد تم تحريك الكثير من بلاغاته من قبل النظام المصري، حيث أمر النائب العام المصري بإحالة البلاغ المقدم منه ضد الفريق أحمد شفيق المرشح الرئاسي السابق، متهما إياه بـ «إثارة الرأي العام»، إلى نيابة أمن الدولة العليا.
«التحريض ضد الدولة»
ويبدو أن سالم يراقب المرشح الرئاسي السابق، حمدين صباحي، عن كثب، إذ قام بتقديم بلاغات ضده، ومنها، بلاغ يتهمه فيه «بالتحريض على الدولة» والمطالبة بإيداعه مستشفى الأمراض العقلية.
كما أحال النائب العام بلاغا مقدما من سالم ضد الحركة المدنية إلى نيابة شمال الجيزة.
كما قدم المحامي المذكور بلاغا ضد المهندس ممدوح حمزة يتهمه فيه «بالإساءة لمؤسسات الدولة» على إثر فيديو كان نشره على موقع اليوتيوب.
هذا بخلاف مطالبته بالتحقيق مع العاملين في كل من «البي بي سي» و«المصري اليوم» بتهمة «الإساءة لسمعة مصر» في بلاغ تقدم به ضد المؤسستين.
وأخيرا وليس آخرا، تقدم المحامي المذكور ببلاغ ضد نائب مجلس الشعب أحمد طنطاوي، لأنه قال بإنه لا يحب الرئيس ولا يثق فيه، حيث اتهمه بإهانة الرئيس.
على صفحته الرسمية على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، يصف سالم نفسه بإنه «محام ومفكر سياسي»،
مع رواج سوق البلاغات، تتسع المنافسة، ويضطر محامو البلاغات للمزايدة على بعضهم البعض في إثبات «الوطنية» و«التدين» و«الأخلاقية» عبر البلاغات المقدمة ضد بعض الضحايا الذي أوقعهم حظهم العاثر في هذه الحقبة الزمنية التي انتشرت فيها ثقافة «بلاغ لكل مواطن»
فنجد المحامي طارق محمود يتقدم ببلاغ ضد ناشطين في المنظمات الحقوقية بتهمة نشر «أخبار كاذبة»، وهم: جمال عيد المدير التنفيذي لـ«الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان»، ومحمد زارع مدير مركز «القاهرة لدراسات حقوق الإنسان»، ومحمد لطفي المدير التنفيذي «للمنظمة المصرية للحقوق والحريات»، وجاسر عبد الرازق المدير التنفيذي «للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية».
وذكرت الدراسة، بأن «قضايا الحسبة، أو محاكم التفتيش الفكرية، عادة تزدهر، تحت حكم الديكتاتوريات، سواء كانت دينية كسلطة الكنيسة في أوروبا في العصور الوسطى، أو عسكرية كما يحدث الآن في دول العالم الثالث.، ذلك لأن هناك دوما فئة منتفعين تحت حكم الديكتاتوريات، يرغبون في التقرب من السلطة على حساب الآخرين، ويسعون لإثبات ولائهم لتلك السلطة، أو تجنب بطشها على أقل تقدير، عبر التقرب لها ومحاولة إرضائها أو خدمتها، وقد يكون عبر التزلف والتملق وكذلك عبر العمل كهيئة أمر بما تطلبه السلطة ضد كل من يناوئها أو يفكر خارج المنظومة التي أرستها».
وطالبت الدراسة، «بتمكين أصحاب الفكر، أيا كانوا ومن أي اتجاه وتحت أي مسمى، من التعبير عن أنفسهم بحرية كاملة، وبدون رقابة أو تهديد، والرد على الفكر بالفكر، وعلى الكلام بالكلام، وعلى الإبداع بالإبداع، لا بالبلاغات والتحقيقات والقضايا في ساحات المحاكم، وحصر دور المحاكم في النظر في الجرائم الفعلية، وحظر النظر في القضايا الفكرية أمام القضاء، وإغلاق باب البلاغات المفتوح على مصراعيه أمام المنتفعين والمتزلفين وعدم قبول النظر في تلك البلاغات إلا بعد التوثق من صفة ومصلحة صاحب البلاغ، حتى لا تضع المشكو ضده تحت ضغط الخوف، وحتى لا تشكل تهديدا ضاغطا يمكن استخدامه في أي وقت».