قد نحتاج قدراً من العقل والمعرفة لفهم تنوّع الحياة بما تحويه من مزيج غريب وعجيب، وقد يلزمنا كمّ يسير من الإدراك لتعريف حالة الجنون، وقد يُرى الجنون على أنه عدم القدرة على السيطرة على العقل والتحكم به، وبالتالي ظهور مجموعة صارخة من السلوكيات العبثيّة التي تؤدي إلى انتهاك المعايير الاجتماعية، فيصبح هؤلاء الأشخاص يمثلون خطراً على أنفسهم ومجتمعهم، أما إذا ادّعى هؤلاء العقل فهم ربما سيشكلون أحيانا كارثة حتى على عالمهم الكبير.
في عالمنا العربي أصبح كل شيء وارداً ومحتملاً، فالجنون الإيديولوجي يختلط مع التنوّع الطائفي والمذهبي والقومي، والتعصب السياسي والديني لا يفارق إنكار الآخر ومحاولة إفنائه، مثلما أن أخطاء المظلومين ربما لا تقل عن جرائم القتلة والظالمين، ففي سوريا المقهورة أصبحت إخفاقات وأجندات طالبي التحرّر والخلاص، مخنوقة تحت رُكامٍ مجنون من الملل والطوائف المتعصّبة للقتل والمتشدّدة لإراقة الدماء، وفوق كل ذلك نظام شموليّ يرى نفسه حامياً ومنقذاً لبلد قد يكون تجاوز مرحلة أن يلفظ أنفاسه الأخيرة، وفي العراق تقبع وتترعرع مصيبة كئيبة من الجنون الطائفي، شخوصها ينحرون وحدة وعروبة العراق بالأوتاد، يبذرون ويرعون الفساد، يظلمون ويسحقون العباد، بعضهم يُهَجّرون الأبرياء وبعضهم الآخر يُخَرّبون البلاد، وتبقى أسئلة مجنونة، فهل العراق واحد؟ وهل العراق عربي؟ وربما نسأل هل العراق ما زال بلداً؟.
أمّا لبنان الجميل، فلم يُترك صفاء بحره وشموخ جباله وعنفوان أرزه من التعكير بحجة التوافق والتسييس، فهو يصارع من أجل البقاء رغم شلل مؤسساته وغيبة الرئيس، وحالة مجنونة من فوضى السلاح والتراشق السياسي، وفي كل مرة زائرون على غير موعد، يخترقون الحدود، يستهدفون النخب ويفجّرون أينما شاؤوا، فهم قد دعوا أنفسهم بأنفسهم لزيارة لبنان، بعدما أختار حزبه المسلّح أن يكون لبنان مصارعاً ومقاتلاً ومقاوماً، حتى لو كان ذلك فوق دماء وجماجم السوريين، وحتى لو كان الثمن حرق لبنان ودفعه إلى سكّة المجهول، وفي فلسطين يصبح المشهد مشهدين، والجنون حالتين، والسلطة المفترضة سلطتين، والكفاح والنضال والمستقبل لا يزيد عن أثنين، فمن رأى أن إسرائيل- وله كل الحق في ذلك أنها قاتلة وظالمة ومجرمة، ألم يسأل نفسه عن سنوات التناحر والاقتتال وغياب الثقة في الجسد الفلسطيني، وعن عقود غياب الرؤى وضيق الأفق السياسي، حتى جُرّدت عدالة القضية وشرعية الحقوق من لونها ورونقها، فطغت مسمّيات المعابر والمساعدات وخطف بعض المجرمين، على روافع وأذرع فلسطين السليبة بشعبها وأرضها وقدسها، فانحرفت البوصلة السياسية أو ربما لم يعد بحارتها يرون أنفسهم، فكيف بهم سيدركون الآخرين!.
في حالة مرض الأفراد في عقولهم وأنفسهم، نبحث عن الدواء ونقرع أبواب الأطباء، أما عالمنا العربي وقد غدا مسرحاً لمن قرّر وشاء، ونتاجاً لإرث طويل من سنوات وعقود التجبّر والتجريف السياسي، وضحية لتبعثر وتشوّه وتناحر خطاب دينيّ، كان لا بد وأن يُحفظ سليماً ويبقى بهياً لامعاً ومتحضّراً، سنبقى نعيش حالة من الجنون، نستشرف المستقبل بأن نحفر ونستنسخ الماضي، وننكر الداء ونرفض الدواء حتى بعد أن يفوت الأوان!
م. زيد عيسى العتوم