ليبيا تحترق وتغرق في بحر من دماء الأبرياء، واليمن يقدم المزيد والمزيد من الشهداء العارية صدورهم، وسورية افتتحت طريقها للحرية بقرابة مئتي شهيد في درعا، والأردن قدمت يوم الجمعة أول شهيد على أيدي بلطجية النظام، والأنظمة العربية تستنسخ نفسها في مواجهة طلاب الحرية.. بلطجية، ومظاهرات مضادة مؤيدة من قبل مأجورين، وعصا الأمن الغليظة ونيرانه لا تتوقف، هذا فضلا عن المزيد من رفع الأجور والرواتب في محاولة لشراء العروش بطريقة ملء الكروش.
لكن الغريب أن الحكام العرب لا يريدون أن يفهموا، ويتصنعون الغباء وهم الأذكياء في قهر الشعوب فقط، لا يريدون أن يقروا وينطقوا بالحقيقة المرة في حلوقهم، أن شعوبهم تكرههم، وتاقت نفوسهم للحرية، وصارت القضية قضية تصارع قوى، قوة جاذبية العروش التي ألصقت هؤلاء بالسلطة حتى شاخوا على كراسيهم، وقوى مضادة هي قوة أعاصير الحرية، تلك القوى الشعبية العارمة التي لن يقف أمامها ـ بعون الله تعالى- أي قوى مضادة مهما أوتيت من نفوذ وسلاح وأموال. أصحاب الملوك والسمو والفخامة.. أراكم وقد أسقط في أيديكم، فلا تدرون كيف السبيل للاستحواذ على شعوبكم مرة أخرى، فالموجة أكبر من نفوذكم الذي تضخم جبروته طيلة عقود وعقود، لكنه فوجئ بتسونامي الحرية الذي لا يستطيعه أحد، وعصا الأمن تورط الأنظمة كلما سقط شهيد تلو شهيد، فتتعقد الأزمة بالنسبة لكم، ويرتفع سقف المطالبات الشعبية أكثر فأكثر حتى يجهر الجميع بـ ‘الرحيل’، أما البلطجية فصارت مسرحية هزلية جربها قبلكم أساطين الفساد في مصر، فلم تصمد شوكتهم أكثر من سويعات في موقعة الجمل، وما لبث أن انقلب السحر على الساحر، والمظاهرات المؤيدة لكم أصدق ما يقال فيها ان النائحة الأجيرة لن تكون أبدا كالنائحة الثكلى، وعن تكميم الأفواه ومنع القنوات ووكالات الأنباء من تغطية الأحداث فأبسط ما يقال فيها ان الهواتف النقالة قامت بالمهمة على ما يرام، وكانت القشة التي قصمت ظهر بعير إعلامكم العميل، وأخيرا حيلة الملك المفدى الذي فتح خزائنه للشعب وطوع فتاوى هيئة كبار العلماء لتؤيده، لكنه على يقين أنها حلول هشة، وهو يرتعد من الفجر القادم لا محالة بإذن الله تعالى، وها هو بشار الأسد يقلد اللعبة ويرفع الرواتب والأجور فما أفلحت الطريقة معه. أصحاب الجلالة والفخامة والسمو.. كم أنا مشفق عليكم، فلقد التصقتم بكراسي الحكم التصاقا متينا من طول العهد به، وصار كلمة ‘الرحيل’ كلمة مفزعة مرعبة لم تسمعها آذانكم من قبل، ولم تتصورها عقولكم، ولم تستوعبها مخيلتكم.. كيف لا وأنت ما رأيتم في حياتكم إلا المؤيدين والمصفقين والمبايعين، أما المعارضون فلا وجود لهم لأنهم دفنوا في غياهب السجون وهم أحياء، وأريقت دماؤهم بأمر منكم عن بعد من قبل أنظمة أمنية قمعية كنتم تحركونها بالريموت كنترول.
فعلا حالكم اليوم يرثى له.. ها أنتم تتقربون لشعوبكم، ولكنهم تحت أقدامكم يصرخون: ‘ارفعوا أرجلكم عن أعناقنا’، وأنتم لا تسمعون صراخهم، وهم لا يسمعون عروضكم.. تعرضون الحوار والإصلاحات والتفاهم، ولا تكلمون في كل هذه الطروحات إلا أنفسكم، فالشعوب تئن وتصرخ تحت أقدامكم، ولا تفهم لغتكم، ولا تستوعب عروضكم، ولا مطلب لهم إلا أن ترفعوا أقدامكم عن رقابهم. أصحاب الجلالة والفخامة والسمو.. ماذا قدمتم لنا سوى برامج تنموية عقيمة تقوم على الاستهلاك لا الإنتاج حتى صرنا عالة على العالم، وكانت أياديكم في السخاء لا على جهد مبذول ولكن على وفق موارد الأمة وثرواتها، فأصحاب آبار النفط أنفقوا عائداتها في ما لا يضمن مستقبلا مزدهرا لشعوبهم، أما غيرهم فقتروا على شعوبهم وأروهم الجوع بكل ألوان الطيف، وعلى صعيد العمل الخارجي لا نرى لكم إلا جامعة الدول العربية الهزيلة، ولا نرى إلا برامج جنونية في شراء أسلحة لا طائل منها إلا تشغيل مصانع الغرب، وقمع الشعوب العربية. ومن المفارقات العجيبة أنكم استجديتم الغرب لكي يقمع القذافي بضربات جوية موجعة، فأين طائراتكم التي اشتريتموها بالمليارات، وأين جيوشكم المغوارة التي استنزفت أموال شعوبكم المقهورة. أصحاب الجلالة والفخامة والسمو… لقد أضعتم كل شيء: حريتنا وكرامتنا وثروتنا وقدسنا وأقصانا، فحق لكم أن تضيعوا.
د. خالد سعد النجار[email protected]