عابرون في كلام عابر القصيدة التي أرعبت الاحتلال

في رسالة كتبها الراحل محمود درويش (1941 ـ 2008) الى اخيه وصديقه الراحل سميح القاسم (1939 ـ 2014 ) من تونس في الثاني والعشرين من آذار/ مارس 1988 يشرح فيها رؤيته للسلام ويوضح فيها ما هي بلاده وحدودها. هذه الرسالة نشرتها دار العودة – بيروت في كتاب يحمل عنوان الرسائل ـ محمود درويش وسميح القاسم، وقدم لها الأديب والروائي الراحل أميل حبيبي (1921 ـ 1996) الذي شبههما بشطري البرتقالة الفلسطينية، ولا أجمل.  
 يقول درويش للقاسم، أعلن الاسرائيليون الرسميون الحرب على القصيدة التي لم تكتب بعد، وعلى القصيدة التي كتبت، ويشرح انهم يفّسرون هذه القصيدة وكأنهم حفروا فيها بحرا ليشيروا انها، مقبرة لليهود. ويوضح أن جلاءهم عن أرضنا المحتلة ليس دعوة لرميهم في البحر. انشغل الرأي العام الاسرائيلي والاعلام والصحافة بهذه القصيدة. ويقول، هل هم يخافون من القصيدة حقا؟
ويعتقد الاسرائيليون ان الدعوة الى سلام مشروط بالحقوق والحقيقة الفلسطينية، يعني لهم الدعوة الى التخلي عن وجود لا يوجد الا في اختفاء الفلسطيني من الوجود. ان الاسرائيلي يطالب الغياب الفلسطيني بالحضور لمهمة واحدة محددة: أن يعترف الغائب بالحاضر وأنه لم يحضر الا لكي يغيب.
الفلسطيني مطالب  بالتوقيع على وثيقة التخلي عن الذات وعن الموضوع، وأن يصدق في الاعلان عن ان بلاده ليست بلاده، وهذا ليس هو الوعي الفلسطيني. يتساءل درويش بمرارة، من هو الذي رمى الآخر في البحر وفي الصحراء.. من هو القرصان؟
حاور صحافي اسرائيلي درويش حول هذه القصيدة، حول اخرجوا من جرحنا، واخرجوا من قمحنا، واخرجوا من بحرنا – ولكن لا بحر في الأراضي المحتلة! ألا تعرف الخارطة التي تحتلها. غزة على البحر- اذا بحر غزة – هذا البحر اسمه البحر الابيض المتوسط، لا بحر غزة – اذا هل تعني ان علينا أن نغرق في البحر؟ – قلت لكم: أخرجوا من البحر ولم أقل لكم اذهبوا الى البحر، ثم سأل الصحافي درويش قل لي: ما هي بلادك؟ ويجيبه درويش ببساطة وعفوية أي فلسطيني: بلادي هي بلادي فلسطين – كل فلسطين- نعم كل فلسطين بلادي، هل خدعك أحد وقال ان فلسطين ليست بلادي؟! – لا أنها بلادي – أنت تؤمن بأن بلادك قد تمتد من النيل الى الفرات وأنا أؤمن بأن فلسطين وحدها هي بلادي – ونحن ما هي حدودنا – عليكم أن تقولوا ما هي حدودكم في بلادنا. أما نحن فلا نسأل ما هو وطننا لأننا نعرفه تماما، بل نسأل عن دولتنا الممكنة من أرض وطننا. ونحن لا نأخذ منكم شيئا لكم .. نحن نأخذ من حقنا، فان تنسحبوا مما هو حولنا الى ما هو لنا لا يعني اننا نأخذ منكم شيئا. هل تفهم – لا أفهم. يقول درويش ولن يفهم أن هذا السلام ليس عدلا، ولن يفهم اننا نحن الذين نتنازل.
يخاطب درويش صديقه بمرارة وسخرية: ما هي بلادك يا سيد سميح القاسم؟ تصور أن يوجه اليك هذا السؤال! وهذا يعني ان الفلسطيني اذا رضي  بالضفة وغزة كوطن فلسطيني فان لاسرائيل الحق ان تطرد فلسطينيي الـ1948 من  «دولتها» الى «دولتهم». لقد تنبه درويش الى الى هذه المعضلة قبل ما يزيد عن 26 عاما، وهذا بالضبط ما تنادي به اسرائيل اليوم، يهودية الدولة.
يقول درويش ان شعار «لن ننسى ولن نغفر» هو شعارنا الطويل. كتبت هذه الرسالة ولم يمض على انطلاق الانتفاضة سوى بضعة اشهر، لذا تراه يغمره التفاؤل ويقول، ومع ذلك فان في وسع الشمس أن تشرق من حجر، لأن بلادنا هي بلادنا. هو درويش الذي كتب لسميح القاسم في الخامس من أغسطس/آب 1986 أي قبل انطلاقة شرارة الانتفاضة بأكثر من ستة عشر شهرا: نحن في حاجة الى درس الوطن الاول.
في الازمات تكثر النبوءات، وها أنذا ارى وجها للحرية محاطا بغصني زيتون، آراه طالعا من حجر. وكتب سميح القاسم لصديقه في الحادي والعشرين من كانون الثاني/يناير 1987، اما العام القادم فسنجد له اسما اخر جميلا ورشيقا، وكان عام الانتفاضة التي بدأت في التاسع من كانون الاول /ديسمبر 1987 (حتى لا ننسى). بعدها كتب القاسم مغتبطا «بوردتنا الطالعة من حجر»، وفي الوقت نفسه فانني خائف على هذه الوردة ( وكانت اوسلو بعدها) اما من حجارة في الوطن العربي؟ رحل درويش قبل الربيع العربي. اما سميح فقد عاش ليرى نبوءته تتحقق بالثورات العربية.
صحيح ان الانتفاضة الاولى انتهت باوسلو، وما ادراك ما اوسلو، وأن ثورات الربيع العربي متعثرة جدا، الا ان هذا لا يقلل من جمالها ولا من التضحيات التي بذلت. وكما صدقت نبوءات درويش والقاسم فلربما تصدق نبوءة أميل حبيبي ايضا: «وقد هطلت الحجارة على هذه الصحراء فاستصلحتها فأثمرت تينا وزيتونا»، لا أحد يرى الان التين والزيتون، أنه الدمار والقتل في كل مكان، ولكن ثمار التين والزيتون لم تنضج بعد، انها لا محالة قادمة، وسيكون لطعمها مذاق خاص بعد كل هذا الجوع والسنوات العجاف.

  ٭ كاتب فلسطيني

د. خليل قطاطو

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية