الطفلة المتوحّدة التي تقود حربا لإنقاذ البشرية

كانت غريتا ثونبرغ دائما (حسب صحيفة «الغارديان») هي الفتاة التي تجلس في آخر الصف ولا تقول شيئا. «ظننت أنني لا يمكن أن أحدث فرقا لأنني كنت صغيرة جدا». في سن الثامنة، وعند مشاهدتها لفيلم عن أثر البلاستيك على المحيطات، أخذت تبكي وكانت مصدومة من أن الكبار لا يفعلون شيئا لتغيير هذا الواقع. «ظللت أفكر بذلك وأتساءل إن كان سيكون لي مستقبل».
عام 2018 نالت الطفلة السويدية تلك جائزة من صحيفة «سبينسكا داغبلاديت» اليومية على مقالة عن تغيّر المناخ عنوانها «أريد أن أشعر بالأمان». يبدو أن المقالة لم تكن «موضوع إنشاء» (كما كان معلّمونا في الابتدائية يسمونه)، وأن الإنجاز المرموق، الذي كان يمكن أن تفخر به الفتاة وأهلها، قبل أن تنسحب عائدة إلى حياتها العادية ومدرستها، لم يكن غير إشارة عما ستفعله غريتا ثونبرغ لاحقا، وسيكون تأثيره أكبر بكثير مما يمكن أن تتخيله طفلة «متوحّدة» في عمر الثانية عشرة. وبما أنها لا تريد أن تعظ الناس بما لا تمارسه هي فعلا فقد توقفت ثونبرغ عن أكل اللحم، واستخدام الطـــائرات للرحلات الســـياحية وكان ذلك الثمن الذي عليها أن تدفعه لتتحمّل مسؤولية كلامها بخصوص المناخ. قلقها الشديد هذا دفعها للانقطاع لفترات عن المدرسة وبعدها بدأت موجات حرارة عالية في بلادها أدت لاشتعال النيران في غابات السويد البرية.
يوم 20 أغسطس/آب من العام نفسه نشرت ثونبرغ على صفحتها على وسيلة التواصل الاجتماعي «انستغرام» صورة لها قرب مبنى «الركسداغ» (البرلمان السويدي) حاملة لافتة من 3 كلمات ستغيّر تاريخ بلادها، وربما العالم: «إضراب مدرسي من أجل المناخ». كانت ثونبرغ تحمل خطّة جريئة وشجاعة بالنسبة لطفل في عمرها: أن تضرب عن الدراسة حتى التاسع من سبتمبر/أيلول 2018 احتجاجا على عدم قيام الحكومة بـ»دفع الثمن»، كما فعلت هي، للمساهمة في وقف احترار العالم وتغيّر المناخ.
بعد الانتخابات النيابية في السويد تابعت ثونبرغ ثورتها الصغيرة بالعودة إلى البرلمان كل يوم جمعة، ومن رحم ذلك القرار العنيد للطفلة المهجوسة بمستقبل البشرية ولدت حركة FridayForFuture «الجمعة لأجل المستقبل».

Generation Z

في بداية مشروعها للإضراب أمام البرلمان، طلبت غريتا من رفاقها في المدرسة أن ينضموا إليها ولكنهم رفضوا. حسب مجلة «ويارد» العلمية، فإن ثونبرغ، كأي طفل مما يسمى Generation Z (جيل نهاية الألفية الثانية، الذي تعرّف أبناؤه على الإنترنت منذ طفولتهم، وتكيفوا مع وسائل التواصل الاجتماعي والتكنولوجيا)، قامت بوضع صورتها أمام البرلمان على تويتر، وبسرعة البرق بدأ أشخاص آخرون مثلها بفتح حسابات شبيهة أدّت إلى ترويج الشعار. أحد المشاهير الأوائل الذين دعموها كان إنغمار رينتزوغ، وهو رجل أعمال سويدي وناشط بيئي انضم إليها في إضرابها. قام رينتزوغ بنشر صور لها على فيسبوك وتويتر، ما نشر دعوتها أكثر. ساسيا بيسليك، رئيسة مجموعة التمويل المستدام في البنك الفنلندي نورديا، قامت بنشر صورة ثونبرغ إلى أكثر من مئتي ألف من متابعيها.

أصبحت غريتا ثونبرغ الشخصية الرمزية العالمية الممثلة لإرادة ملايين الأطفال الذين يعملون على وقف تغير المناخ.

في مواجهة قادة العالم: لستم كبارا كفاية!

سمعت مراهقة ناشطة أخرى، ضمن مجموعة للدفاع عن حقوق الأقليات الجنسية، تدعى ميسون بيرسون، بالإضراب في يومه الأول، وفي الساعة الثامنة من صباح اليوم التالي كانت إلى جانب غريتا، وما لبثت أن تضامنت مع دعوتها فتوقفت عن أكل اللحوم واستخدام الطائرات، فأبناء جيلها، حسب رأيها: «أقوياء، لكننا أقوياء أكثر حين نكون معا»، عند الظهر تقاطر عدد آخر من المتضامنين، وبعد ثلاثة أيام نشرت غريتا صورة جديدة لها كاتبة: «35 شخصا» انضموا للإضراب. بدأ صحافيون محليون يصلون للموقع لتغطية الحدث، وخلال أسبوع انتشر الخبر في الصحافة العالمية.
في 8 أكتوبر/تشرين الأول 2018 أصدرت المنظمة الدولية لتغير المناخ تحذيرا يقول إن المناخ العالمي سيزداد 1.5 درجة حرارة بحلول عام 2030، وفيما كان العلماء والحكومات يتناقشون في ما يجب عمله، قررت تلك المراهقة السويدية «ما العمل»، وفي 20 من الشهر نفسه خطبت ثونبرغ في قرابة 10.000 شخص ساهمت في جمعهم منظمات منها «غرينبيس»، WWF، ونقابة طلاب جامعة هلسنكي، وتجمعوا في هلسنكي للقيام بمظاهرة لوقف التغير المناخي، وفي الشهر التالي خطبت في تجمع آخر في ستوكهولم. أثناء ذلك، كان أطفال في بلدان أخرى قد بدأوا في تنظيم إضرابات مستخدمين شعار «جمعة لأجل المناخ» لنشر دعوتهم، وفي 13 إبريل/نيسان 2019 نشرت غريتا صورة لتلميذة من أوغندا تطالب بالعمل فورا لوقف تغير المناخ. في ديسمبر/كانون الأول 2018 خطبت ثونبرغ في قمة للأمم المتحدة حول تغير المناخ، قائلة لقادة العالم أنهم «ليسوا كبارا كفاية ليقولوا ما يحصل فعلا»، وهذه الخطبة كانت أول شرائط الفيديو التي انتشرت بشكل هائل على الغنترنت وشاهدها قرابة 10 ملايين شخص. في 22 يناير/كانون الثاني 2019 في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، خاطبت الحاضرين بأن عليهم أن يشعروا بالقلق لأن «بيتنا يحترق». مضيفة: «تقولون إن الحياة ليست أبيض وأسود لكن هذا كذب. كذبة خطرة جدا. إما أن نمنع احترار الكوكب، أو لا نمنع. إما أن نتجنب إطلاق سلسلة التفاعلات التي لن يستطيع الجنس البشري إيقافها أو لا نفعل». يوم الجمعة 15 مارس/آذار 2019، شارك أكثر من مليون طالب في 2000 مظاهرة احتجاج في 125 بلدا ـ من ألبانيا وقيرغيزستان حتى بيرو، تايلند وزامبيا، وكان ذلك الإضراب الأول من أجل المستقبل. خلال 7 أشهر أصبحت ثونبرغ شخصية شهيرة على وسائل التواصل الاجتماعي يتابعها 1.1 مليون شخص على انستغرام، و400 ألف على تويتر ـ وأصبحت الشخصية الرمزية العالمية الممثلة لإرادة ملايين الأطفال الذين يعملون على وقف تغير المناخ.

التوحّد «قوة عظمى»

توصّف مجلة «ويارد» ما يحصل مع ثونبرغ في أحد أيام الإضراب: طفل في الخامسة يحمل يافطة صغيرة تقول: «لا تقطعوا أكثر من شجرتين في الأسبوع»، جاء مع أمه التي تقيم على مبعدة 4 ساعات، وأحضرت معها لثونبرغ جرة صغيرة من العسل الذي تنتجه. عجوز تصافحها وتقول لها إنها لن تسافر بالطائرة بعد اليوم. زوجان هنديان يتصوران معها، أطفال يهتفون: «ماذا نريد؟ إنقاذ المناخ. متى: الآن. الآن. الآن»، وتستنتج المجلة أن غريتا استطاعت أن تكون قوة جاذبة للناس من عمر 5 إلى 50.
جرى قبل سنوات تشخيص ثونبرغ بمرض «اسبيرغر» (التوحد الانتقائي) وهو يصيب صاحبه بالقلق ويؤدي لصعوبة الكلام في أوضاع معينة، لكنّ غريتا لم تتمكن من التغلب على مرضها حسب، بل إنها تعتبره «قوة عظمى». صحيح أن أطفال صفّها لا يتكلمون معها، لكنها قادرة على التواصل ومخاطبة ملايين البشر وأسلوبها في الكلام يشبه كلامها مع قادة العالم: مباشر وغير عاطفي.
الطفلة التي جعلها فيلم عن تغيّر المناخ في الثامنة من عمرها تشعر بالإحباط وتتوقف عن الذهاب إلى المدرسة، صارت الآن رمزا لمئات الملايين من الأطفال والكبار الحالمين بحصول تغيير تاريخي حقيقي. تقوم ثونبرغ بهذا العمل الكبير وهي تكتب وظائف الرياضيات واللغة في المدرسة. تستمع لمعلميها في الصفّ وتؤنّب زعماء العالم في دافوس. تفكر بكيفية مواجهة مستقبل الأرض وتنظم خياراتها في أي المواد ستدرس. لم تعد ثونبرغ الطفلة الصامتة الوحيدة المحبطة في صفها فهي مشغولة بتغيير العالم.

٭ كاتب من أسرة «القدس العربي»

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية