بغداد-“القدس العربي”: في الذكرى الخامسة لتسليم الموصل إلى تنظيم “داعش” الإرهابي عام 2014 تصاعدت الدعوات لفتح ملف يمثل وصمة عار في جبين العملية السياسية في العراق، تلك الحادثة التي تداخلت فيها أجندات شيطانية محلية وإقليمية لترسم أفظع جريمة ضد الشعب العراقي في العصر الحديث، وسط مؤشرات وتحذيرات بأن ظروف ظهور “داعش” في الموصل ما زالت موجودة حتى الآن.
وفي هذه الأيام، يتابع الموصليون خصوصا والعراقيون عموما، بقلق جدي، التطورات الجارية في محافظة نينوى شمال العراق، سواء من خلال الحرب الشعواء بين الأحزاب للاستحواذ على المناصب العليا في المحافظة أو تبادل الاتهامات بينهم، ببيع المناصب الرئيسية فيها أو المتاجرة بحملة إعادة الإعمار، إضافة إلى المخاوف من انهيار أمني جراء عودة تنظيم “داعش” للعمل في مناطق عدة من المحافظة رغم كل الحملات العسكرية لاجتثاثه.
ومع ذكرى المناسبة المؤلمة، تجددت الدعوات لفتح ملف سقوط الموصل (المجمد عمدا) ومحاسبة المسؤولين عنه، حيث أعلنت كتلة تحالف سائرون (المدعومة من التيار الصدري) أنها طلبت من رئاسة البرلمان إعادة فتح ملف سقوط الموصل بيد “داعش” في حزيران/يونيو 2014 متهمة “جهات متنفذة” في السلطة بالوقوف وراء سقوط المدينة، ومعتبرة أن “ملف سقوط الموصل يعد من أكبر ملفات الفساد نتيجة استنزافه موارد مالية وبشرية، فضلا عن تهديم مدن بالكامل من قبل داعش”.
وهذا محافظ نينوى المقال، أثيل النجيفي، الذي جعله البرلمان كبش فداء للتغطية على المسؤولين الحقيقيين عن دخول “داعش” للموصل، يكشف عن حقائق جديدة صاحبت سقوط المدينة في ليلة 10 حزيران/حزيران عام 2014 بيد تنظيم “داعش” الإرهابي.
وقال النجيفي في لقاء تلفزيوني، “ان معركة دارت بين القوات الحكومية وعناصر داعش لمدة ثلاثة أيام، ولكنها فجأة انسحبت” متسائلا “لماذا انسحبت الأجهزة الأمنية خلال المواجهة مع تنظيم داعش؟” مبينا ان “الموصل في يوم 6 حزيران/يونيو اخترقها الإرهابيون، وان قوات الجيش والأجهزة الأمنية لم تفعل شيئاً لمواجهتهم وسمحوا لهم بالانتشار، ثم هربت تلك القوات لاحقا”. وأكد أن “المالكي لم يكن يجيب على اتصالاتي وتحذيراتي حول تدهور الوضع الأمني في الموصل آنذاك، وأن مدير مكتبه فاروق الأعرجي أبلغني برفض المالكي لتدخلي في تقييم الموقف”. وأضاف “أن تقرير البرلمان بشأن التحقيق في سقوط الموصل واتباع رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي روجوا أكاذيب لتضليل الناس عن حقيقة ما جرى”.
ومن أجل منع تكرار تجربة “داعش” انطلقت دعوات لإنقاذ الموصل من أوضاعها المتردية حاليا، فقد أكد نائب رئيس الجمهورية السابق، أسامة النجيفي، الوقوف ضد ما سماه “المشروع الإيراني الذي يجتاح العراق والمنطقة” منوها أن “ما حصل في الموصل كان جزءاً من المشروع الإيراني” ومبيناً أن محافظ نينوى الجديد، منصور المرعيد هو “أداة من أدوات المشروع الإيراني وان إيران مؤثرة في هذا السياق”.
وبينما حذر رئيس الوزراء السابق، حيدر العبادي، عقب اختيار محافظ جديد لنينوى، من أن “نينوى العزيزة على قلوبنا والتي ضحى أبطالنا من أجل تحريرها من الإرهاب، يحاول الفاسدون إعادتها إلى الوراء وظلم أهلها وبيع مصالحها” مؤكدا أن “الفاسدين والغادرين مهدوا سابقا بفسادهم لاستيلاء داعش على المحافظة” فان زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، كان أكثر وضوحا عندما دعا الرئاسات الثلاث لإيقاف مهزلة انتخاب محافظ جديد لنينوى وحل مجلس المحافظة وإرسال بعض الثقات لإدارة المحافظة” مؤكدا على أن أهل نينوى “بحاجة إلى خدمات وإلى كلمة طيبة لا إلى أحزاب سياسية أو ميليشيات”. وهدد إن “لم يتصرفوا فليتركونا نتصرف وفق ما يريد أهلها”.
وفي خضم هذه المخاوف والأجواء المعقدة في أوضاع الموصل، فثمة حقائق تفرض نفسها على المشهد، أبرزها ان تقرير لجنة التحقيق النيابية حول أسباب سقوط الموصل والمسؤولين عنها، لن يرى النور ولن يصل القضاء، لأنه يمس شخصيات تتمتع بحصانة سياسية كاملة ومنهم نوري المالكي، الذي يعده تقرير البرلمان والقادة العسكريون وخصومه السياسيين، المسؤول الأول عن الكارثة، لأنه كان آنذاك رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة ووزير الدفاع والداخلية معا، وبالتالي فإنه كان يجمع كل السلطات الأمنية بيده، ولا يمكن لغيره إصدار أوامر للقوات المسلحة، ليس في الانسحاب من الموصل بدون قتال فحسب ، بل وفي ترك معدات كاملة لأربع فرق عسكرية، ليأتي تنظيم “داعش” ويستولي عليها بكل سهولة، وليبني عليها أساس دولته المزعومة.
ومن المؤكد ان النفوذ الإقليمي وخاصة الإيراني ما زال فاعلا في المشهد الموصلي كون المحافظة تدخل ضمن مشروع طريق إيران سوريا، في وقت تنشغل العديد من القوى السياسية السنية وبعض القيادات الأمنية والميليشيات، في صراع شرس، ليس على إعمار الموصل المدمرة أو مواجهة التحديات الأمنية، بل على الاستحواذ على المناصب العليا في المحافظة ونهب خيراتها وفق صفقات سياسية تزكم الأنوف، روائح الفساد الكريهة المنبعثة منها، وهي ظروف تستغلها القيادة الكردية في أربيل بذكاء من أجل العودة إلى المناطق المتنازع عليها في المحافظة من جديد. أما آمال أهل الموصل في الإصلاح وإعادة الإعمار وعودة النازحين، فإنها تتبخر يوما بعد يوم مع حرارة الصيف اللاهب، لتضع المحافظة في الظروف نفسها التي انجبت تنظيم “داعش” والله المستعان.