المهندس الذي اعتبر رمزاً لانتصار الثورة المصرية وتحطمها

حجم الخط
0

بعد سبع سنوات من تتويجه لرئاسة مصر، عندما فاز في الانتخابات الديمقراطية الأولى التي جرت في هذه الدولة منذ عشرات السنين، توفي أمس محمد مرسي أثناء وقوفه لتقديم شهادته في المحكمة في القاهرة. ما زالت ظروف موته غير واضحة. وقرار المحكمة الذي يقول بأن مرسي (67 سنة) أصيب بسكتة قلبية يستقبل بشك في أوساط مؤيديه وأتباع حركة الإخوان المسلمين. من مصر ورد أن قوات كبيرة من الشرطة انتشرت في شوارع المدينة بسبب الخشية من اندلاع مظاهرات احتجاج كبيرة، التي يحتمل أن يشارك فيها من يؤيدون الإخوان المسلمين، بل ومعارضو نظام الرئيس عبد الفتاح السيسي.
صعود وموت مرسي يقص قصة ثورة الربيع العربي في مصر. وترشيح مرسي للرئاسة لم يكن الخيار الأول للإخوان المسلمين.
الدكتور الذي درس هندسة محركات الصواريخ في جامعة في جنوب كاليفورنيا وعمل في الثمانينيات في «ناسا»، على تطوير السفن الفضائية، عاد إلى مصر وعمل محاضراً في جامعة الزقازيق. اعتقلته الشرطة عشية الثورة كجزء من نشاطات نظام مبارك في الجامعات ضد حركة الإخوان المسلمين.
لم يكن مرسي من البارزين من زعماء الإخوان المسلمين وحتى أنه لم يكن متديناً. ولكن بالنسبة لقيادة الإخوان المسلمين هو مرشح متصالح لا يغضب الجيش، الذي تولى السيطرة على الدولة بعد إسقاط نظام حسني مبارك. وكان بإمكانه تجنيد حركات الاحتجاج العلمانية بسبب علاقاته المتشعبة معها. نتائج الانتخابات الرئاسية التي جرت أعطته 53 في المئة من أصوات الناخبين وأوضحت أن مصر منقسمة في مواقفها من حكم حزب ديني بشكل عام وحركة الإخوان المسلمين بشكل خاص.
ورغم ذلك، فإن انتخاب مرسي، الذي جاء بعد فوز حركة الإخوان المسلمين بالشرعية، وبعد رفع الحظر عن نشاطاتها السياسية التي فرضت في 1954، استقبل كرمز لفوز الديمقراطية في الدولة، واعتبر إنجازاً للثورة. أحد الأعضاء الكبار في حركة الاحتجاج، وائل غنيم، الذي بدأ بتجنيد الاحتجاج بواسطة صفحته في «فيسبوك» التي أقامها في ذكرى خالد سعيد، الشاب المصري الذي قتل على أيدي الشرطة في الإسكندرية قبل خمسة أشهر من حدوث الثورة، أعلن في حينه بأنه سيصوت لمرسي لأنه «أولاً، يجب علينا الاهتمام بالديمقراطية، وبعد ذلك بجوهرها».
ولكن تبين لحركات الاحتجاج، والشعب المصري بوجه عام، بأن مرسي لا ينوي تطبيق المبادئ التي وجهت من قاموا بالاحتجاج والثورة.
في عدة أوامر رئاسية قرر أنه ستكون لقراراته صفة القانون، وأنشأ لجنة لصياغة الدستور تتكون من شخصيات تؤيد حركة الإخوان المسلمين في معظمها، وتحويل مصر إلى دولة شريعة، وفرض رقابة شديدة، واعتقل خصومه من الصحافيين والمفكرين. حركة الإخوان المسلمين أظهرت التعطش للحكم الذي يصعب إرواؤه، عندما بدأ الرئيس باستبدال الأشخاص الذين تولوا المناصب الكبيرة في عهد مبارك، وبدلاً منهم عيّن نشطاء من حركة الإخوان الذين بدأوا في إدارة شؤون الدولة وفق الأجندة الدينية ـ السياسية للحركة.
في الوقت نفسه، حرص مرسي على إنشاء شبكة علاقة وثيقة مع إدارة الرئيس براك اوباما وحظي بتأييد تركيا، وأعلن أنه ينوي التمسك بجميع الاتفاقات التي وقعتها مصر، بما في ذلك اتفاقات كامب ديفيد. ورسالة التهنئة التي تسلمها من الرئيس شمعون بيرس بمناسبة انتخابه أجاب عليها مرسي بكلمات لطيفة: «بمشاعر الشكر العميق تلقيت تهنئتك بمناسبة حلول شهر رمضان المبارك. وأنتهز هذه الفرصة كي أقول مرة أخرى بأنني آمل أن نستثمر جهودنا الجيدة جداً من أجل إعادة العملية السلمية في الشرق الأوسط إلى المسار الصحيح من أجل تحقيق الأمن والاستقرار لكل سكان المنطقة، بما في ذلك الشعب الإسرائيلي». هذه الرسالة هدأت بدرجة ما مخاوف إسرائيل من رجل الإخوان المسلمين الذي لم يذكر في السابق اسم إسرائيل وأطلق عليها اسم الكيان الصهيوني، واعتبر قيادتها مشعلة للحروب.

انتصار الثورة وانهيارها

في سنة ولايته الوحيدة سجل مرسي أيضاً عدة إنجازات في المجال الاقتصادي. من بين ذلك حصل على هبات وقروض سخية من قطر ووقع على اتفاقات مع صندوق النقد الدولي وأمر بزيادة الاستثمار في البنى التحتية. السياحة التي تعرضت لضربة شديدة في أعقاب الثورة بدأت في العودة إلى سابق عهدها، ورؤساء الدول الغربية استقبلوا مرسي كممثل أصيل لـ «الجمهورية المصرية الثانية» التي تمثل عهد الديمقراطية في مصر.
كل ذلك لم يهدئ حركات الاحتجاج التي استأنفت المظاهرات، والتي طلبوا فيها من مرسي الاستقالة، إلى حين سيطر الجيش في الذكرى السنوية الأولى لولايته على خلفية مظاهرات كبيرة هزت القاهرة، على القصر الرئاسي ومنح مرسي 48 ساعة كي يتراجع عن كل قراراته وتعليماته، أو سيتم عزله. مرسي رفض هذا الإنذار واتهم الجيش بالتمرد ضد الرئيس المنتخب. ولكن في نهاية ذاك اليوم تم اعتقاله، وبدلاً منه عين رئيس الأركان ووزير الدفاع عبد الفتاح السيسي نفسه رئيساً مؤقتاً.
لقد تم تقديم عشرات لوائح الاتهام ضد مرسي شملت مخالفات كثيرة، منها التجسس والخيانة وقتل المدنيين والتآمر مع حماس وقطر، وأدين بها. وفي إحداها صدر حكم الإعدام عليه، والذي تم استبداله بعد ثلاث سنوات بالسجن المؤبد.
إقالة مرسي من قبل السيسي تم استقبالها في البداية كعمل حيوي لإنقاذ الديمقراطية في مصر وإنقاذها من الأذرع الدينية. ولكن خلال فترة قصيرة تبين للشعب المصري بأن الرئيس الجديد أيضاً، حتى عندما خلع الزي العسكري وبدأ بارتداء البدلات الرسمية، لا يحمل في جيبه صولجان الديمقراطية. السيسي بدأ بحرب شديدة ضد الإخوان المسلمين، أوقف نشاطهم واعتبرهم تنظيماً إرهابياً يجب اجتثاثه من الجذور.
في الوقت نفسه بدأ السيسي بفرض نظام قمع شديد، حتى أكثر شدة من الذي كان في عهد الرئيس مبارك. حركات احتجاج تم تفريقها، نشطاء اعتُقلوا، وسائل إعلام تعاني من الملاحقة، وتجاهل حقوق الإنسان والمواطن، كل ذلك حولت مصر إلى بؤرة للانتقاد الدولي. يبدو أنه إذا كان مرسي شكل رمزاً لانتصار الثورة وانهيارها، فإن ولاية السيسي موجهة لتدمير روحها.

تسفي برئيل
هآرتس 18/6/2019

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية