■ توقف إدوارد سعيد طويلا أمام ظاهرة التعصب والتحيز الأعمى التي وجدها في الواقع الأدبي والنقدي الغربي، حيث يرى أن دور موظفي الخارجية في السلطة / الحكومات الغربية هي إضفاء مسحة الشرعية على السياسة الخارجية، بكل ما فيها من عنفوان وإمبريالية، ومثل هذا القول الصحيح عن نقاد الأدب والكتاب الإنسانيين المحترفين، فخبرتهم قائمة على أساس عدم التدخل فيما دعاه فيكو في منتهى الروعة بعالم الأمم، أي ذلك العالم الذي يمكن دعوته أيضاً، بمنتهى البساطة، «بالعالم أو الدنيا». فنحن نقول لتلاميذنا وعموم جماهيرنا بأننا ندافع عن الآداب الكلاسيكية، مفخرة الثقافة الليبرالية ودرر الأدب النفيسة، حتى في الوقت الذي نكشف فيه عن أنفسنا بأننا صامتون – ولربما عاجزون- حيال العالم التاريخي والاجتماعي الذي تحدث فيه كل هذه الأشياء .
ويتخذ سعيد نموذجا تطبيقيا في كتابه العالم والنص والناقد، من خلال نقاشه لكتابات المستشرق ماسينيون عن الحلاج، الشاعر الصوفي المسلم، الذي عانى كثيرا بسبب آرائه، وقد استشِهد في النهاية بسبب مقولاته، يرى سعيد أن المشكلة كامنة في تقييم ماسينيون وحكمه على القضية من منظور دينه، فقد اتخذ من المسيح عنوانا للحكم، في ما سماه المبادلة، أو بالأدق أن هناك في الأديان الأخرى ما يشابه المسيح في تضحياته من أجل البشرية، وما الحلاج إلا ضحية مثل المسيح، يقول: «إن ما يكمن خلف فكرة المبادلة هو النقيضة الموجودة أبداً بين الشيئين البديلين لبعضهما بعضاً. فالمسيح كقربان ما هو في منتهى الجلاء إلا البديل الأسمى لكونه ضحية قربانية عن البشر أجمعين، ولكونه ابن الله في آن معاً. فالمسيحية كمنظومة دينية، كطقوس دينية، كلغة، مبنية من صميم تلك النقيضة الجوهرية. وإن صرامة منهج ماسينيون صرامة تطمح لنقل هذه النقيضة والمبادلة الدينية إلى ميدان اللغات ومن هناك إلى العربية والإسلام».
ولنتوقف عند رؤية «سعيد» للمسيحية، حيث جعلها منظومة دينية، وطقوسية، ولغوية؛ تأسس عليها الكثير من الرؤى والأحكام نحو الثقافات الأخرى.
كما يرصد في موضع آخر مآخذا على ماسينيون وهو ينظر إلى اللغة العربية والإسلام في كتاباته، فيرى: دائماً نقيضة تستوجب المواجهة وقطباها يسمحان للمرء أن يقطع المسافة من اللغة إلى الدين، وأن يعود أدراجه مرة ثانية: من العربية إلى الفرنسية، من الإسلام إلى المسيحية، ومن ثم عود على بدء مرة أخرى. وفي صميم كل قطب من النقيضة هنالك المزيد من النقائض.
هنا حضرت المسيحية للحكم على الإسلام، مثلما حضرت الفرنسية للمقارنة بينها وبين العربية، فالنزعة المركزية الغربية متواجدة، لا يستطيع الناقد الغربي أن يخرج من إسارها، ليتعرف حقيقة الإسلام كما هي، وحقيقة اللغة العربية. ويسجل إدوارد سعيد في خاتمة كتابه خلاصة عنونها بـ«النقد الديني»، مشيرا إلى أن الإحساس بالانتماء الديني، وسيطرة هذا الإحساس على النشاط النقدي والفكري للناقد الأدبي، يجعله منحازا بشكل أو بآخر، وإن تظاهر بالحياد، ذلك أن «الدين يزودنا، كالثقافة، بنظم للسلطة وبمعايير للطقوس الدينية من تلك التي تخلص بشكل منتظم إلى فرض الخنوع أو إلى اكتساب الأشياع. وهذا الأمر بدوره يفضي إلى عواطف جماعية منظمة من ذات النتائج المشؤومة فكرياً واجتماعياً في أغلب الأحيان. فإصدار هذه النتائج على بقائها، وإصدار غيرها من الآثار الثقافية/الدينية، يثبتان أكثر مما ينبغي ضرورة توفر اليقين والتضامن الجماعي وحس الانتماء إلى جماعة لدى تلك المقومات التي تبدو أنها من المقومات الأساسية للحياة البشرية».
إقصاء الدين من الممارسة النقدية إجراء مستحيل لأن الدين من المنظور الفلسفي البراغماتي عقيدة، واللادين عقيدة كذلك، بغض النظر عن شكليات العقيدة أو تلك.
وبالتالي، فإن الدين يصبح سلطة وانحيازا، وتكتلا، ولم يعد إيمانا وقيما وسلوكيات ورقيا أخلاقيا، فانتصار سعيد لاصطلاح النقد الدنيوي عائد إلى قناعته أن المؤمنين بالدين من النقاد والمثقفين وسائر المشتغلين يحولون الدين إلى سلطة ومرجعية، ومعايير وأحكام، فتضيع الحقيقة في النهاية. إن الواقع يُظهر أن الدين لم يغب قط عن الساحة النقدية، حتى في أشد المواقف عداء للدين، وتعصبا للدنيا (العلمانية الشاملة) كما ظهر في إعلان نيتشة عن موت الله، فهو موقف ديني وإن كان متضادا، باعتبار أن الإيمان المطلق بالإنسان مصدر للتشريع بدلا عن الله يحمل في طياته رسالة تعبدية تفرض نفسها على ذوي النزعة النيتشوية، تجعل الدين هاجسا وسؤالا ملحا عليهم.
فإقصاء الدين من الممارسة النقدية إجراء مستحيل لأن الدين من المنظور الفلسفي البراغماتي عقيدة، واللادين عقيدة كذلك، بغض النظر عن شكليات العقيدة أو تلك. أما إذا نظرنا خارج نطاق الفلسفة، فالحجة تتمثل في أن كلا من البداية والمنهج بالنسبة للنقد الغربي لم يعرفا المفارقة بين الدين والدنيا، بل إن طابعهما الأصلي كان دينيا بامتياز، وكل ما في الأمر أن ذلك النقد، وهو يستلهم في مساره مدارس وتيارات ومناهج مختلفة؛ جعل حضور الخطاب الديني في كتابات النقاد يتراوح بين الجلاء والخفاء. فعلينا الانتباه إلى ذلك، عندما نقرأ المبثوث في الكتابات النقدية الغربية، وما أكثرها، وهي تتسرب بدورها إلى الوعي أو اللاوعي للمتلقي في الشرق أو باقي ثقافات العالم، فينبهر بالفكر النقدي الغربي، ويسعى إلى الالتصاق الفكري بمرجعياته الفكرية والفلسفية، والالتصاق العاطفي بالآخر.
وهو ما يرصده إدوارد سعيد، حيث يرى أن الدين قد حضر بقوة في أعمال عدد من النقاد الدنيويين مؤخرا، وقد عاد الانحياز الديني بطرق مختلفة في كتاباتهم، وعلى أوضح ما يكون في أعمال بعض الصناديد الدنيويين السابقين من أمثال دانيال بيل ووليام باريت ممن يبدو لهم الآن أن العالم الاجتماعي/ التاريخي لرجال ونساء حقيقيين صار بأمس الحاجة للتسكين الديني.
يبدي سعيد حزنه على تحوّل عدد من النقاد الدنيويين إلى النقد بقناعات دينية، ويربط ذلك بحاجة المجتمع والناس إلى تسكين ديني، وهو دال على فشل المشروع الحداثي ذاته، فلم يستطع أن يوجد إنسانا غربيا حداثيا علمانيا، ذا رؤية إنسانية واسعة، ولم يحقق السعادة المنشودة له، ولكن الواقع أن مراجعات ما بعد الحداثة أظهرت أن الدين لم يغادر الحداثة حتى يعود إليها، وإنما كان مستترا تحت طروحاتها وشعاراتها، نقول مستترا، إلا أنه جلي لكل ذي بصيرة.
وكما ينبه سعيد في دراسة أخرى، بأن أشد ما يؤخذ على مثقفي العصر الحاضر هو تنازلهم عن سلطتهم المعنوية والأدبية، مقابل ما يطلق عليه « تنظيم المشاعر الجماعية الجارفة «، الذي يعني السير وراء: الطائفية، والمشاعر الجماهيرية، والعداوات المستندة إلى اختلاف القوميات، والمصالح الطبقية. وأيضا السير في ركاب التوجهات السلطوية (الحكومية) التي تستعين بالمثقفين لتدعيم سياساتها، وللدعاية ضد الأعداء الرسميين، ولوضع صيغ ملطفة في التعبيرات السياسية، لإخفاء ما يحدث فعلا من غايات سلطوية تحت اسم مقتضيات عمل المؤسسات الرسمية، الكرامة القومية، فالمثقفون الحقيقيون غير منعزلين في أبراج عاجية، يعيشون هموم الناس، وينحازون لمبادئ الحق والعدل، وفضح الفساد، والدفاع عن الضعفاء، وتحدي السلطة المعيبة أو الغاشمة.
٭ اكاديمي من مصر