محمود عبد الرحيم’كأني لم أكن هناك’، للمخرجة جوانيتا ويلسون واحد من الأفلام التي يمكن تصنيفها كـ’تراجيديا حرب’، تلعب على الوتر العاطفي بقوة، لكنك لا تشعر بالنفور، رغم ثقل المشاهد الصادمة، ربما لصدقية الطرح، الذي له ظل من الحقيقة، وحرفية مخرجة العمل التي جعلت المتفرج يتوحد شعوريا مع بطلته، ويندمج مع فصول مأساتها.
والملفت في هذا الفيلم الفائز بالهرم الفضي في مهرجان القاهرة السينمائي في دورته الأخيرة، أن مخرجته ايرلندية، فيما تعالج جرائم حرب الصرب ضد البوسنيين، بشكل حميمي تلمس فيه تعاطفا واستيعابا للوقائع الوحشية، يقنعك بأنها ليست غريبة عن هذا المكان ولا هذه الأحداث، علاوة على نجاحها في اختيار بطلة تمثل لأول مرة، بدت مقنعة تماما، وقادرة على الإمساك بملامح الشخصية الداخلية والخارجية، رغم صعوبتها، حيث تتطلب تجسيدا لمواقف نفسية متباينة، ومشاعر شديدة الوطأة بتعبيرات الوجه، سواء بايماءة ما، أو نظرة عين، أو حركة بسيطة، لكنها مشحونة بالدلالات.
وقد حرصت المخرجة على اختيار طريقة سرد ملفتة، تخلق حالة من الترقب والتشويق للمتفرج، بأن بدأت بلقطة ‘كلوزآب’ لطفل رضيع، فلقطة مماثلة على وجه الفتاة الشابة، ثم لقطة لها وهي تستحم شاردة، قبل نزول التترات، وهو المشهد الذي تكمله في نهاية الفيلم، وبهذا الشكل الدائري تجسد تجربة الشخصية، وتوحي أن بقية المشاهد ما بين نقطة البداية، والختام ليست سوى حالة كابوسية عايشتها البطلة وانقضت، وإن ظل شبحها يطل من بعيد، على نحو يفسر المعنى الذي يحمله عنوان الفيلم ‘كأني لم أكن هناك’. ثم جعلتنا نقترب تدريجيا من هذه الحالة الكابوسية، بلقطات متلاحقة تصنع تفاصيل يومية لحياة عادية هادئة، لا تنبئ عن الوضعية القاسية اللاحقة، ما يخلق وقع الصدمة، ويحول بطلتها إلى ضحية يستوجب التعاطف معها، حيث لقطة للمدينة من أعلى، فلقطة مقربة للحمام وهو يلهو في سلام في ساحة ميدان سراييفو، ثم لقطة متوسطة للبطلة وهي تلعب مع أختها، ثم قطع على جامع وفي الخلفية صوت الأذان، بينما الفتاة تستقل الباص في حالة تأمل للغد، وصولا إلى القرية التي جاءتها لتعمل بها معلمة، وبداية مأساتها غير المتوقعة، باقتحام مسلحين للقرية، وقتل كل الرجال واخذ كل النساء رهائن في معسكر يتم فيه امتهان كرامتهن الإنسانية.
ومن الملاحظ في بناء هذه الشخصية المحورية، أن المخرجة لم ترد فقط أن ننظر إلى هذه الشابة كمجرد ضحية تنساق لمصيرها القاسي، فجعلتها تتصدى لمقاومة هذا الانتهاك للآدمية، ولو بشكل سلبي، ينسجم مع طبيعة المرأة من دهاء وحيلة، بشكل يغير من رتابة الأحداث ويخلق حالة صراع درامي داخلي بين الفتاة وذاتها، وبينها وبين النسوة حولها، ويحولها من تابعة إلى صاحبة إرادة، بجعلها تسلم نفسها طواعية لقائد المعسكر لتصبح خليلته، حيث أن في هذا التصرف تقليلا للخسائر، فبدلا من أن يتم اغتصابها بشكل مهين وتحت التعذيب من الجميع، ها هي تختار، على نحو يروض القائد فيقلل من عنفه، إلى جانب توافر الفرصة لسرقة بعض الطعام والدواء لمساعدة الأخريات، رغم نظرتهن المستهجنة لها.
وجسدت المخرجة هذه الحالة بشكل مدهش، على نحو نلمس فيه أن هذه الفتاة لم تبع نفسها، وأنها ترتدي قناعا رغما عنها، من خلال المكياج الصارخ الذي تضعه، والألوان الزاهية التى ترتديها لوقت قصير، وممارسة الجنس ببرود، كأنها تؤدي مهمة اضطرارية، ثم المسارعة إلى النزول سريعا من مقر القائد، وخلع تلك الملابس، والمغالاة في الاستحمام، للتخلص من آثاره على جسدها، بدلالتها المعنوية قبل المادية.
ثمة ثلاثة مشاهد يستوجب التوقف عندها، تكشف عن حرفية المخرجة، وبراعة أداء البطلة، أولهما مشهد الاغتصاب، الذي صاغته بشكل يفجرالشعور بالغضب والنفور تجاه هؤلاء المسلحين الذين حرصت على تصويرهم كمن يشاركون حفل تعذيب، ويتلذذون بإيلام الآخر بشكل مرضي، حيث نرى الشابة حين وقع الإختيار عليها، تتقدم بوجوم ورعب وبخطى متعثرة كالشاة المساقة للذبح، فيما تركز الكاميرا على نظرة الخوف التي تملأ عينيها، ورعشة اليد وهم يجبرونها على خلع ملابسها، ثم تقطع المخرجة بالتوازي على وجهها وقد بدا متجمدا من هول الموقف، ثم على وجه المغتصب الذي يمارس بهمجية ويتبادل نخب ضحيته مع أقرانه غير مبال، ثم تقطع على حشرة على الحائط، كدلالة على أن هؤلاء ليسوا آدميين، وانما حشرات حقيرة.
ثم حين يقوم آخر باغتصابها، نرى المخرجة قد سعت لتأكيد أن مثل هذه التجربة القاسية لا تعدو كونها كابوسا فظيعا، بأن قامت بالمزج بين لقطتين للفتاة، واحدة وهي تحت الاغتصاب وفي حالة اعياء، وأخرى وهي تشاهد نفسها بحسرة كأنها أخرى وليست هي.
أما المشهد الثاني، فوظفت فيه المخرجة موتيفات بسيطة وعناصر الطبيعة بشكل رمزي لتلخص حالة البطلة ورفيقاتها بعد انتهاء الحرب، وقرار تسريحهن، حيث نراها تخطف حقيبتها من القائد، رمز ما تبقى لها من كرامة، وتمسك بجاكيت أسود في يدها، رمز الحداد على روحها المجهضة في هذا المعسكر، ثم لقطة واسعة للقرية الخاوية والجبال المخيفة في الليل، ثم لقطة مقربة لغوصها هي ورفيقاتها بالوحل، ثم لقطة طويلة، وهن متفرقات فى الأحراش، على نحو يجسد الإحساس بالضآلة والعار والضياع.
أما المشهد الثالث، فبعد الولادة، حيث جسدت فيه المخرجة، حالة الصراع بين إحساسها بواجبات الأمومة، وبين رفضها للطفل الذي يذكرها بتلك التجربة المؤلمة، بأن تقدمت بمقص لقتل الطفل، فلم تجرؤ سوى على قطع بطاقة تعريفه، بينما الكاميرا تتابعها وتتوقف عند عينها المحملة بالحيرة التي تتجسد أكثر بوقوفها أمام المرآة وما توحيه من تردد، ثم لقطة كلوز آب على صدرها كدلالة على الحنين الغريزي لممارسة أمومتها، وتزداد اللحظة الدرامية توترا بنحيب الطفل المتصاعد، بينما تنظر لصورتها مع أبيها وأمها وأختها، وما توحيه من احتواء أسري. وفيما عيناها تدمعان، تضع الصورة بجوار المولود، كأنها تستسلم لقدرها وتسلم بقبول الطفل داخل عائلتها، فتتقدم إليه بيد مرتعشة، ثم تحمله في النهاية وتأخذه على صدرها، كدلالة على انتصار عاطفة الأمومة على ذاكرة الألم بداخلها.
ويلاحظ أن المخرجة، كثيرا ما كانت تلجأ إلى لقطة ‘الكلوز آب’، لإبراز الانفعالات، وتلمس المشاعر النفسية لشخصياتها، التي كانت تعمقها بتوظيف الموسيقا، خاصة التى توحي بالشجن والترقب، أو باللجوء إلى لحظات الصمت الطويلة أحيانا، لإعطاء المتفرج فرصة لتأمل اللحظة الدرامية والتوحد الوجداني، وسط حوار مكثف، حيث الغلبة للغة الصورة التي أجادت التعبير بها بحس شاعري أنثوي.*كاتب صحافي وناقد مصريEmail:[email protected]