ربيع مروة: الفنان لا يستطيع اسقاط النظام لكن يمكن ان يلاعبه

حجم الخط
0

حسام الدين محمد

لندن ـ ‘القدس العربي’: ربيع مروة، الممثل (بدي شوف، الرغيف، ارض مجهولة، اشباح بيروت)، والمخرج والكاتب (ادخل يا سيدي نحن ننتظرك في الخارج، الأسانسور، غاندي الصغير، القبعة والنبي، حبس الرمل، كيف بدي وقف التدخين، البحث عن موظف مفقود، لكم تمنت نانسي لو ان كل ما حدث كان كذبة نيسان وغيرها من اعمال)، هو ايضا فنان بصري يستخدم التشكيل والكولاج والانستوليشن للتعبير عن عالم يبدأ من الذاتي البسيط ليكشف العام المعقّد.

العرض بدأ من خارج الغاليري نفسه حيث وقفت وعدد من الصحافيين على واجهة الصالة التي انكتب عليها باللون الأحمر ‘الشعب يريد’. العنوان ينطلق طبعا من الأحداث الراهنة التي تعيشها المنطقة العربية في نوع من الاحتفاء بها فنيا، ثم محاولة مساءلتها فنيا.’الى اين يذهب الناس من هنا’، ‘لماذا لم يحصل شيء قبيل من هذا في لبنان واين الطبعة اللبنانية لما يحدث؟’. يبدو المعرض في حالة تكوين مستمر، شاشتان تعرضان لقطات من فيلم شارك فيه ربيع مروة مع الممثلة الفرنسية كاترين دينوف مثّلت فيه دور نفسها كممثلة تريد ان تعرف ما حصل في لبنان كما مثّل ربيع دور نفسه وفي قريته نفسها، فيما يتكرر سؤالها: ربيع؟ ربيع؟ فيما نشاهد ارقاما غامضة المعنى على بيوت القرية المهدمة.’الشعب يريد’ لكن المعرض ذاتي جدا يدور حول ربيع وتساؤلاته الشخصية بدءا من عائلته وقريته وصولا الى لبنان والعالم العربي وما بعد بعد العالم العربي.

من الواقع السياسي اللبناني المعقد الذي تتلاحق اعماله لتستكشفه وتراه بمرايا عديدة يمتزج فيها التخييلي بالواقعي والتغريب المسرحي بالواقعية المؤلمة (التي تؤدي احيانا لمنع اعماله بداعي انها تثير ‘نعرات فئوية’ او تثير الذكريات السوداء للحرب اللبنانية.

معرضه الأول في لندن الذي افتتح الاسبوع الماضي ينبني ضمن هذا السياق لكنه يقدّم تطويرا جديدا يمتزج فيه الحدث السياسي العربي العام بالواقع اللبناني من ناحية، وبشذرات حياة ربيع مروة الشخصية والعائلية من ناحية اخرى.

وبعد ان كان المعرض مجهزا ليكون تحت عنوان ‘انا الموقع ادناه’، كما عرض السنة الماضية في هولندا، فان مستجدات ما يحصل في العالم العربي ادى الى تغيير مفاجئ للعنوان بحيث اصبح ‘الشعب يريد’. لا يقدم العنوان استجابة عفوية لما يحصل، بل يعتبر ذلك مناسبة للتساؤل والاستفهام والتطوير على الشعار الشهير وحتى الاعتراض عليه.’الشعب يريد’ تحوّل الى لوحة ربيع مروة الرئيسية التي استخدم واجهة غاليري ‘ريفينغتون بليس’ في وسط لندن مادة لها بعنوان كبير جدا باللون الاحمر تتدرج تحته مئات الكلمات التي يفترض الفنان ان الشعب يريدها.

يتضمن المعرض ايضا فيلما للفنان قام فيه بمناقشة قضايا سياسية لبنانية عميقة مثل قضية الشهيد الذي يصور فيلم فيديو يتحدث فيه عن نفسه كشهيد قبل انجازه عمليته الاستشهادية، وكذلك تصويرا خلفيا للقائد الشيوعي الياس عطا الله يظهر فيه كصورة مظللة تشير وتحرك ايديها دون ان نرى وجهه الا بعد انقضاء الحديث الذي لم نعرف عماذا دار.

يثير المعرض تساؤلات ملحّة في ظروف اشكالية لاهبة يحاول فيها كل طرف ان يصور الآخر بالأسود والابيض، دون ترك مجال لتدرجات او تساؤلات من النوع الذي يحاول فيه الفنان اثارتها.

التقيت بربيع صباح افتتاح معرضه. بدا بشعره المتناثر ونظرته الرقيقة مشغولا بفراشات في مكان ما. أحد اعماله الذي يقدم أرشفة ضخمة لكتب جده الكاتب حسين مروة، وتفاصيل اصابة منزلهم بقذيفة، وحديثه عن لقائه بزوجته، كلها بدت لي تفاصيل تشبه تفاصيل حياتي اللبنانية، لكن وقوف مروة على مهبّ التساؤلات في لحظة تعصف بالحاجة للموقف بدا لي ترفا كبيرا فكانت اسئلتي محاولة لتفكيك اسئلته:

ـ من ‘انا الموقع ادناه’ الى ‘الشعب يريد’. انقلاب كبير في العنوان يعكس ما حصل في الشارع العربي، كيف تمكنت من انجاز انقلابك الشخصي هذا وكيف؟

ـ بالنسبة لي ولا مرة يكون هناك عمل منته، او ان اقول أن هذا العمل أنجز. هذا بعالم الفن تحديدا. بالنسبة لي احب ان يستمر العمل في التطور، ويبقى تحت البحث ومن هذا المبدأ قدمت هذا المعرض بأوتريخ (هولندا) في BAK Art Centre عام 2010 تحت عنوان: انا الموقع ادناه. اغلب الاعمال تنطلق من تجربة شخصية كثيرا وذاتية كثيرا. ما يحصل في العالم العربي من ثورات لا يستطيع المرء الا يفكر بما يحصل، وانا من لبنان الذي هو ‘شقفة’ صغيرة من هالمحيط. التصادم الذي حصل في رأسي مع منظم العمل الذي اعمل معه ان المعرض يحمل توقيع شخص من شعوب تقوم بصراع بين الانا والنحن. في المعرض يتم عرض هذه القضية كعلامة استفهام. انا لا أتخلى عن الأنا، فان كان هناك شيء مهم في العالم فهو محل تحقيق الفرد والمواطنة. لهذا ارى ان شعار (الشعب يريد) فيه شيء من الالتباس، التباس يجعلني اتساءل من هو الشعب وماذا يعني ان الشعب يريد. بالنسبة لي اذا استبدلنا الشعب بالمواطنين يريدون، فان هذا يقدم معنى اكثر.

ـ سؤالي الفني ليس مع او ضد. سؤال يؤجل الجواب لأنه يقدم استجابة سريعة من جواب. انه تساؤل حضرني ووجدت من المهم ان اضعه في فني.

ـ لكن الا يجعلك الحدث تشعر بصراع ما. اليس من المنطقي ان تكون موجودا في مكان بين اتجاهين. لا أعتقد ان اي انسان في حالات معينة لديه ترف الوقوف في الحياد؟

ـأنا اعمل اعمالا يمكن للناس ان يستوعبوها في اي مكان عرضتها سواء كان ذلك لندن او بيروت. الجمهور ذكي كفاية ومثقف كفاية ليفهم تعقيدات فنان قادم من منطقة كمنطقتنا. الميديا تبسط السياسة لدرجة انها تلغي كل العمق الى ابيض واسود وتمركزها في ثنائيات عدو صديق او شرق وغرب الخ. انا لا اوافق على الثنائيات. هناك الكثير من التدرجات والتعقيدات التي يجب ان نشدد على وجودها.

ـ انت من عائلة ذات وزن سياسي وثقافي في لبنان، وهذا الأمر حاضر في معرضك من خلال الحكايات عن الجد والاب والام والاخت والزوجة الخ… كيف يؤثر هذا الامر في فنك؟

ـ بالنسبة لي هؤلاء جميعا مواد للبحث وطرح التساؤل. ما هو موجود في المعرض ليس ابدا اخبارا لسيرتي العائلية او الحياتية. هذه اشياء لا اجدها مهمة ولا اجدها ‘قدوة’ او ‘موديلا’. في اعمالي هناك مقاطع واجزاء صغيرة كثيرا من قصة حياة. لكن في قصة الحياة هذه الكثير من الثقوب والفجوات الناقصة. وزد على ذلك انني لا اجرب ان اخبر لأنني اجد هذه القصة مهمة بل لأجعلها موضوعا للتفكير وطرح السؤال اكثر. ما يهمني من القصة هو حثي او حث القارئ والمشاهد على طرح تساؤلاته الخاصة وتأملاته. قصص العائلة هي اذن مواد للتفكر اكثر مما هي مواد للاخبار. هذا ما يهمني في الموضوع وطبعا مثل اي قصة او سيرة فداخلها هناك التخييل وهناك الواقع ممزوجين ببعضهما بشكل لا اعرف انا ما هو الصحيح وما هو غير الصحيح. لقد تم جبل القصص بطين وماء التخييل والواقع ومن غير المجدي ان يعرف الواحد اين الصحيح من غير الصحيح.

برأيي ايضا ان السؤال عن التاريخ يتضمن السؤال عن سلطة التاريخ من حيث هل هو مؤلف من وقائع حقيقية او ان جزء منه تأليف وتخييل. هل هو هكذا ام لا؟ التاريخ هو ايضا مزيج بين وقائع حقيقية ونظرة تاريخية وشخصية للمؤرخ. عندما أقرأ تاريخا لا احاول ان اجد الصحيح من غير الصحيح ولا أتعامل معه لأصدقه او اكذبه بل لأتعامل معه كما هو.

ـ انت ممثل ومخرج وكاتب وفنان. كيف تتبادل هذه المجالات العلاقة بينها وفي أيها تجد نفسك غريبا اكثر؟

ـ لقد درست المسرح واشتغلت كمخرج وممثل، واذا اردت تحديدا ان استخدم الكلمة التي استخدمتها انت وأين احس بنفسي غريبا لأنني اجدها كلمة معبرة عني. عندما لا يتملكني احساس بأنني غريب في المجال الذي اعمل فيه فهذا يعني ان هناك مشكلا ما. يجب ان احس بغربة. خروجي من المسرح الى مجال آخر لا اعرفه ليس لرغبة في ترك المسرح ولكن لأعود للمسرح كغريب وليس كشخص من أهل البيت. مهم ان يظل المرء غريبا. واذا تكلمنا مجددا عن المواطنية والدولة فاقتراحي انها تنظيم العلاقات بين اثنين غريبين. ليست علاقة دم. مشكلتنا هي علاقات الدم والقرابة. يجب ان تقوم الحياة نفسها بتنظيمنا وبعد ذلك لكل شخص ان يفعل ما يريد.

ـ هل هذه رغبة في نوع من الحرية المطلقة؟

ـ الحرية ليست كلمة يمكن ان نقولها بسهولة. يجب ان يريدها وان ينالها، واذا اردنا ان نبسط الأمر فالمهم هو ان لا يقع الانسان في نمطية وان لا يحبس نفسه في كادر يصبح اسيرا فيه لما بناه. هناك فنانون كثيرون يقعون بذلك عن قصد او غير قصد وهذا أمر نابع من الكسل.

ـ بمناسبة انتقادك للكسل والنمطية، كيف ترى الى الحالة الفنية الراهنة في لبنان؟

ـ الفن في لبنان يتطور دائما وحتى ايام الحرب لم تقف الثقافة وبقي الناس يفكرون بأصعب الاوقات، وانا استخدم كلمة التفكير لأقول انهم ليسوا فقط اناسا يعبرون عن وجع ناتج عن ثورات او حروب. هناك اناس يجدون وقتا للتفكير حتى في خضم الحالات الطارئة وهذا شرط ليكون الانسان انسانا وليس فقط ان يصرخ صرخة وجع او فرح. الفن في لبنان بخير وانا التقي بفنانين مهمين ويفكرون لا فنانين يعبرون فحسب.

ـ لابد ان يكون لديك اراء سلبية ايضا في بعض الظواهر؟

ـ في كل المجالات وليس في لبنان فحسب هناك اشياء جيدة واشياء غير جيدة. معيار الجودة بالنسبة لي هو كم تقدم لك المادة من اثارة لفضولك وكم تهزك و’تلخبطك’. هذا دور الفن مبدعا كان ام غير مبدع.

ـ لكن الا يمكن اعتبار هذا التعريف نوعا من الترف في بعض الحالات التي نعيشها؟

ـ برأيي الفن كما قلت شيء ليهز كيانك ويغيره ويعيد النظر لديك في الأشياء ويجعلك تشك فيها. الفن ليس عملا سياسيا. الفن لا يصنع ثورات ولا يشارك في ثورات. انا شخصيا عندما اريد ان اشارك في حملة سياسية او بثورة ما اتخلى عن الفنان بداخلي واعمل سياسيا او مناضلا، لكن عندما اشتغل فنا فاول شيء افعله يكون ضد نفسي وضد افكاري. افضل محل للفن هو وقت السلم حين يكون لديه وقت ليفكر لأن الفن هو محل تأجيل الاجوبة لصالح البحث ولصالح التفكير ووضع احتمالات. لذلك هناك اشخاص بخضم الاحداث الكبيرة يمكن ان يمارسوا هذا النوع من الفن ضد انفسهم في تلك اللحظة بالذات.

مع ذلك فالناس، في الاحداث الكبيرة، يحتاجون الى الفن، من عمال مناجم تشيلي الذين كانوا يقرأون نيرودا الى شبان ساحة التحرير الذين يغنون للشيخ امام واحمد فؤاد نجم. كما لا يمكنك ان تنكر دور الفن في صناعة الثورة، وانا اتحدث عن عملية حراك ثقافية كبيرة يشارك فيها ادباء وفنانون وموسيقيون الخ… الفن ليس ليسلّي. الفن ليس للتسلية والترفيه. الفن امر يوجع الرأس. عندما يقوم السياسيون بمهرجانات خطابية كانوا يحضرون ما يناسبهم من فن. هذا شيء اسميه ترفيها وانا لست ضده لكن الفن شيء اخر محله البحث والتفكر. هناك نقاط يمكن اخرى يمكن ان يلتقي فيها هذا النوعان وان يختلفا.

ـ وما رأيك بما يسمى السوق الفنية التي تعتمد وسائل التجارة والاعمال الحديثة في التسويق والدعاية لبيع الفن. هل تجد ذلك امرا صحيا ومساعدا للفن ام امرا مناهضا للفن كما تتصوره؟

ـ لا اجد ذلك صحيا ولا أحبه.

صراحة هذا سؤال معقد. يمكنني ان اقول لك من تجربتي: انا اشتغلت 15 سنة موظفا بدوام كامل وكنت امارس الفن المسرحي خلال اوقات فراغي. هذا شيء غير جيد. انا احب التفرغ لعملي والعيش منه. اخذني الامر سنينا كثيرة حتى احقق هذا الطموح لكن الكثيرين من زملائي ما استطاعوا ان يستمروا والدولة في لبنان لا تدعم الفنان وبالتالي من الأكيد ان على كل فنان يجد طريقه ليستطيع التفرغ لانتاج اعمال فنية لأنني كما قلت فانتاج الاعمال الفنية هو مجال بحث وتفكير وعمل وليس الهاما ننتظر ان يهبط علينا. العمل الفني يحتاج وقتا والوقت هو مال.

بالنسبة للوحات الفنية القصص مختلطة ومعقدة. لا استطيع ان افهم كيف يكون ثمن لوحة ما 500 الف دولار واخرى بمئة الف دولار، ولا افهم كيفية وجود بورصة للفن. لقد استطاعت سلطة المال من نزل السياسي من الاعمال الفنية وتحولها الى مقتنيات ذات قيمة مادية فحسب حاذفة منها خلفياتها السياسية والاجتماعية والفكرية التي جعلت الفنان يقوم بهذا العمل. هناك سؤال دائم كيف يتمكن الفنان من حماية عمله من المصادرة من اي سلطة وهل باستطاعته ان يحمي نفسه وافكاره.

ـ وهذا يعيدنا الى عنوان معرضك (الشعب يريد)، فهل استطعت كفنان (اسقاط النظام)؟ ـ لا يستطيع الفنان ان يسقط النظام ولكن يمكن ان يلعب معه. لا يستطيع الفنان الا ان يكون داخل النظام، كيف يفعل ذلك؟ هذا هو السؤال.

اذا كنت خارج النظام فهذا يعني انك تدينه وبالتالي فانك تقول ان هذا صح وهذا خطأ وانا كما قلت في البداية ضد الثنائية والقصة ليست ببساطة القول ان هؤلاء خيرين واولئك اشرار. السؤال هو كيف يبقى الفنان وكيف يعمل من داخل النظام.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية